شعار قسم مدونات

الحرب الرقمية.. وحدود الفعل السياسي الرقمي

استخدام القنوات الرقمية للتواصل، سيكون له أثر إيجابي على أعمالك التجارية
قد تكون القوانين الناظمة لعمل الإنترنت سيفا ذا حدين في العديد من الدول حول العالم (شترستوك)

تنطلق الأهمية الضمنية لمواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة للفاعلين السياسيين من الفضاء الافتراضي الذي خلقته هذه المنصات للتعبير الحر عن الأفكار دون قيود، والهروب من هيمنة الإعلام التقليدي على المعلومة، بمعزل عن أجنداته، حيث أصبح الوصول إلى المعلومة وتداولها أسهل بكثير عن السابق.

الاقتناع بهذه الفكرة تعمّق مع تمكّن الفواعل السياسية من استخدام المنصات الرقمية لجعل قضية ما محل اهتمام الرأي العام ووسائل الإعلام التقليدية. لكن هل نجح هذا الهروب نجاحاً كلياً؟ أم أصبح المستخدم رهيناً لأجندة سياسية ودعائية؟

ظلّت هذه الفكرة سائدة لبعض الوقت ومتناقلة بين عامة الناس وبعض الباحثين والأكاديميين الذين عوّلوا على انعتاق الفرد من سلطة التقليدي إلى حرية الرقمي، وتحول العالم الرقمي إلى بيئة للديمقراطية الرقمية التشاركية التي تنطلق من حق المواطن في الحصول على المعلومات والأخبار والاستشارة والمشاركة السياسية. لكن بعض المشكلات التي واجهت الفعل الرقمي أثبتت وجود العديد من العوائق التي تقف أمام تحقيق بيئة خصبة للمشاركة السياسية الفعّالة وبناء ديمقراطية تشاركية.

تقوم مواقع التواصل الاجتماعي، على مجموعة من الخوارزميات وهي القاعدة التي يقوم على أساسها تسيير عمل هذه المنصات وتنظيم محتواها من خلال مجموعة من الآليات البرمجية لتحقيق مهمة محددة.

إن من المبالغة القول بأن الفعل السياسي الرقمي مطلق ومستمر الأثر، إذ لكل فعل حدود يقف عندها، وكذلك الفعل السياسي الرقمي، حاله كغيره من وسائل الاتصال، ليس مطلقاً إنما محدود بالعديد من المحددات التي تتعلق إما بالشركة المالكة للتطبيق المستخدم (الأداة الرقمية)، أو بالأنظمة والحكومات والدول التي يخضع الفرد أو الفاعل الرقمي لسلطتها وقوانينها (الديكتاتورية الرقمية).

ومنها أيضا ما يتعلق بالفعل والفعل المضاد المُستخدم من قبل فاعلين رقميين آخرين أفراداً كانوا أم مجموعات (حملات التأييد، حملات التشويه، حملات التضليل). كما أن حدود الفعل الرقمي تنتهي بانتهاء قدرته على التأثير وتحقيق الاستجابة الفعلية، إما لخطأ في إيصال الرسالة أو للأسباب التي سنذكرها فيما يلي:

  • أولا: فخ الخوارزميات: تقوم مواقع التواصل الاجتماعي، على مجموعة من الخوارزميات وهي القاعدة التي يقوم على أساسها تسيير عمل هذه المنصات وتنظيم محتواها من خلال مجموعة من الآليات البرمجية لتحقيق مهمة محددة. وخوارزميات الذكاء الصناعي ليست إلا جزءاً من العالم الذي تحكم التكنولوجيا سيطرتها عليه، بل هي أحد أهم أركانه نظرا لتجذر التطبيقات التي تعتمد بشكل مباشر على آليات الذكاء الصناعي وخوارزمياته المتداخلة مع مفاصل حياتنا اليومية.

وبالعودة إلى نظرية ترتيب الأولويات التي تقوم على وجود علاقة ارتباطية بين تركيز وسائل الإعلام على حدث معين وزيادة اهتمام الشارع به، نطرح سؤالاً يتعلق بتوظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتحكم في المعلومات المتدفقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتحديد ما سيشاهده المستخدمون، والتأثير على آلية تدفق البيانات ضمن حرب المعلومات العالمية، من خلال تضخيم حدث على حساب آخر، المشاركة في حملات تضليل الحقائق، بالإضافة إلى تفعيل استراتيجية إخفاء المعلومات ومنع تدفقها إلى الناس، كما يمكن لنا طرح سؤال آخر يتعلق بشق حرية التعبير ودور الخوارزميات في تأمين حرية تعبير غير مشروطة أو مقيدة لمستخدميها.

وتعمل الخوارزميات عن طريق الاستجابة للمدخلات التي تكون على شكل أوامر برمجية، يتم من خلالها تصنيف كلمات أو وسوم على أنها غير مرغوب فيها أو مخالفة لقوانين المنصة، فتستجيب الخوارزمية لهذه المدخلات بحذف المنشورات ومنع المستخدمين من تداولها، وصولاً إلى تعليق بعض الحسابات أو حذفها نهائيا من المنصة.

وتكمن خطورة هذا الأمر في تحوله إلى شكل من أشكال تسيس هذه المنصات، بفعل الضغوطات التي تُمارس عليها من قبل جهات محلية أو دولية.

