شعار قسم مدونات

حماس والخيار الوحيد

أبو عبيدة الناطق باسم كتائب "القسام"
أبو عبيدة الناطق باسم كتائب "القسام" (مواقع التواصل الإجتماعي)

يوماً بعد يوم تتكشف تفاصيل مؤامرة القضاء على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة، وتفاصيل المصيدة الكبيرة التي تم إعدادها بينما كانت تستعد للهجوم الكاسح على الشريط الحدودي الشرقي لقطاع غزة بمستوطناته ومواقعه العسكرية. هذه المؤامرة نجحت في أن تضع حماس في الزاوية، لتصبح هدفاً سائغاً لجميع المتربصين بها، محلياً وإقليمياً ودولياً. ولتضع حماس والشعب الفلسطيني أمام خيار واحد لا غير. فما تفاصيل هذه المؤامرة؟

وتدرك حماس أكثر من غيرها أنها تقف الآن أمام خيار وحيد، وهو الثبات والصمود والحكمة في إدارة المعركة القادمة لاصطياد جنود الاحتلال، وإيقاع أكبر عدد ممكن منهم ما بين قتيل وجريح وأسير، الأمر الذي سيهز كيانه ويزيده خزياً على خزي، ويعيد جيشه إلى حيث أتي.

بين هجمات سبتمبر وهجمات أكتوبر

ما أسوقه هنا ليس تقريراً معلوماتياً، ولا تحقيقاً صحفياً، وإنما قراءة واستنتاجات تفرضها علينا تفاصيل الأحداث وخلفياتها وقرائنها، قبل أن تختفي سريعاً تحت تراكم المستجدات المتلاحقة، وما فيها من كوارث ومآسٍ إنسانية تخلّفها الهمجية الصهيونية التي طالما اعتاد عليها الشعب الفلسطيني.

إن تفاصيل الأحداث وتسلسلها تشبه إلى حد بعيد مثيلتها في الهجوم على مركز التجارة الدولي عام ٢٠٠١م، لدرجة أن هذا التشابه يجعلنا نجزم القول بأن قيادة الكيان الصهيوني أعادت تطبيق نموذج هجمات ١١ سبتمبر/ أيلول ٢٠٠١م بحذافيره، وأعدت له عدته، وندلل على ذلك بالمقارنة بين الحالتين في الجوانب التالية على سبيل المثال:

