شعار قسم مدونات

مشهد النهاية لعملية طوفان الأقصى الذي تريد تركيا كتابته

مسيرة من أجل فلسطين في لندن (الفرنسية)

"لست أتجاوز إذا قلت إن التاريخ العسكري سوف يتوقف طويلاً بالفحص والدرس أمام عملية طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر 2023 حين تمكنت قوات النخبة في كتائب القسام من الجدار العازل الصعب وإبطال كل تحصيناته والعبور للمنطقة المحتلة في غلاف قطاع غزة بعد أن أفقدت العدو توازنه، لقد كانت المخاطرة كبيرة والتضحيات عظيمة لمعركة 7 أكتوبر؛ خلال ساعات ست أسقطت فيها المقاومة أسطورة لواء غزة بجيش الاحتلال وأسكتت نيرانه وأفقدته القيادة والسيطرة في واحدة من أكبر العمليات التي أثخنت في العدو منذ نشأة الكيان المحتل". هذه المقدمة المقتبسة بتصريف من خطاب نصر أكتوبر على العدو "الإسرائيلي" الذي ألقاه الرئيس السادات أمام مجلس الشعب المصري في الــ 16 من أكتوبر عام 1973 أسجل به موقف، وأنطلق منه فيما هو آت.

مرت العلاقات بين تركيا والكيان المحتل بفترات صعود وهبوط، وليس من نافل القول أن نذكر أن تركيا "أتاتورك" هي أول دولة إسلامية تعترف بالكيان المحتل بعد أقل من عام من إعلانه

بداية، علينا أن نتفق على أن (الحرب تبدأ عندما تفشل السياسة، لكنها تحتاج السياسة عندما يراد لها أن تنتهي) ما يعني أن الحروب لا يمكن لها أن تستمر مهما طالت، فحرب الـ100 عام بين فرنسا وإنجلترا والتي استمرت 116 عام انتهت بتوقيع معاهدة بريتاني، وفي سبيل السياسة تحتاج الدول المتحاربة لوسطاء يقربون المسافات التي باعدت بينها القنابل، ويطببون الجروح التي خلفها الرصاص، ويقنعون كل طرف بالمشي نحو منتصف الطريق.

فيما يعرف بالدكتاتورية الشعبية، قد يكون متخذ القرار واقعاً تحت ضغط المطالب الشعبية وصوتها العالي، وتحت نفس الدكتاتورية، تطمح الشعوب لما هو أبعد من الواقع للوصول لأهداف تسطرها الأحلام أو الأمنيات، مدفوعة بعواطف الحماس والرغبة في الخلاص بعملية جراحية تتخذ من البتر وسيلة للعلاج، دون النظر في المعطيات ولا المآلات، في واقع هو أعقد من مخيلة العامة ومصالح الدول، حتى تلك الدولة الوسيطة التي يعول عليها العامة، أو حتى أصحاب المصلحة من المحسوبين على كتيبة السياسيين في تلك الأزمة.

مرت العلاقات بين تركيا والكيان المحتل بفترات صعود وهبوط، وليس من نافل القول أن نذكر أن تركيا "أتاتورك" هي أول دولة إسلامية تعترف بالكيان المحتل بعد أقل من عام من إعلانه، وأعطى كلا البلدين أولوية عالية للتعاون العسكري والاستراتيجي والدبلوماسي، وتنامت العلاقات التجارية، التي سجلت في 2022 بحسب وزير الخارجية التركي أكثر من 8 مليارات دولار، وزاد عدد السياح من الكيان المحتل لتركيا أكثر من 600 ألف سائح سنوياً، حتى صارت السياحة "الإسرائيلية" في المرتبة الرابعة بين الجنسيات الأكثر توافداً لتركيا، ومع تذبذب العلاقات بين العلاقات الحميمة والفاترة بعد وصول العدالة والتنمية، ظلت حكومة العدالة والتنمية متمسكة بالحل العادل للقضية الفلسطينية المبني على قرارات مجلس الأمن المختلفة.

اتصل الرئيس التركي بكل من أمير قطر وولي عهد السعودية ورئيس الإمارات والسيسي، والرئيس اللبناني، كما اتصل برئيس دولة الاحتلال، وليس رئيس الوزراء الذي يرى أنه سبب الأزمة

منذ بداية عملية طوفان الأقصى تحركت أجهزة الدولة التركية واتصل وزير الخارجية، هاكان فيدان، بنظرائه الفلسطيني والقطري والسعودي والمصري والإيراني، لبحث تطورات الأوضاع في فلسطين، وهنا تبدو إرهاصات التحرك التركي وشكل الدور الذي تنوي لعبه في تلك الأزمة، مع ذلك وفي اليوم التالي صرح الرئيس أردوغان، تصريحاً عميقاً فيه إدانة مبطنة، في قراءة لأسباب انطلاق عملية طوفان الأقصى بقوله: "إن من يغضّون الطرف عن جرائم الكراهية يلغّمون للأسف إرادة العيش المشترك للثقافات المختلفة في أجواء من السلام"، وهو تصريح من شأنه أن يضع الجانب "الإسرائيلي" في خانة المدان، بعد الانتهاكات المستمرة لجيشه وقواته الأمنية ومستوطنيه على مدى العام ونصف العام الماضي، والتي بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة في القدس، ثم ينادي: (أكثر ما نركز عليه في اتصالاتنا مع مخاطبينا هو إحلال السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة عبر حل القضية الفلسطينية وفق القانون الدولي).

