شعار قسم مدونات

انتفاضة الحجارة.. كيف غيرت حياتي وشكلت أهدافها؟

أريد أن أحرر فلسطين والقدس وأحرر حيفا أيضا لأن جدتي ماتزال تعيش فيها (الفرنسية)

هناك الكثير من الأحداث التي تسهم في تغيير حياة الإنسان، وتطلق خياله وتسهم في زيادة قدرته على إنتاج أفكار جديدة، وهي نعمة من الله سبحانه وتعالى، يمكن أن تساعده في تحديد أهدافه.

لم أكن قد تجاوزت مرحلة الطفولة عندما انتشرت في تلك القرية النائية التي هاجرت عائلتي إليها قصة عن امرأة تتمتع بقوة جسدية تمكنت من ضرب نساء عائلتي على مصدر المياه الوحيد في القرية، فبدأ الرجال ينسجون حول قوتها الأساطير، ويسخرون من ضعف نسائهم، وقدموا إجابات مختلفة عن سؤال طرح نفسه: كيف تتمكن امرأة واحدة من ضرب عشرات النساء، ومنعهن من الوصول إلى مصدر الماء ليملأن "جرارهن".

عام 1987 أطفال فلسطين يضربون جنود الاحتلال الإسرائيلي بالحجارة، ويرد أحدهم بإصرار وهو يمسك (مقلاعه) على مراسل قناة تليفزيونية: أريد أن أحرر فلسطين والقدس

لماذا لا يضربنها بالحجارة؟!

شاركت مع الرجال في تلك المناقشة الساخرة، فأطلقت على تلك المرأة اسم "موشي ديان" الذي كنت أعتبره مثالا للطغيان والقوة الغاشمة، وكنت متعاطفا مع نساء عائلتي، وتساءلت: لماذا لا يضربنها بالحجارة؟!، فانتشرت الفكرة في القرية، وتمكنت النساء من الانتصار على قوة المرأة الغاشمة.

مضت سنوات طويلة، وتذكرت تلك الحادثة، وأنا أتابع مشهدا مثيرا للخيال عام 1987، أطفال فلسطين يضربون جنود الاحتلال الإسرائيلي بالحجارة، ويرد أحدهم بإصرار وهو يمسك "مقلاعه" على مراسل قناة تليفزيونية: أريد أن أحرر فلسطين والقدس، وأحرر حيفا أيضا لأن جدتي ماتزال تعيش فيها.

توقفت كثيرا عند تلك الإجابة التي فتحت مجالا جديدا للبحث في تطوير الكفاح الوطني، وتحرير فلسطين، وكنت في ذلك الوقت أعمل في مكتب جريدة خليجية في القاهرة، فكتبت عددا من الدراسات الصحفية عن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.

كنت أريد أن أوضح أهمية التجارب التاريخية للشعوب في تطوير قدراتها على تحقيق أهدافها، وأهمية تربية الأبناء، وغرس الإيمان بالحق في نفوسهم.

نشرت الجريدة ثلاث دراسات، لكنني فوجئت بمدير المكتب الذي عملت معه سنوات طويلة، وكان أحد أساتذتي في عالم الصحافة يقول لي: إن إدارة الجريدة قررت عدم نشر الدراسات الجديدة التي كتبتها.

ثم قال بأسف وحزن: إن الجريدة طلبت وقف التعاون معي، وأنها لن تنشر لي أي مواد بعد ذلك.. لم أسأله لماذا؟! فقد كنت أعرف أن الأمر ليس بيده.

الحضارة الإسلامية التي تجعل الكفاح ضد الاحتلال ينطلق من مبادئ وقيم أهمها تحقيق الحرية والعدل، والثقة في نصر الله، وعدم الاعتماد على المقاييس المادية الغربية للقوة

الانتفاضة الفلسطينية.. ثورة الذات الحضارية

قررت أن أجمع هذه الدراسات في كتاب، وأضفت إليها دراسات جديدة، أطلقت فيها لقلمي العنان، وقدمت فيه الكثير من الأفكار الجديدة، وركزت على دور الانتفاضة في إدارة الصراع مع قوة الاحتلال الغاشمة، وبناء المستقبل.

لكنني واجهت مشكلة في نشر الكتاب؛ إذ رفضته الكثير من دور النشر بحجج مختلفة، حتى هداني الله إلى دار نشر جديدة هي "الزهراء للإعلام العربي"، فنشرته بعنوان "الانتفاضة الفلسطينية: ثورة الذات الحضارية".

كان هذا الكتاب هو أول كتاب أنشره، وأحب كتبي إلى نفسي، وسافرت بعدها إلى بريطانيا لاستكمال دراستي للدكتوراة في جامعة ليستر، وهناك استخدمت الكتاب في إلقاء مجموعة من المحاضرات في الجمعية الإسلامية التي كنت نائبا لرئيسها.

أثارت المحاضرات خيال الطلاب من دول إسلامية مختلفة، وبعد المحاضرات كنت أفتح المجال للنقاش، وكان السؤال الرئيس الذي يطرحه الطلاب حول معني هذا المفهوم الذي استخدمته "ثورة الذات الحضارية"؛ فكنت أحاول شرحه بأسلوب مبسط يقوم على عرض التجربة التاريخية الإسلامية التي تشكل سمات الهوية، والحضارة الإسلامية التي تجعل الكفاح ضد الاحتلال ينطلق من مبادئ وقيم أهمها تحقيق الحرية والعدل، والثقة في نصر الله، وعدم الاعتماد على المقاييس المادية الغربية للقوة، وأن الإيمان بالحق يزيد شجاعة القلب والضمير.