  • ثانيا: تسيس القوانين: قد تكون القوانين الناظمة لعمل الإنترنت، سيفا ذا حدين في العديد من الدول حول العالم، بخاصة الدول الخاضعة لنظام ديكتاتوري شمولي. من جهة، حماية بيانات المستخدمين مسؤولية حكومية في إطار الصراع العالمي الدائر حول السيطرة على البيانات وبالتالي امتلاك القوة. فحرب المعلومات التي نعيش في خضمها اليوم، تعني أن مشاركة البيانات في عالم متصل رقميا، بدءاً من تسليمها الطوعي لقاء الخدمات التي تقدمها مواقع التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى ارتباط بياناتنا الصحية والخدمية والحكومية في نظام حكومي رقمي، سيزيد من فرصة إساءة استخدامها والتلاعب بها. كما أن المجتمع الرقمي على اتساعه، بحاجة إلى ناظم يضبط إيقاعه بغرض الحماية. لكن ماذا لو أصبحت القوانين التي تدعي الحماية من إساءة استخدام الإنترنت، سيفاً مسلطاً على رقاب المستخدمين في بعض الدول؟

الآفة التي لا يصلح فيها الفعل السياسي الرقمي أن يكون فعلاً ذا قيمة تأثيرية دائمة، هو محدودية أثره أو بقائه فقط ضمن حدود الفضاء الرقمي دون فرض إرادته على أرض الواقع، وهو ما يشكل نقطة ضعف لا يمكن التغافل عنها عندما يتم الحديث عن النشاط السياسي الرقمي.

  • ثالثا: قوانين المنصات الاجتماعية: كما أسلفنا في النقطة السابقة، فإن القوانين التي تسنها الحكومات، قد تقود في بعض الأحيان إلى مصادرة حرية الرأي والتعبير ضمن الفضاء الإلكتروني، وكذلك القوانين الخاصة بالمنصات الاجتماعية. وبمعزل عن تحكم الخوارزميات فيما يجب على المستخدمين مشاهدته، فإن قوانين وسياسات المنصات الاجتماعية تساهم في إسقاط نوع من الظل على النشاطات الرقمية خاصة المتعلق بالنشاط السياسي منها.

هذه القوانين تفرز تصنيفات على شكل مدخلات تتكامل مع عمل خوارزميات هذه المواقع. ويحق لهذه المنصات تنظيم المحتوى وحذف ما هو مسيء أو يضر بمصالح المستخدمين ويحض على العنف، إلا أن احتمالية استخدام هذه القوانين بشكل مسيس واردة، وهنا تقع مسؤولية زيادة نسبة الشفافية على عاتق هذه الشركات في تطبيق أحكامها وقواعدها.

  • رابعا: الفعل السياسي الرقمي المضاد: نظراً لتنوع الفضاء الرقمي، نجد تنوعاً بالآراء والأطروحات حيث تختلف في ماهيتها وشدة تأثيرها. فالدعاية لا بد لها من وجود دعاية أخرى مقابلة، والرأي السياسي لا بد له من وجود آخر يعارضه. وهكذا فإن الفعل السياسي الرقمي يتخذ قوة تأثيره أو ضعفه من خلال نوع الفعل المضاد ونجاعته.
  • خامساً: محدودية الأثر: إن الآفة التي لا يصلح فيها الفعل السياسي الرقمي أن يكون فعلاً ذا قيمة تأثيرية دائمة، هو محدودية أثره أو بقائه فقط ضمن حدود الفضاء الرقمي دون فرض إرادته على أرض الواقع، وهو ما يشكل نقطة ضعف لا يمكن التغافل عنها عندما يتم الحديث عن النشاط السياسي الرقمي. فحتى يكون الفعل السياسي الرقمي مؤثرا ينبغي أن يجد حضورا في الساحة التقليدية أيضا.

وهنا لا بد من طرح سؤال حول كيفية فهم خريطة التأثير وتشكيل الرأي العام في نطاق الفعل الرقمي، في ظل فوضى الآراء، والهشاشة الفكرية والسياسية والاجتماعية المتمثلة بسرعة الانفعال اللحظي على القضايا والأحداث.

هذه السمات لا يمكن لها أن تشكل رأياً عاماً راسخاً، لهشاشة بنيتها الأصلية، والروابط الضعيفة بين المستخدمين، مما يحول بين الفعل الرقمي وانتقاله إلى أرض الواقع، مع وجود استثناءات بطبيعة الحال، ولعل نجاح الفعل السياسي الرقمي في العالم العربي عام 2011، الذي أدى لانتقاله إلى أرض الواقع والميادين الشعبية في عدة دول عربية، يعد مثالاً حيّاً على نجاح التأثير المرهون، لكن هذا النجاح مرهون بالمرحلة وتحدياتها وخصوصيتها فضلا عن طبيعة الرسالة وطبيعة الاستجابة لها.

لذلك فإن قراءة أي فعل سياسي رقمي يجب ألا تخرج عن السياقات الخاصة بالحدث وطبيعته وتحدياته. ونجاح الفعل السياسي الرقمي بوصفه أداة ووسيلة مرهون بمفعوله الواقعي وروابطه المتينة بين الجهة المستخدمة والجهة المستهدفة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.