شعار قسم مدونات

عظِّم جهاد بنيك

لينا الخطيب للجزيرة نت: تلقيت تهديدا بالقتل بسبب تضامني مع غزة والدول الأوروبية تجهل تاريخ القضية الفلسطينية
إذا حكى الطفل قصة لأصحابه عن المستبد والبطل الذي هزمه فعظم جهاده أكثر فالقصة أيضاً رسالة وجهاد (الجزيرة)

فريقٌ طفوليٌ مصغّر "أنا وبشير أخي"، هو يثير الحماس لفعل شيء ما، أنا أولِّد الأفكار، ثمّ ننفّذ معاً..

تابعنا معاً اندلاع الانتفاضة الثانية في فلسطين حتى ملأ العجز أفئدتنا الغضّة وأثار بشير كعادته حماسي للتفكير بفعل شيء ما؛ فقررنا الصيّام وتكثيف الدعاء تضامناً ونصرة لإخواننا في فلسطين.

ربما كانت تلك القبلة على جبين بشير سبباً في اصطفائه شهيداً تحت التعذيب في سجون الأسد، بعد أن سُجِّلت صرخاته وهتافاته في كل شوارع مدينتنا بانياس! رفضاً للاستبداد ونصرة للمظلومين.

أبي كما اعتدنا عليه يومياً ينادي أفراد العائلة لوجبة الغداء بالاسم والترتيب حتى يجتمع الكلّ ولا يقبل الغياب، فاختبأنا ظنَّاً منّا بأن الكتمان أعلى أجراً وقبولاً، لكن أبي لم يتجاوز غيابنا واستدعانا.

بدأ بسؤال بشير: لم لم تنضم إلى مائدتنا؟

بشير: صائم

بابا: الآن؟ ولمَ؟

بشير: "تضامنا مع فلسطين"

أذكر قبضة أبي ترتفع وتهتز وصوته يعلو: أُحييك!

ثم وجه نظره نحوي وسأل: وأنت؟

فأجبت: مثله.. لم يقبل أبي بهذا الجواب وألحَّ؛ أرادني أن أردد عبارة "تضامناً مع فلسطين"، ويعيد على مسمعي "أحييكِ!".

ثم دعانا لأخذ "بوسة" شدّنا معها لحضنه قائلاً: لو أخبرتمونا نتشارك الأجر، أم تريدان الحسنات لكما فقط؟

لم تمضِ السنون بعد تلك القبلة سريعة ولا سهلة، بل كانت قاسية مريرة صعبة، جاهدنا فيها أيّما جهاد، وخسرنا ما خسرنا من أموال وأرواح، وربما كانت تلك القبلة على جبين بشير سبباً في اصطفائه شهيداً تحت التعذيب في سجون الأسد، بعد أن سُجِّلت صرخاته وهتافاته في كل شوارع مدينتنا بانياس! رفضاً للاستبداد ونصرة للمظلومين.

نعم، كان من الممكن جداً أن نرضى الخضوع والاحتلال، ونتقرب من المستبد نُعينه على الظلم، حتى يرضى عنا ونحظى برُتَب الدنيا الفانية، لولا أن عظّم أبي جهادنا وربّى فينا القضية ونصرة المظلوم بما استطعنا إليه سبيلاً.

تجمهروا حوله يشرح لهم ماذا يعني "شركة داعمة لإسرائيل" وكيف يشارك الداعم بقتل إخوة لنا ويستعين بالقائمة التي كتبها ليحفِّظهم ما لا ينبغي استخدامه.

وعلى أثره أردت تعظيم جهاد أطفالي.

فمع طوفان الأقصى، عاد ابني ذو العاشرة من المدرسة، وبيتي يعج بالضيوف بينهم أطفال متحمسون للقائه، لكن وجهه لم يكن كالمتوقع.

عبراته تخنقه؛ ما إن فتحت الباب قال: خبر سيء!

في درس الثقافة الدينية أخبرَتهم المعلمة عن البضائع التي تدعم "إسرائيل" وقد سجلها على ورقة، من بينها شركة ملابس لا يملك منها أيّ قطعة لكنها كانت تلفت نظره حين يرتديها أقرانه ويتباهون بها، "حتى هذه يا ماما تدعم إسرائيل!"

