شعار قسم مدونات

الأجسام المضادة.. قاطع!

من مظاهر المقاطعة في الأردن
من مظاهر المقاطعة في الأردن (الجزيرة)

قد تكون متحمساً لمقاطعة المنتجات التي تدعم الكيان المحتل في فلسطين، وقد تكون تأثرت بالمقاطع المصورة التي أظهرت إحدى شركات الوجبات الخفيفة الأمريكية، والمنتشرة على مستوى العالم، وهي توزع وجبات مجانية على جنود الاحتلال بعد ساعات فقط من هزيمتهم في معركة لم تدم أكثر من ست ساعات؛ ذاقوا فيها مرارة الهزيمة وجرح الكبرياء، وهدمت أسطورة الجيش الأقوى في المنطقة والذي لا يقهر، واشتدت عزيمتك حين عرفت أن المقاطعة أتت أكلها في أيام معدودة بانهيار أسهم تلك الشركات الداعمة للكيان المحتل، ومع توالي الأيام تتوالى خسائرها، ومن ثم يشعرك ذلك بأنك تقدم شيئاً للقضية الفلسطينية والإنسانية عامة، في ظل حرب الإبادة التي يشنها المحتل، والسكوت غير المبرر من الأنظمة العالمية لدرجة التواطؤ على الإنسان لا فلسطين وحدها.

حملات المقاطعة لها أكثر من فائدة لعل أظهرها هو ضرب اقتصاد الدول التي تساند العدوان، لكن من أهمها هو خلق عادة شرائية تصب في مصلحة المنتج المحلي والذي لا يستطيع المنافسة أمام إمبراطورية الشركات العابرة للقارات ومؤسساتها الإعلانية وعروضها المغرية

لكن الذي لا تعرفه أن حركة المقاطعة هذه تعمل على الأرض من دون تنظيم، وفي شكل تكتيكي منذ عشرين عاماً، وهي حركة احتجاجية سلمية، تستخدم المقاطعة الاقتصادية والثقافية ضد الاحتلال من أجل سحب الاستثمارات المالية من الدول وفرض عقوبات على المحتل للضغط على حكومة الاحتلال لوقف انتهاكاتها ضد الفلسطينيين، تتوسع هذه الحركة بعض الشيء لتشمل دولاً تمارس نفس الانتهاكات ضد الأقليات وعلى رأسها الأقليات المسلمة في الهند و ميانمار والصين، وغيرها، لكنها تتجدد بشكل كبير مع تصاعد الانتهاكات ضد الفلسطينيين، وهذا له أسباب لا مجال للحديث عنها الآن، لكن هذه الحركة في النهاية مؤثرة لدرجة لا يمكن لصناع القرار تجاوزها تحت ضغط رؤوس الأموال المتضررة لأصحاب تلك الشركات.

وفي المقابل بالنسبة للاحتلال فهناك تنظيم قائم ومرخص في أمريكا لا يعمل فقط بالتضاد لحركة (المقاطعة) التي تعمل موسمياً، مع كل أزمة أو انتهاك فج للاحتلال ضد الفلسطينيين، بل يعمل طوال العام من خلال التثقيف والتعليم وبث روح التسامح؛ بل التضامن مع الكيان المحتل، إنها منظمة (قف معنا)، وهي تعرف نفسها بأنها منظمة تعليمية عابرة للقارات وغير حزبية تدعم الاحتلال وتحارب معاداة السامية، مقرها الرئيسي في لوس أنجلوس، ولديها برامج في ست قارات ولها فروع ومكاتب في جميع أنحاء الولايات المتحدة وإسرائيل وهولندا والمملكة المتحدة وكندا والبرازيل وجنوب أفريقيا، وتعمل على تمكين وتنشيط الطلاب والمجتمعات من خلال التدريب على القيادة والبرامج التعليمية في مئات من الجامعات والمدارس الثانوية والمدارس المتوسطة، لمحاربة السامية وكسب دعم المستهدفين تجاه المحتل للأراضي الفلسطينية، مع ذلك فإن المقاطعة في أيامها التي قاربت على الثلاثين حققت ما لم تحققه المنظمة المنشأة في 2001 وتتلقى دعما غير محدود في جذب المتعاطفين، ما ترك أثره على الشركات التي تمت مقاطعتها.

