شعار قسم مدونات

مجرد حصى!

‎⁨عاطف دغلس- الحاج نافذ بني جابر يشير الى ارضه المستهدفةب الرش بالمبيدات السامة عام 1972- الضفة الغربية- نابلس- عقربا- الجزيرة نت11⁩.jpg
كلما تملك المنتهى العظيم من وجدانك كان استعدادك لتحطيم العقبات قويا أو الموت دونها أقوى (الجزيرة)

وأنت سائر في طريق الحلم كان لا بد أن تمر بك لحظات تعب وفتور، تتوقف فيها عن السعي وتزل قدماك عن ثغرك فتؤتى من قبلك!

عليك أن تعلم أن العقبات تختلف باختلاف الأحلام.. فمن العقبات ما هو كالحصاة، وبعضها حجارة كبيرة صماء، والقليل منها جبال شامخات، تعي الناظر إليها بطول القمم الشاهقات.

صدقني في هذه اللحظات ستتعب، تضعف، تفتر، تتقهقر، تظن فيها أن أملك قد خاب، وأن بنيان الحلم قد أضحى قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، ربما تكون هذه الفترة بضعة أيام، أو شهور، وربما أيضا سنوات.. ولكن كما قلت لك هي "لحظات" ستمر قصر الأمد أم طال. وفترات الركود أمر عادي يمر به جميع السائرين في طريق الأحلام، هي محطة النزول فيها إجباري على جميع الركاب، الناس فيها نوعان:

  • من يجمع فيها شتاته، ويراجع خطواته ليصحح أخطاءه، يستريح فيها قليلا ليعود إلى الطريق قويا شديدا.
  • ومن يجلس فيها دهرا يندب ويلعن هذه المحطة وروادها؛ وذلك فقط لأنه بكل بساطة نزل فيها من غير سابق تجهيز ولا ميعاد، فيبقى جالسا يراقب الناس يمضون من حوله نحو الغايات والأهداف، لا يعي أن عليه الاستعداد حتى لا يفوته القطار ويذره فردا في احدى المحطات.

أن تنزل في المحطة أمر عادي، ولكن الأمر غير العادي هو أن تبقى جالسا فيها "لا تهش ولا تنش" حتى يفوتك القطار!

عليك أن تعلم أن العقبات تختلف باختلاف الأحلام.. فمن العقبات ما هو كالحصاة، وبعضها حجارة كبيرة صماء، والقليل منها جبال شامخات، تعي الناظر إليها بطول القمم الشاهقات. أما الحصى فيمكنك دهسها بقدمك والمضي قدما حتى من دون الالتفات، وأما الحجارة الضخمة فتتطلب منك بعض الاستراتيجيات والتكتيكات وربما الاستعانة ببعض الآلات، ويمكنك أيضا يا صاحبي الالتفاف حولها والدوران. ولكن تبقى العقبة الكبرى هي تلك الجبال الشامخات، تقف أمامها صفرا خاويا من الأمل، فارغا من وقود الحلم، حائرا تبحث خلفها عن ذاك القصد وذاك الهدف، ترى تسلقها أمرا صعبا أو شبه مستحيل، وإزاحتها من الطريق هو الأمر المستحيل!

 

يا دني الهمة، يا ضعيف العزم، الطريق طريق، ناح فيه نوح، وألقي في النار الخليل، وأضجع للذبح أسماعيل، وفارق الولد يعقوب، ونزل الضر على أيوب، وشج فيه رأس الحبيب

هل فكرت يوما أن تغير الطريق للوصول إلى الطريق؟

نعم، أنا أعي ما أقول فلا تنظر إلي بتعجب أو ذهول؛ فلا توجد في قائمة الحلول حلول تمكننا من العبور.. لذلك يكمن الحل الأمثل فيما قلت، تزحزح عن الطريق حتى تصير بعيدا عنه، لا يربطك به أمل أو حلم، ثم التف من حول الجبل لتعبر من خلفه، بهذا وبكل بساطة يمكنك العودة إلى طريق الحلم، بنفس تواقة، وروح أشعلتها الحماس بعد أن تخطيت جبلا من المشاكل والهموم، وعاودت المسير بثبات لا تنخره الظروف.. وقد قال الفارس أحمد شقير -رحمه الله-: لا تسر في طريق لا تعرف منتهاه، ولا يسرك منتهاه قبل أن تعرف عقبات الوصول، فكلما كان المنتهى عظيما كانت العقبات أليمة، وكلما تملك المنتهى العظيم من وجدانك، كان استعدادك لتحطيم العقبات قويا أو الموت دونها أقوى.

