شعار قسم مدونات

الكلمة العربية.. الوجه الآخر للحظة التاريخ

مقاتلو القسام يتصدون للقوات المتوغلة في محوري شمال وجنوب مدينة غزة ويدمرون عدداً من الآليات من صفحه القسام على تيليجرام
مقاتلو القسام يتصدون للقوات المتوغلة في محوري شمال وجنوب مدينة غزة (صفحه القسام على تيليجرام)

الكلمة العربية، معادل حقيقي، دائما للموقف، ومعه تأخذ مكانتها وثبوتها المستمر، أيام عهد فتح مكة؛ ألم يحتفظ لنا رواة السيرة بذلك التوجيه النبوي بالدخول إلى مكة من موضع كداء وتحقيق قول حسان بن ثابت حيث قال:

عدمنا خيلنا إن لم تروها .. تثير النقع موقعها كداء

على امتداد مسار الحضارة الإسلامية، ظلت الكلمة الوجه الآخر للحظة التاريخية، واليوم نعيش ما يجري للشعب الفلسطيني في غزة وتفاعلات العرب والمسلمين إزاءه قولا وعملا، ومن ذلك الكلمات الأدبية والنصوص السائرة على طريق منهاج حسان بن ثابت وشعراء الانتصار للإسلام، من شتى بلداننا العربية، لأداء واجب المقاومة بالكلمة.

أختار هنا، 3 من النصوص التي كتبها شعراء من موريتانيا، معايشة لما يقع في غزة وحملا لسلاح الكلمة في أتون الاعتداء على غزة، وأبدأ مع نص معنون ب "طوفان الأقصى" للدكتور محمد أحمد المختار، كان مفتتحه قوله:

حلق ببشرك، إن الكون جذلان .. واسق الرؤى، فسحاب الحلم هتان

ولم يكن الشطر الأول أقل التحاما من العنوان، بماهية الأحداث التي يتناولها، إذ كأن كلمة "حلق" مواكبة حية ومسايرة ميدانية للمظلات الطائرة التي أغار بها جند كتائب القسام على نقاط العساكر الإسرائيليين في السبت المشهود، يحث بها الشاعر رفيقه المقاوم وقد اخترقا الأجواء معا صوب الميدان، كما تشمل "حلق" في تضاعيفها حداء متواصلا يدعو الجندي المقاوم لعدم التنازل والمواصلة في "التصعيد" أو الصعود حتى درك الأمل وتحقيق الهدف، ولأن هذا التحليق الذي حدث في السابع من أكتوبر قد مثل حلما لم يكن في الحسبان ورفع المعنويات عاليا، فقد سمح للشاعر أن يقول " واسق الرؤى، فسحاب الحلم هتان" والسحاب والتحليق بينهما ما بينهما من العلاقة والتناسب، وفي فلسفة الشاعر أن هذا الحلم الذي بدأ هتانا، حلم تمكن المراهنة عليه، واستمطاره فخاطبه بالقول "واسق الرؤى".

تزهو الشهادة حلما في عيونهم

فكلهم لفرات الموت ظمآن

وما دام هذا المنطلق التأسيسي قد ترسخ في ذهن الشاعر، فإن المنوال الشعري سيمضي في هذا الاتجاه متشبثا بالثقة الكبيرة في ما حدث:

حرب التحرر بالطوفان، قد بدأت .. فكل ما سيلي الطوفان طوفان

وقد انبنت الأبيات على طابع الاحتفال والاحتفاء لا غير، لذا من البداية كان هم الشاعر أن يتدخل في حركة عقارب الساعة بإرجاعها إلى تاريخ صباح السبت يوم انطلاقة الطوفان، لضبطها على ذلك التوقيت الملهم وحده ضمن توقيتات عصرنا اليوم، وذاك عبر بيته المحكم صياغة وفحوى:

اليوم يستيقظ التاريخ، كم سنة .. مرت من الدهر، والتاريخ وسنان

مضت الأبيات وفية لهذه النزعة، ولم يقبل الشاعر من مظاهر الدمار وغيرها أن تجتذبه عن الفكرة المركزية والتقويم الصحيح لما حصل حيث يراه بطولة، وانطلاق مشروع، فجاءت القصيدة كفاحية لا رثائية، ترفدها قدرات التصوير الجمالي لتسجيل الحقائق والمشاهد:

تزهو الشهادة حلما في عيونهم .. فكلهم لفرات الموت ظمآن

فتقنيتها في إثراء المحتوى، تقوم على تمجيد عملية الطوفان، وتقمص أدوار أبطالها حيث تصبح القصيدة عبارة عن مطاردة للمحتلين: "لا عاصم اليوم ينجيكم ولا جبل يأويكم.."