تستمد حركة المقاطعة إلهامهاً مباشراً من الكفاح ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وكلتاهما استخدمتا المقاطعة بشكل فعال، لكن حال حركة المقاطعة الآن أفضل بكثير في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي قربت المسافات وشبكت العالم، ورغم وجود بعض وسائل التواصل المتحكم بها مثل "فيس بوك وإنستجرام وتيك توك"، فلا تزال وسائل التواصل متاحة، كما أن حملات المقاطعة ضد تلك الوسائل التي تحابي طرفا وتمنع وصول صوت المظلومين، قد تكون مقاطعتها أيضاً رادعة، ما يجعلها تعيد حساباتها، بالنهاية فإن البريد الالكتروني و"واتس اب وتليجرام" وغيرها من تطبيقات الرسائل الخاصة لا يمكن التحكم فيها وهي ناجعة لنشر أفكار حركة المقاطعة وتحفيز الناس على الاستمرار فيها، وتحذير المنخرطين في حملة المقاطعة من الإشاعات أو الحملات المضادة، مثل الحديث عن رأس المال الوطني المستثمر مع الشركات التي تمت مقاطعتها، أو تشريد العمالة جراء المقاطعة، وغيرها من الحملات التي من شأنها ضرب وحدة القرار أو الفت في عزيمة المشاركين، ومن ثم التراجع عن الحملة، فقد تكون وسائل التواصل هذه ناجحة، لاسيما في حالات الحملات الطويلة.

حملات المقاطعة لها أكثر من فائدة لعل أظهرها هو ضرب اقتصاد الدول التي تساند العدوان، لكن من أهمها هو خلق عادة شرائية تصب في مصلحة المنتج المحلي والذي لا يستطيع المنافسة أمام إمبراطورية الشركات العابرة للقارات ومؤسساتها الإعلانية وعروضها المغرية، والتي تستطيع تحمل تنزيلات من أجل البقاء في السوق تصل في بعض الأحيان إلى ستين بالمئة، ما يظهر مدى الجشع الذي تنتهجه تلك الشركات في سياستها التسعيرية، أو يظهر مدى قوتها المالية، في تحمل خسائر، لو فرضنا انها خسائر، من أجل البقاء في السوق، لأغراض استراتيجية متعلقة بأبعاد سياسية استعمارية.

المؤثرون من سياسيين وكتاب وإعلاميين وفنانين ولاعبين رياضيين عليهم دور في هذه المعركة ويجب أن ينخرطوا في هذه الحملات، فإن ذلك يحدث فرقاً كبيراً ويسهل عمل الحركة ويترك أثراً أسرع

هذا الدعم المالي غير المحدود تسقط أمامه الصناعة المحلية من أول جولة، وهو ما يحمل المنتج المحلي مسؤولية المشاركة في هذه الحملات بشكل مباشر من خلال زيادة الإنتاج تزامناً مع الحملات وتقديم عروض وتنزيلات مغرية، تجابه العروض التي تقدمها الشركات التي تتم مقاطعتها، مع الوضع في الاعتبار رغبة الجمهور لدعمه، ومع زيادة الإنتاج يمكن الاستفادة من العمالة المسرحة من الشركات التي يتم مقاطعتها في توجه قد يبدو وطنياً ويرفع أسهم الشركة، وعلى الدول أن تستجيب لمواطنيها، وتشجع منتجها الوطني بتخفيض الضرائب أو تقديم حوافز أخرى في حال استيراد السلع الرأسمالية الأساسية التي يحتاجها المنتج الوطني، واعتبار ذلك جزءا من معركة التحرر الاقتصادي وتوفير العملة الصعبة التي تخرج من البلاد في الغالب في منتجات ترفيهية أو استهلاكية قصيرة الأمد.