يا دني الهمة، يا ضعيف العزم، الطريق طريق، ناح فيه نوح، وألقي في النار الخليل، وأضجع للذبح أسماعيل، وفارق الولد يعقوب، ونزل الضر على أيوب، وشج فيه رأس الحبيب صلى الله عليه وسلم، فإذا نام المسافر واستطال الطريق، فمتى يصل إلى المقصود؟

هذا ما قاله لي معلمي وأستاذي ابن القيم -رحمه الله-، فخذها مني يا أخي طريق الحلم طريق مستحيل مستعر مليء بالجمر الملتهب الحارق، هو طريق شائك وعر لم يعبد بالأسفلت من قبل ولن يعبد يوما حتى تقوم الساعة ويمضي العمر. قطعه ألاف الألوف، ولم يصل منهم إلا قلة إلى القصد المقصود، اللهم قد بلغتك بهذا الأمر، ولقد برأت ذمتي لكي لا تأتيني ذات يوم وتقول لي مالك لم تقل هذا لي من قبل؟!

ثم تذكر أيها الساعي أن الله لن ولم يقدر لك عقبة لتوقفك عن سعيك إلا لسبب، وما هذا السبب إلا خير لك علمته أم لم تعلمه، وسواء عجله أم أجله لك، وكما قال القائل: "لا أحد سابقك، ولا أنت بسابق أحد، كل يسير لقدره، وكل ميسر لرزقه!".

فذاك يوسف عليه السلام وضع في السجن ظلما وبهتانا، لم يكن ربه غافلا عنه حاشاه، لكنه ولحكمته أرد أن يعيده ويجهزه ليعود إلى قصر الفرعون عزيزا لمصر، وليخرج عزيزا من ذاك السجن الذي قبع فيه مظلوما، فسبحان الله كيف ييسر الأمر!

وعندك أيضا كليم الله موسى عليه السلام، مضى هاربا من الجبار فرعون وقومه، ترك داره ومستقره وقراره؛ عله يهرب بجلده وينجو ممن يريد صيده وقتله، سأل الله أن يهديه سواء السبيل، فساقه الله حتى وصل مدين ووجد في الرعاة، التقى بنات شعيب وكان القدر أن يلبث عندهم عشرة سنين مهرا لأحدى البنتين. وما كانت تلك السنون إلا تهيئة وتمكينا له ليصبح رسولا نبيا ويصيرا كليم الله!

ما أضعفنا.. تهزمنا كلمة، توقفنا عن المسير نظرة، تحطم بنياننا همهمات الناس ونظرات الضحك والاستهزاء!

حينما وصلت إلى المبتغى التفت إلى الوراء لأنظر إلى الطريق؛ فأدركت بنظرتي تلك أن كل العقبات كانت مجرد حصى، حتى الجبال لم تكن جبالا كما كنت أراها من قبل

أتذكر تلك الليلة التي أكملت فيها حفظ سورة البقرة، في تلك الليلة وأنا أرتل آخرة أية من السورة كان نبض قلبي يتسارع بشدة، لم أكن قادرة على التنفس وإكمال القراءة، ثم أكملتها أخيرا وتنفست الصعداء وصدحت للعالم أنني أكملتها بعد جهد جهيد، وتعب كثير، وأخطاء لم تكن تحصى ولا تعد!

كنت أود أن أخبر كل شخص بمدى سعادتي، ولكن ما بين سعادتي وفرحي سمعت صوتا يقول لي: (حافظة.. أتقولين حافظة؟ كيف لحافظة أن تغضب والدتها؟ كيف لها أن تكون بهذه العصبية؟ كيف لها أن تكون حافظة وهي تعصي الله؟)

يومها تلاشت الابتسامة من وجهي، توقف النبض في قلبي، وشعرت بالقشعريرة في جسدي، قلت في نفسي: (حقا أنا لست أهلا لذلك، فما كان القرآن ليكون في صدر عبد إلا وهداه إلى سبيل الرشاد وغير طباعه إلى خير الطباع).

حينها هزمت، أوقفت الحفظ، شحب وجهي، وضاق علي العالم رغم سعته، أصبحت لا أقوى على فعل شيء، أو قول أي شيء. لم يلاحظ أحد انكسار روحي، لم يسألني أحد عن الهالات السود تحت مقلتي، لم يربت أحد على قلبي، لم يمسك أحد يدي، لم يخبرني أحد أنها فترة وستمضي. وما زاد الأمر سوء أن صديقتي التي حفظت معها قد اختفت فجأة، لم تكون معي، ولكن لا بأس عليها، فلقد التمست لها سبعمئة عذر بدلا من السبعين عذر، كنت أعلم أنها لن تتركيني إلا لأمر جلل، وخطب عظيم.

وعلى ذلك قس كل العقبات التي واجهتني في طريقي لحفظ القرآن، ولكني حينما وصلت إلى المبتغى التفت إلى الوراء لأنظر إلى الطريق؛ فأدركت بنظرتي تلك أن كل العقبات كانت مجرد حصى، حتى الجبال لم تكن جبالا كما كنت أراها من قبل، ولكنها بدت لي أصغر حجما وأحقر قدرا. لمت نفسي على كل ساعة قضيتها في البكاء والانتحاب بحثا عن حل يقيم اعوجاج الطرق والمسارات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.