  • معرفة الجهات القيادية العليا المبكرة بوجود تحركات مريبة تستهدف مراكز حيوية في الولايات المتحدة، وتعمد إهمال هذه المعرفة، حتى قبل وقوع الهجمات مباشرة، وعدم اتخاذ أي إجراءات استباقية تمنع وقوع أي أعمال، ولو من باب الاحتياط على الأقل، وهو ما حدث مع قيادة الكيان الصهيوني، التي لا يشك عاقل في أنها كان لديها رصد مبكر لما تقوم به كتائب عز الدين القسام من تحضيرات واستعدادات، وإذا شك العاقل في ذلك، فقد تأكد علم القيادة الصهيونية باحتمال وقوع الهجوم قبل وقوعه بأيام أو بساعات. وأضعف الإيمان ما أعلنه مكتب نتنياهو من أنه علم بالهجوم في الساعة ٦:٢٥ دقيقة من صباح السبت، أي مع توقيت بدء الهجوم.
  • تسهيل الطريق أمام المهاجمين للنجاح في مهمتهم.
  • الإعلان عن اختراق الهجوم لجميع أنظمة الأمن والدفاع المصممة خصيصاً لاكتشاف وإحباط مثل هذه الهجمات، في الولايات المتحدة وفي الشريط الحدودي لقطاع غزة.
  • تأخر الرئيس الأميركي جورج بوش في الإعلان عن الهجوم عدة ساعات، وكذلك تأخر رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو أيضاً في إعلانه عن الهجوم لمدة أربع ساعات ونصف الساعة، رغم الفزع الهائل الذي أصاب الشعب الإسرائيلي، حيث ظهر على شاشات التلفاز مخاطباً الشعب الإسرائيلي من مقر قيادة الدفاع في مدينة "تل أبيب" في تمام الساعة ١١ صباحاً.
  • كلا الرئيسين أعلن دخول الدولة في حالة حرب على كيان سياسي بمستوى "تنظيم" وليس دولة، واستنهض العالم للمشاركة في القضاء على التنظيم؛ بوش أعلنها ضد تنظيم القاعدة، ونتنياهو ضد تنظيم حماس.
  • البرود الشديد الذي ظهر على وجه الرئيسين أثناء إلقاء البيان، على غير عادتهما وبما لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الهجوم والنتائج المترتبة عليه.
  • كلا الرئيسين عمل على تضخيم التنظيم بلاغياً بما يتجاوز حجمه الحقيقي بكثير، مع تصويره على أنه مصدر التوتر في العالم والإقليم، والعائق الأكبر أمام تقدم العالم الحرّ في حالة بوش، وأمام مشروعات تعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط في حالة نتنياهو.
  • التضخيم المبالغ فيه للنتائج التي أسفر عنها الهجوم في كلتا الدولتين، وفي المقابل تبرير العدوان العسكري الوحشي الذي قامتا بها بوصفه ردَ فعلٍ على الهجوم، وغض الطرف عما يخلّفه هذا العدوان من كوارث وضحايا وانتهاكات وتجاوزات للقوانين الدولية.
  • حشد العالم لمواجهة التنظيم، وتقسيم دوله إلى قسمين، إما مع الدولة في مواجهة التنظيم، أو ليست معها واعتبارها داعمة للإرهاب، فحشد بوش حلفاً دولياً شارك فيه أكثر من ١٨٠ دولية، ودفع نتنياهو الدول العربية إلى الإحجام عن أن تشير بأي إشارة إلى حماس، عدا إشارات الإدانة والتنديد.
  • ضخامة النتائج والتغييرات المترتبة على ردة فعل كلتا الدولتين على الهجوم، والتي شملت احتلال أفغانستان والعراق وتغيير نظام الحكم فيهما، في حالة الولايات المتحدة، وستشمل تغييرات كثيرة في فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط في حالة الكيان الصهيوني. وإذا كانت الولايات المتحدة لم توقف حربها على الإرهاب حتى اليوم، فكذلك الكيان الصهيوني، في حال نجاحه في القضاء على حماس في غزة؛ سيواصل حربه بالتعاون مع الدول الموالية في المنطقة والعالم لشن حرب ضروس على الأطراف والكيانات والمؤسسات والشخصيات كافة؛ التي تعارض المخططات الأميركية الصهيونية في المنطقة.
  • عدم اكتراث كلتا الدولتين لأي انتقادات حقوقية حول انتهاكات ردود فعل الدولة للقانون الدولي، بل تعمّد الترويج إلى أن ما يصدر عنها من انتهاكات؛ لا يتعارض مع القانون الدولي لأنه يقع أثناء حربها على الإرهاب، بعد أن كفل لها الحق في الدفاع عن نفسها.
  • التبريرات الواهية التي تقدّمها الدولتان حول عدم تعامل كل منهما بالجدية اللازمة مع المعلومات المتوفرة مسبقاً حول الهجوم برغم خطورتها ومساسها بأمنها القومي.
  • خلط كلتا الدولتين المعلومات الواردة عن الحادث بالكثير من الأكاذيب والشائعات والتضليل، فضلاً عن التأثير العاطفي على الجمهور في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي للتعتيم على حقيقة ما حدث، والتعتيم على أية معلومات أو وقائع تصطدم مع أهدافهما.
  • الترويج المكثف للرواية الرسمية التي قدمتها كلتا الدولتين، واعتبار ما عداها مجرد تفسيرات تحليلية قائمة على نظرية المؤامرة، وتفتقد للدقة والمصداقية.
  • احتفاء الولايات المتحدة عالمياً بإنجازاتها في الحرب على الإرهاب، وتحويل الهجوم إلى ذكرى سنوية لتعزيز الحشد وتكريس التضليل حول حقيقة ما حدث، وسد الطريق أمام محاولات الوصول إلى الحقيقة، وهو ما ستلجأ إليه دولة الكيان الصهيوني سواء نجحت في تحقيق أهدافها أم لم تنجح.