نص موريتاني، آخر، تتم إزاحة الستار عن مطلعه، فنرى المشهد وكأنه يحوي غزاويا يطل من عمليات الإنقاذ بين الأنقاض فيقول للناقد اللغوي الدي آدب ضاربا كفا مغبرة في كف:

فوق الثرى.. تحت الثرى.. سيان

تفتح قصيدة (الطوفان) منافذ الشعور على عوالم الجراح والدمار في غزة وتضع يدها من وراء قفا رأس العالم لتوجهه صوب الدمار في غزة وتجاه صورة الغزي القائل بلسان أدب المأساة والواقع:

انظر إلي.. أقاتل النيران.. هل .. لي برد إبراهيم.. في النيران؟

انظر إلي.. بصبر أيوب.. أقا .. سي ظلم هذا العالم الشيطاني!

وما تيقنه أهل غزة أصلا من عدم وجود القوة الدولية المساندة لهم، هو ما تلتقطه القصيدة لتصوغه عبر جواهر من الشعر في مثل البيت:

لا شيء يؤنس "يونسي" المنبوذ.. في .. ملأ.. سوى يقطينة الإيمان

ويضيف:

فإذا بآدم.. ليس آدم.. إنما .. قابيل.. مات ضميره الإنساني

والعلامات الدالة على ذلك، السكوت عن إبادة "الحيوان.. للإنسان "

وما بقاء حياة المرء إن سلبت

إرادة المرء بين الروح والبدن

ثم يمتلئ الغزي المسمى في النص "آخر الفرسان"، زهوا بنفس البطولة التي انقدح شررها، فينتج له الشاعر بيتا يوزاي جمال صموده، في لحظة من لحظات تعاضد الكلمة وسياقات أزمانها:

إني أنا السامي.. حقا.. من أبي .. نوح.. ورثت.. بطولة الطوفان.

يبدأ النص الثالث (عنوان الكرامة) للأديب الشاعر محمد سالم سناد، كما بدأ النص الآخر، كأنه بيان تتم إذاعته من فوق ركام المنازل المتهدمة بالغارات:

الموت أكرم من عيش بلا وطن .. ولا سماء ولا أرض ولا سكن

ثم يقرر الحقيقة على مقاس رأي المقاومة:

وما بقاء حياة المرء إن سلبت .. إرادة المرء بين الروح والبدن

في هذا النص، تحتشد أنفاس أبناء غزة وتفيض الأبيات بما في نفوسهم:

فهل تلومونها من بعدما حصرت .. عشرين عاما إذا ثارت من الكفن

وكأن الفرد من أبناء القسام، يوم أطبق إحكام كفيه على أي جندي إسرائيلي لا يجد أبلغ في نفسه، مقتبسا من قول الشاعر في القصيدة:

لا تحسبوا أن قتلانا مضت هملا .. وأن أشلاءنا طارت بلا ثمن

وأن هدم بيوت الآمنين على .. رؤوسهم طائر يشدو على فنن

لا تحسبوا أننا نبكي القتيل إذا

نال الشهادة أو نبكي على الدمن

ثم تترافد جزئيات محتوى أدب المقاومة، من خلال القصيدة ليقدم الرؤية حول ما حصل، استرجع السيف حقا ضيعوه وهل يسترجع الحق غير السيف في زمني؟، أو بصيغة أخرى ذاك حديث عن عملية الطوفان، تلك التي لا يمكن فصلها عن القسامي الذي وهبته هذه القصيدة الجزلة، العديد من الأبيات التي يبصم عليها بالعشرة ويجد فيها ذاته كلها:

فإن حرية الأقصى تهون لها .. أرواحنا ونفديها بلا منن

ويستعذب الشاعر ذلك فينطق الاسم بالتصريح إعجابا واستحبابا:

لقوا كتائب عز الدين رابضة على المكامن لم تضعف ولم تهن

ومثل ما يجسدون هم روح البسالة في معناها الحضاري الفريد، تواصل القصيدة في التعبير عنهم بالصياغات المجسدة لروح الأدب العربي بطابعه الأثير وسمته الرفيع:

لا تحسبوا أننا نبكي القتيل .. إذا نال الشهادة أو نبكي على الدمن

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.