شعار قسم مدونات

الموازين بعد أسبوع.. من الطوفان

هل يمكن أن يستمر العدوان الإسرائيلي على المدنيين أكثر؟ (الأناضول)

قصف همجي يسعى لإبادة غزة تماما، يحيط بالكل، ولا يترك شيئا، بدون إنذار بدون طرق لأبواب الاتصال المختلفة، تهبط الأبراج، ينجو من ينجو، يرتقي من يرتقي، غزة تدفع الثمن، والهجمة شرسة للغاية، ما الذي يمكن أن يحدث أكثر، وما الذي يتوقع من طرف مصاب إصابة بالغة سوى الإقدام على هجوم شرس قد يكلفه كثيرا لكنه يريد الثأر لنفسه وصورته التي تضررت بشكل واضح.

هل يمكن أن يستمر العدوان الإسرائيلي على المدنيين أكثر؟ وهل لا تزال الموازين في صالح المقاومة بنسبة عالية؟ وما الخيارات الحقيقية أمام الأطراف جميعها.

هذا الانتقام حتى لو بلغ أقصى مداه فما حصل في السابع من أكتوبر قد قضى على نتنياهو، وإذا كانت حرب أكتوبر 73 قد أقصت جولدامائير وبارليف ودايان عن المشهد بصورة كلية أو جزئية، فإن طوفان الأقصى 2023 ستطيح فعليا بنتنياهو وبن غفير ومجموعتهما

في الحقيقة يواجه أهل غزة احتمالات أكثرها سوءً التهجير التام خارج القطاع تجاه مصر، أو تجاه جنوب غزة مع اجتياح إسرائيل للقطاع وتضييق الخناق على سكان غزة، وعدم توقيع هدنة معهم، وهذا الاندفاع الإسرائيلي ليس بسبب المفاجأة وهول الطوفان الذي أدهش الكل من مؤيدي إسرائيل، والإسرائيليين أنفسهم وفتح قوس الأسئلة الوجودية على الكيان نفسه، لكنه أيضا مدفوع بمشكلة نتنياهو المهدد بقضايا فساد، والمحاط باحتجاجات عارمة، ولهذا فإذا كان نتنياهو بحاجة لاقتحامات بن غفير والمستوطنين للأقصى ليغطي موقفه بهم، فهو بحاجة للانتقام من غزة ليتجاوز الكارثة التي حلت به في السابع من أكتوبر.

ومن جهة أخرى، فهذا الانتقام حتى لو بلغ أقصى مداه فما حصل في السابع من أكتوبر قد قضى على نتنياهو، وإذا كانت حرب أكتوبر 73 قد أقصت جولدامائير وبارليف ودايان عن المشهد بصورة كلية أو جزئية، فإن طوفان الأقصى 2023 ستطيح فعليا بنتنياهو وبن غفير ومجموعتهما، وفي المقابل فلا توجد أحزاب يسارية قادرة على المبادرة واستعادة السلطة، كما أن طبيعة النظم الديمقراطية كما في إسرائيل لا تسمح بسهولة بالإفلات من العقوبة السياسية حتى لو حدث الإفلات من العقوبة القضائية بطرق مختلفة.

أما الموقف العالمي فهناك مؤشرات عديدة فلأول مرة يضطر الغرب للتسليم بوجود حقوق مشروعة لشعب يسمى بالفلسطينيين، ولأول مرة نسمع تصريحات من الاتحاد الأوروبي بضرورة حماية المدنيين في غزة، هناك شيء ما يتغير، والسبب ببساطة أن الأوروبيين منشغلون بتحد كبير على حدودهم الشرقية في أرضهم، فأي إزعاج على مستوى العالم سيكون عبئا لا داعي له.

الولايات المتحدة الأمريكية لا تحتاج اليوم صداعا جانبيا في الشرق الأوسط، فهي الآن منشغلة بالمحيط الهادئ، وتمسك بأوراق اللعبة في أوكرانيا لتوريط روسيا أكثر، ولا ترغب في فتح جبهات متوسطية حاليا

ودخول الروس في الموضوع بتأييد الفلسطينيين نوع من استعادة دور سوفييتي قديم، ومن باب التعامل مع تركة المرحوم ومحاولة الإفادة منها بصورة ما، والأمر ذاته ينطبق على الصين، فهل ستفوت روسيا المتواجدة في سوريا فرصة كهذه للتدخل في المياه الدافئة، لا يمكن أبدا، وينطبق الأمر على الصين بمحاولتها اكتساب دور جديد.

أما الولايات المتحدة الأمريكية لا تحتاج اليوم صداعا جانبيا في الشرق الأوسط، فهي الآن منشغلة بالمحيط الهادئ، وتمسك بأوراق اللعبة في أوكرانيا لتوريط روسيا أكثر، ولا ترغب في فتح جبهات متوسطية حاليا، ولهذا فما الذي ستفعله لإسرائيل؟

في الختام، كان الصليبيون في المشرق متأثرين في قوتهم وضعفهم بمدى الوضع في أوروبا أو ما سماه مؤرخو المسلمين الأرض الكبيرة، حيث كانت الحملات الصليبية تمثل المدد البشري والمالي للإمارات الصليبية، وعندما دخلت أوروبا منتصف القرن الثالث عشر الميلادي كانت التحولات التجارية، والأفكار الجديدة، والتحولات السياسية المصاحبة وبواكير الإصلاح البروتستانتي قد أضعفت زخم الفكرة الصليبية، وجعلت منها خيارا غير ذي جدوى، ولا أهمية، وما إن تحطمت سفن لويس التاسع عام 1270 م على الشاطئ التونسي، وانسحب، حتى بدا جليا أن المشروع الصليبي لم يعد ذا جدوى حقيقية، ليعيد الصليبيون حساباتهم، ويفتحوا أشرعتهم، ويغادروا ميناء عكا عائدين للأرض الكبيرة.

التاريخ قوانين وليس وقائع تتكرر بأعيانها.. ولكل قانون شروط متى انطبقت وقعت النتائج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.