تعاملت الولايات المتحدة مع هجوم ١١ سبتمبر على عدة مراحل لاستغلالها فرصة لتحقيق أهداف استراتيجية عليا للإدارة الأميركية حينها وللولايات المتحدة بشكل عام؛ بدءاً بتسهيل التحركات وغض الطرف عما يقوم به الأفراد المكلفون بالتنفيذ، ثم صدمة العالم بالهجوم، ثم إعلان الحرب على الإرهاب، ثم توفير الغطاء القانوني الدولي للرد على الهجوم، ثم احتلال أفغانستان والإطاحة بحكم طالبان، ثم إقامة نظام سياسي بديل موال للولايات المتحدة، ثم ملاحقة تنظيم القاعدة بهدف القضاء عليه قضاءً تامّاً. وبعد عامين قامت الولايات المتحدة بتكرار النموذج ضد العراق، بهدف التخلص من نظام صدام حسين.

إن تفاصيل الأحداث وتسلسلها تشبه إلى حد بعيد مثيلتها في الهجوم على مركز التجارة الدولي في الولايات المتحدة عام ٢٠٠١م، لدرجة أن هذا التشابه يجعلنا نجزم القول بأن قيادة الكيان الصهيوني أعادت تطبيق النموذج بحذافيره، وأعدت له عدته.

الخيار الوحيد

هذا التشابه الشديد بين ما قامت به حكومة بنيامين نتنياهو، وما سبق أن قامت به الولايات المتحدة في التعامل مع هجوم ١١ سبتمبر وما قامت به في أفغانستان والعراق؛ يعزز القول بأن حكومة نتنياهو قامت بتطبيق هذا النموذج تطبيقاً كاملاً، واستعدت له بهدوء شديد في انتظار الفرصة المواتية.

استعدت حماس استعداداً هائلاً، وقامت بتنفيذ هجومها، مدفوعة بإيمانها الشديد بقضيتها وشعبها وأهدافها المشروعة في مقاومة الاحتلال، والدفاع عن المقدسات، واستعادة الحقوق المسلوبة، ووضع حد لعربدة الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، دون أن يمنعها من ذلك افتقادها للإسناد العربي أو الغطاء الشرعي أو التوازن العسكري مع الكيان الصهيوني، ودون أن ترعبها النهايات، ولا الثمن الذي سيدفعه الشعب الفلسطيني الذي اعتاد على تسديده دون مقابل على مدى عقود طويلة.

وتدرك حماس أكثر من غيرها أنها تقف الآن أمام خيار وحيد، وهو الثبات والصمود والحكمة في إدارة المعركة القادمة لاصطياد جنود الاحتلال، وإيقاع أكبر عدد ممكن منهم ما بين قتيل وجريح وأسير، الأمر الذي سيهز كيانه ويزيده خزياً على خزي، ويعيد جيشه إلى حيث أتي.

لقد فقدت تركيا وسوريا حوالي ١٠٠ ألف إنسان في لحظات بفعل زلزال مرعش في فبراير/ شباط الماضي، ولن يوهن الشعب الفلسطيني أن يضاف إلى قوائم جديدة إلى مسيرة الشهداء التي يقدمها في سبيل تحرير أرضه واستعادة حقوقه، ولن يوهنه دمار البنية التحتية والفوقية التي طالما دمرها الاحتلال الغاصب، وأعاد بناءها بكل عزيمة وإصرار.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.