المؤثرون من سياسيين وكتاب وإعلاميين وفنانين ولاعبين رياضيين عليهم دور في هذه المعركة ويجب أن ينخرطوا في هذه الحملات، فإن ذلك يحدث فرقاً كبيراً ويسهل عمل الحركة ويترك أثراً أسرع، ولعل الحملة الأخيرة التي انخرط فيها مشاهير في كل المجالات بمن فيهم صانعو المحتوى على منصات التواصل، والأجانب منهم، وفضحهم الكيان المحتل ووكالاته ومنظمة "قف معنا" بإغراءاتهم لعدم الانخراط في حملات المقاطعة ضد تلك الشركات، ما هي إلا وقفات جادة ومؤيدة للمقاطعة التي جاءت في معقل الصهيونية، في أمريكا، وقد كان لها تأثير كبير وفعال، فقد أعلنت النقابات العمالية، ونقابات المزارعين، والطلاب والأكاديميين، والفنانين، ومجموعات العدالة المناخية، وشبكات عدالة السكان الأصليين، تحالفها مع حركة المقاطعة، بما في ذلك الصوت اليهودي من أجل السلام ، والاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا، والحملة الأمريكية من أجل حقوق الفلسطينيين.

لا تستهن عزيزي القارئ بانضمام هذه المنظمات والتي أثرت بشكل مباشر في الأزمة، فقد استطاعت تلك الحملة أن تمنع سفينة أمريكية من تحميل معدات لوجستية للكيان المحتل لأن حكومة بايدن تساند الاحتلال في قتل الأطفال في غزة، ألا يعد ذلك انتصاراً؟! عندما تعلم أن أسهم الشركات العالمية المقاطعة تنهار في البورصة، ولولا أن الأمر متحرك لوضعت لكم الأرقام، ألا يعد ذلك انتصاراً؟! عندما ترى بعينك أن تلك الشركات تعلن عن خصومات تصل إلى ستين بالمئة وتبور بضائعها على الأرفف ولا يشتريها أحد، ألا يعد ذلك انتصاراً؟!

تتكون الأجسام المضادة من أحماض أمينية ترتبط معاً بمختلف الارتباطات لتكوين سلسلة أكبر، وربما ترتبط بسلاسل أخرى، وعند البحث في سلاسل الأجسام المضادة نجد أنها قد تختلف من سلسلة لأخرى لكنها في النهاية جميعاً عائدة لنوع واحد، وتعمل هذه السلاسل مع بعضها أو بالالتصاق مع أخرى من أجل مقاومة لتغليف المكروب، ومن ثم تحفيز سلاسل أخرى مؤثرة في باقي الخلايا وتكمل بعضها بعضاً وتبدأ جميعاً بإطلاق مواد من شأنها تدمير المكروب في الخلية المصابة، وأكثر ما يميز الأجسام المضادة انها دوماً يقظة، ومستمرة في عملها لكشف ومهاجمة الميكروبات والفيروسات، وهكذا حال حركة المقاطعة تكون سلاسل قد تختلف في بعضها لكنها تعود لنوع واحد هو الإنسانية التي تجمعها وتتواصل مع باقي الخلايا في العالم وتلتصق بالشركات الضارة حتى يتم تدمير المكروب وآثاره، فقط كل ما أتمنى من هذه الحركة أن تظل يقظة ومتحفزة لتلك الشركات التي تتعدى أضرارها على شعوبنا واقتصاداته، أضرار القنابل النووية، فتلك الشركات تعمل بمنهج الإبادة الجماعية لاقتصادات للدول لتظل مسيطر عليها سياسياً بعد الهيمنة الاقتصادية عليها، لذا فإن حركة المقاطعة هي حركة تحرر، لو تحولت إلى عادة شرائية تدعم فيها المنتج الوطني، عزيزي المقاطع أنت أقوى من ملياراتهم ودباباتهم وصواريخهم.. قاطع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.