شعار قسم مدونات

عن الوعي وازدياد الوعي في زمن الطوفان

epa10945747 Participants walk during a protest in solidarity with people in Gaza, in Kreuzberg district of Berlin, Germany, 28 October 2023. Various organizations called for the rally under the motto 'Global South United!'. Thousands of Israelis and Palestinians have died since the militant group Hamas launched an unprecedented attack on Israel from the Gaza Strip on 07 October, and the Israeli strikes on the Palestinian enclave which followed it. EPA-EFE/CLEMENS BILAN
في زمن الطوفان استوعب العالم أنَّ كل نداءات حقوق الإنسان وتطبيقات النظام الدولي وأذرعه لا تعدو كونها حبراً على ورق (وكالة الأنباء الأوروبية)

تعايش الأمم في لحظاتها الفاصلة قدراً من الآلام، إلا أنها تتجاوز هذه اللحظات بوعي متراكم، ونظرة مختلفة للحياة، وآليات جديدة في التعامل والتعاطي مع الآخر، ومع ذاتها في ذات الوقت. وفي لحظتنا الراهنة؛ يعتبر زمن طوفان الأقصى أحد هذه اللحظات الفاصلة والحاسمة في تاريخنا الإسلامي. وهو ما يُلزمنا بضرورة استخلاص الدروس من هذه المرحلة، للاستنارة بها لقادم الأيام؛ إذ لا يمكن أن يظل حال العالم الإسلامي كحاله قبل طوفان الأقصى.

في زمن الطوفان تساقطت أمامنا كل الحسابات المادية الدنيوية، وثبت لنا أنَّ المعارك لا تقاس بالعدة والعدد والعتاد، إنما بحسابات ومعايير تتجاوز الإطار المادي؛ كما يخبرنا عنها الله عزوجل في قوله تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ)، وذلك في قصة الملك طالوت وجيشه في مواجهة جالوت وجنوده.

في زمن الطوفان استوعب العالم أنَّ كل نداءات حقوق الإنسان وتطبيقات النظام الدولي وأذرعه لا تعدو كونها حبراً على ورق، وأن تفعيل موادها وقوانينها يستلزم الاتصاف بصفات وسمات قبْلية. في هذا الزمن، قدَّمت القسام ومن ورائهم أهل غزة دروساً في معنى الحرية والجهاد، ومعاني الإباء والكرامة والتمكين، وهي معانٍ لا تُدرَّس في مدارس التدجين.

ما يُميّز طوفان الأقصى -ولا يستطيع العدو استيعابه- حجم الخسائر التي مني بها، وعدد القتلى والأسرى في صفوفه.

تزييف التاريخ والواقع

تحاول السردية الصهيونية عزل المعركة الحالية عن سياقها التاريخي، وإبرازها على أنها هجوم تتعرض له إسرائيل من قبل مجموعة إرهابية تعيش في غزة!؛ وذلك من خلال اختلاق دعاية نُشُوء الحرب في السابع من أكتوبر، عبر الترويج لفكرة قيام كتائب عز الدين القسام بإشعال فتيل الحرب وقتها!

هكذا بكل بساطة يحاول الصهاينة -عبثاً- طمس تاريخهم الاحتلالي المليء بالدماء في الحبيبة فلسطين منذ العام 1948م. ومحاولة إقناع العالم بغض الطرف عن حصارهم الكامل المفروض على غزة طيلة السنوات الماضية، والعمليات العدوانية المتكررة على غزة وأهلها في السنوات 2006 و2008 و2012 و2014 و2019 و2021، وغيرها الكثير.

ما يُميّز طوفان الأقصى -ولا يستطيع العدو استيعابه- حجم الخسائر التي مني بها، وعدد القتلى والأسرى في صفوفه. وأهم من ذلك الانقلاب في المعادلة حيث ابتدأت كتائب القسام الهجوم في هذه الجولة، إضافةً إلى فشل جهاز الاستخبارات الصهيوني -والعالمي كذلك- في إدراك حيثيات المعركة ومعرفة توقيتها.

لم تقتصر حملة التزييف على التاريخ فقط، بل تجاوزته لتشمل الحاضر؛ وذلك عن طريق محاولة حصر الصراع بين حركة حماس و"دولة إسرائيل". والانطلاق من ذلك لشيطنة الحركة وجناحها العسكري ووصمهم بصفات الإرهاب والوحشية، في مقابل إبراز جرائم الاحتلال على أنها من باب الدفاع عن النفس، وحماية المدنيين الآمنين!

ولا يتوقف الإعلام الصهيوني بكل أبواقه العالمية والإقليمية والعربية وعن طريق مختلف لغاته عن تكرار هذه السردية، والسعي لتثبيتها بكل السبل الممكنة، والتي تصل -في كثير من الأحيان- لحد السذاجة.