أصر على أن استمرار الكفاح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وأن العقول الإسلامية قادرة على ابتكار الأفكار والأساليب التي لا يستطيع الاحتلال أن يتخيلها، وأن الصراع مع المشروع الاستعماري والصهيوني مفتوح وممتد

ما بعد أوسلو

عدت من بريطانيا إلى مصر، وتطورت الأحداث حتى وصلنا إلى معاهدة "أوسلو" التي شكلت لي صدمة جديدة، فأنا أعتقد أن هدفها الرئيس كان وقف الانتفاضة، ونتيجة لدراستي لتاريخ المشروع الاستعماري الغربي والحركة الصهيونية كنت أدرك أن تلك الاتفاقية لن ينتج عنها إقامة دولة فلسطينية، وأن المفاوضات سوف تستمر بدون نتيجة.

وبالرغم من أنني درست فنون المفاوضات، ودرستها في الكثير من الدورات التدريبية، إلا أنني أؤمن أن المفاوض الناجح يجب أن يبدأ بتحديد مصادر قوته، واستخدامها في تحقيق أهدافه. وأن التفاوض من موقف الضعف يدفع الطرف الآخر إلى إرغامك على تقديم التنازلات.

لذلك كنت أصر على أن استمرار الكفاح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وأن العقول الإسلامية قادرة على ابتكار الأفكار والأساليب التي لا يستطيع الاحتلال أن يتخيلها، وأن الصراع مع المشروع الاستعماري والصهيوني مفتوح وممتد؛ حتى يتحقق وعد الله بالنصر وتحرير فلسطين.

إيمان الإنسان بالله وبالحق هو الذي يجعله يستمر في العمل، ويصر على تحقيق أهدافه، وأنه يمكن أن يستفيد من التغيرات التي تحدث في العالم، ويوظفها لتحقيق أهدافه

انتفاضة الأقصى.. نموذج حضاري إسلامي للمقاومة

جاءت انتفاضة الأقصى لتشكل بداية مرحلة جديدة في حياتي، فانطلقت أكتب مقالات ودراسات عن هذه الانتفاضة، ثم جمعتها في كتاب "انتفاضة الأقصى: نموذج حضاري إسلامي للمقاومة"، كانت الفكرة التي ركزت عليها فيه، أن هناك الكثير من الشعوب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تكافح للتحرر من الاستعمار، وأن أهم إنجازات المقاومة الفلسطينية أنها تمكنت خلال انتفاضة الأقصى من تقديم نموذج جديد للكفاح من أجل تحرير الوطن، عن طريق تحرير الإنسان من الخوف، وتحفيزه لإنتاج أفكار جديدة، واطلاق خياله، وأن الإنسان هو الذي يبني القوة الصلبة والناعمة، ويقوم بالتنسيق بينهما.

يقوم هذا النموذج أيضا على أن إيمان الإنسان بالله وبالحق هو الذي يجعله يستمر في العمل، ويصر على تحقيق أهدافه، وأنه يمكن أن يستفيد من التغيرات التي تحدث في العالم، ويوظفها لتحقيق أهدافه.. وأن الاحتلال لابد أن يصيبه الضعف والجبن خاصة عندما يصيبه غرور القوة.

من المؤكد أن أمريكا وإسرائيل ودول أوروبا تمتلك القوة الصلبة، وتستخدم "استراتيجية التخويف" بها لترغم الشعوب على الخضوع، لكن الإيمان بالله يملأ قلوب الأحرار شجاعة وإصرارا، ويطلق خيالهم السياسي والجغرافي والعلمي

الإسلام يقود كفاح الشعوب

إن الكثير من شعوب العالم تحتاج إلى هذا النموذج الإسلامي للكفاح والمقاومة، وإن كانت الكثير من الشعوب التي قامت بثوراتها خلال النصف الأول من القرن العشرين قد اتجهت نحو الاشتراكية باعتبارها البديل لأيديولوجية المستعمر "الرأسمالية"، فإنها يجب أن تبحث لنفسها عن طريق آخر، وأن الإسلام هو الذي يمكن أن يقود كفاح الشعوب في القرن الحادي والعشرين للتحرر من كل أشكال الاستعمار والتبعية والاستغلال الرأسمالي والتبعية السياسية والاقتصادية.

ومن المؤكد أن أمريكا وإسرائيل ودول أوروبا تمتلك القوة الصلبة، وتستخدم "استراتيجية التخويف" بها لترغم الشعوب على الخضوع، لكن الإيمان بالله يملأ قلوب الأحرار شجاعة وإصرارا، ويطلق خيالهم السياسي والجغرافي والعلمي، ويفتح أمامهم آفاقا جديدة، والزمن سيحمل لنا الكثير من المفاجآت والأحداث التي تزيد قوة الضعيف، وتجعل القوة الغاشمة عاجزة أمام الإيمان والإصرار والأمل في الحرية.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.