وهنا يجب الوقوف عند من تواصل معهم أردوغان، لأن في ذلك علامة، فقد اتصل الرئيس التركي بكل من أمير قطر وولي عهد السعودية ورئيس الإمارات والسيسي، والرئيس اللبناني، كما اتصل برئيس دولة الاحتلال، وليس رئيس الوزراء الذي يرى أنه سبب الأزمة، أما القادة العرب والسيسي فلكل منهم دور، فقطر تحتضن قادة حماس والسعودية الدولة الأكبر في المنطقة، والرئيس اللبناني، حتى لا يفتح حزب الله جبهة جديدة، والسيسي حتى يتبنى أمر مساعي السلام ورغبة الطرف الآخر فيه، والاستفادة من تماس الحدود لإرسال المساعدات وهو ما حدث بعدها بيومين، والإمارات لها علاقات جيدة مع رئيس وزراء الاحتلال ما يعني أنه يفتح بابين مع الاحتلال من الرئاسة ورئاسة الوزراء بوساطة وتنسيق.

عندما أعلنت أمريكا إرسال حاملة الطائرات "يو إس إس غيرالد آر فورد" لدعم الاحتلال كان تصريحه قويا في هذا الشأن إذ تساءل خلال مؤتمر صحفي جمعه بالمستشار النمساوي، كارل نيهامر، في أنقرة: (ماذا ستفعل حاملة الطائرات الأمريكية بالقرب من إسرائيل ولماذا تأتي؟ ماذا ستفعل الزوارق والطائرات الموجودة عليها؟ ستضرب غزة وما حولها وتتخذ خطوات لارتكاب مجازر خطيرة هناك)، في شكل من أشكال الإدانة الواضحة للخطوة التي اتخذها بايدن والمدفوعة بالانتخابات الرئاسية المنتظرة في نوفمبر من العام القادم، ما يعني أنها خطوة أريد بها استرضاء اللوبي الصهيوني، وما يؤكد ذلك تلك المعلومات المضللة التي تضمنها خطابه أمامهم من قتل المقاومة للأطفال وقطع رؤوسهم وهي المعلومات التي اعتذر عنها البيت الأبيض لاحقاً، معلومات تلف الغرب وتشحن شعوبه ضد المقاومة وقضيته العادلة، وهو ما يحتاج لذكاء للتعامل معها، وطرف ثالث ضاغط يفك الاشتباك في ظل القوة النيرانية الغاشمة للاحتلال والمستقوية بالمدد الأمريكي الذي وصل إلى شواطئ البحر المتوسط.

إن موقف تركيا الصارم إزاء انتهاكات الاحتلال لاسيما بعد الهجمات البربرية الوحشية على المدنيين وقطع المياه والكهرباء على العزل في قطاع غزة، جعلت أردوغان يخرج نوعاً ما من محددات الدور الذي رسمه لبلاده منذ بداية الأزمة

لتركيا مصالح كبيرة مع الكيان المحتل، أهمها غاز شرق المتوسط الذي تتزعم تل أبيب تجمعاً إقليمياً لحرمان تركيا من حقها فيه، وهو ما جعل أنقرة تذهب باتجاه تبريد القضايا العالقة بينها وبين تل أبيب وجعلت أردوغان يلتقي برئيس الكيان، ولا شك أن حسابات تركيا بنيت في هذه الخطوة على الهدوء النسبي بين الاحتلال والمقاومة مع وضع حلول تقريبية قد تساعد فيها الانتخابات المؤجلة في الكيان والتي من شأنها أن تفرز حكومة أقل تشدداً يمكن التفاهم معها.

مع ذلك فإن موقف تركيا الصارم إزاء انتهاكات الاحتلال لاسيما بعد الهجمات البربرية الوحشية على المدنيين وقطع المياه والكهرباء على العزل في قطاع غزة، جعلت أردوغان يخرج نوعاً ما من محددات الدور الذي رسمه لبلاده منذ بداية الأزمة ويصرح بأن (ما يجري في غزة ليس حرباً، بل جريمة إبادة جماعية، ولا ينبغي لإسرائيل أن تنسى أنها إذا تصرفت كتنظيم وليس كدولة، فسوف يكون التعامل معها أيضاً على ذلك الأساس. أي حرب تعتمد على قطع الماء والكهرباء والطرق وتدمير البنية التحتية ودور العبادة والمدارس تسمى مجازر، كما أن أمريكا والغرب يصبون الزيت على النار).

كلمات لم ينطق بها ملك ولا رئيس من طول الطوق أو الجوار، ومع وضع الحقائق على الطاولة فإن القوة النيرانية للعدو وحلفائه تحتم إيجاد مخرج سريع قبل أن تستغل بعض الدول الموقف وتتخذ من غزة مساحة جديدة لتصفية الحسابات التي سيدفع ثمنها الأبرياء من أبناء غزة وفلسطين كما يقول دليل حروب الوكالة خلال العشرين عاماً الماضية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.