يضاف لذلك، المحاولة الساعية لطرح المغالطة المتمثلة في استعجال المقاومة شنَّ الحرب دون الاستعداد لذلك، والعجيب هنا أنَّ هذا الخطاب يفترض إمكانية سماح الاحتلال لمقاوميه بالاستعداد لمهاجمته!، وهذا إذا افترضنا أنَّ هناك حدوداً لتحديد معنى الاستعداد. ويعاني أصحاب هذا الخطاب عُسراً في استيعاب أنَّ هزيمة العدو المحتل لا تتم إلَّا عن طريق المحاولات المتكررة، وما حجم ردة الفعل الأخيرة إلَّا دليل على حجم الألم والخسائر التي تكبدها الكيان الصهيوني، بالإضافة إلى النتائج المحققة من قبل المقاومة والتي تبرز ثقل النصر في المقام الأول. ونتذكر هنا معاً كل الأصوات الخائنة التي أرضخت الأمة طيلة العقود الماضية وما زالت، ونتذكر قبل ذلك بقرون كُبراءهم (ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟)، ونتيقن أنها سنة الله في كونه وخلقه (ليَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ).

على الكيان الصهيوني والعالم الغربي أن يعلم بأن هذه السرديات لن تمر، وأن هذه المحاولات لن تنجح إلَّا في خيال أصحابها، ومن يتعاطف ويتواطئ معهم بطبيعة الحال. فالأمة تعلم اليوم تماماً؛ أنَّ الحرب على غزة حربٌ عليها، وأنَّ فعل المقاومة هو دفاع عن الإسلام وأهله ومقدساته كما هو سعيٌ لتحرير فلسطين، والدفاع عن غزة وأهلها.

يرتبط زيادة الإشعاع الإيماني بقدرة المرء على التخفف من حمولة المنظومة الغربية الحديثة، وقلة التعرض لإفرازاتها، وهو ما كان في صالح أهل غزة فترة حصارهم الغاشم؛ حقاً كانت محنا في طياتها منحٌ إلهية.

التمظهر التطوري في العقل الغربي في مقابل الإشعاع الإيماني

أظهر زمن الطوفان للعلن الفكرة المكتنزة في ذهن المخيال الغربي، والمتمثل في التعامل مع المجتمعات غير الغربية على أنها مجتمعات أقل إنسانية -حيوانية بتعبير أدق-، وهو ما يبسط إمكانية إبادتها والقضاء عليها، وعدم الشعور بأية غضاضة في فعل ذلك.

ولا يحتاج الأمر لتفكير عميق للرجوع بالذاكرة واستذكار مختلف المحطات التاريخية للإبادات الغربية للشعوب غير الغربية، وما قام به المستعمر الأوروبي في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا!؛ وذلك بحجة تطوير هذه المجتمعات ومساعدتها على التطور، والتسريع من عجلة التحديث فيها!.

يُلزمنا الأخذ في الاعتبار المسار التاريخي السابق؛ من التعجب ممن يستغرب ردة الفعل الغربي في زمن الطوفان، صحيحٌ أنَّ الاستغراب يمكن أن ينحصر في دائرة الفجاجة والفظاظة والعلن في الدعم، أما الارتباط الغربي بالكيان الصهيوني فهو راجع ليوم بدء احتلال فلسطين وتسليم بريطانيا راعية الحضارة الغربية وقتها فلسطين للصهاينة. وسيراً على نفس الخطى؛ تستمر اليوم أمريكا – وارثة هذا الدور- في عملية الدعم ومن ورائها جُلُّ دول أوروبا. وانطلاقاً من ذلك، يؤكد لنا زمن الطوفان أنَّ النقاشات والمؤتمرات والندوات والمشاورات التي عقدت بخصوص حل الدولتين والسلام وما إلى ذلك؛ لم تكن في حقيقتها سوى آليةٍ لكسب الوقت والتاريخ والجغرافيا لصالح الكيان الصهيوني، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ).

يرتبط زيادة الإشعاع الإيماني بقدرة المرء على التخفف من حمولة المنظومة الغربية الحديثة، وقلة التعرض لإفرازاتها، وهو ما كان في صالح أهل غزة فترة حصارهم الغاشم؛ حقاً كانت محنا في طياتها منحٌ إلهية. وهو ما أبرز بجلاء -في زمن الطوفان- مخرجات عملية التدجين الممنهجة التي مورست على مجتمعاتنا على المستوى السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي كذلك، ومازالت تمارس.

تمر أمتنا في هذا الزمن بلحظات فاصلة، ومحطة تحول في تاريخها، ويبقى السؤال الملح: هل نستطيع الاستفادة من هذه اللحظة وهذا الزمن فنحقق تحولاً حقيقياً في مسارنا التاريخي، أم أنَّ التحول في هذه اللحظة سيفشل ويتم إفشاله على غرار بقية محطات التحول التي مررنا بها؟. وختاماً، دعونا نستحضر معاً قوله تعالى {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}، وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- "قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.