دخل فوجد أحد الأطفال يرتدي كنزة عليها شعار "بوما" بالخط العريض، اقترب منه أشار لكنزته وبصوت غاضب حاد: "هذه حرام اخلعها" واستجاب الطفل فوراً.

ثم تجمهروا حوله يشرح لهم ماذا يعني "شركة داعمة لإسرائيل" وكيف يشارك الداعم بقتل إخوة لنا ويستعين بالقائمة التي كتبها ليحفِّظهم ما لا ينبغي استخدامه.

غرغرت عيناه بالدموع: كلّ هذا كثير يا ماما، يجب أن نصنع شركات كبرى تدعمنا..

رسموا وخطّطوا وسجلوا كل المعلومات التي استحضرتها مخيلتهم عن أكبر شركة في العالم تدعمنا.

فليكبر طفلي يحمل همَّ أخيه الإنسان يخطط لدعمه ونصرته ويفكره بدحر عدوه وهزمه.

ابني الثاني، سميّ خاله الشهيد في الاسم والضحكات، يعتمد أسلوبه في الاستهزاء والسخرية من المستبد؛ يرسمه مقرفاً، يطلق عليه تسميات سخيفة، يُضحك الأطفال باستخدامه شعارات الشركات الداعمة، يقزِّم جهدهم ودعمهم ويسخر من وجودهم، حتى علت أصوات الضحكات وغطت ضعفنا وانهزامنا.

أخبرتهم أن اجتماعهم معاً جهاد يكرهه الاحتلال ويخافه، وأن سخريتهم جهاد يكرهها المستبد ويخافها وأن تخطيطهم جهاد يرعب الكيان ويزلزله وأن قهرهم جهاد وتفكيرهم جهاد وأملهم بالنصر أيضاً جهاد.

فليكبر طفلي يحمل همَّ أخيه الإنسان يخطط لدعمه ونصرته ويفكره بدحر عدوه وهزمه.

هل تستعجلون النتائج وتسألون ما ينفع رسم الطفل لوحة حنظلة؟

إذا رسم طفلك فلسطين عظِّم جهاده، علّقها وأخبره بأنَّ الفن رسالة تظهر للناس الحق، وإذا لعب صبيانك لعبة الحرب ونادى أحدهم طااخ! عظِّم جهاده واحتفي بنصره الخيالي، فما اللعب إلا وسيلة لفهم العالم

في إحدى الدورات التدريبية التي قدمتها عن الكتابة للأطفال، كان بين المتدربات أمٌّ مقدسية حكت لي أنها في كل مرة تصطحب طفلها إلى المسجد الأقصى يقترب منه جنود الصهاينة يهشون بوجهه ويبشون، يتقربون منه ويتوددون له، ثم بعد لحظات تراهم أنفسهم يضربون شيخاً ويأسرون شاباً!

لا ليسوا لطفاء ولا يحبون الأطفال؛ بل هم يخططون للبعيد جداً وعرفوا أن أسهل طريقة لتطبيع وجودهم هو البدء باحتلال قلوب الأطفال لكن أهل المقدس أدرى بهم وهيهات..

ومن باب أولى أن نحفظ أفئدة أطفالنا وانتمائهم لقضايانا وذلك بتعظيم جهاد الطفولة مهما صغر.

فإذا رسم طفلك فلسطين عظِّم جهاده، علّقها وأخبره بأنَّ الفن رسالة تظهر للناس الحق، وإذا لعب صبيانك لعبة الحرب ونادى أحدهم طااخ! عظِّم جهاده واحتفي بنصره الخيالي، فما اللعب إلا وسيلة لفهم العالم وما يجري وما صوتك إلا تحفيز لاستمرار السعي وبث الأمان فيه أنك على الطريق الصحيح.

وإذا حكى قصة لأصحابه عن المستبد والبطل الذي هزمه فعظم جهاده أكثر فالقصة أيضاً رسالة وجهاد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.