شعار قسم مدونات

التحقق من دقة المعلومة.. الفريضة الغائبة في غرف الأخبار

the fact checkers bible cover
غلاف كتاب: the fact checkers bible cover (مواقع التواصل الإجتماعي)

من المعروف في دوائر وسائل الإعلام ودور النشر عامة أن أي أخطاء في المعلومات والبيانات في أي مواد تقدم للقارئ تترك لديه أثرا سيئا وسالبا، خاصة فيما يتصل بالثقة في الوسيلة ومصداقية ما تقدمه من محتوى.

وهناك العديد من الدراسات التي أجريت للوقوف على أثر المعلومات الخاطئة، وأخطاء وسائل الإعلام في ثقة القراء بتلك الوسائل، وتجمع نتائج هذه الدراسات تقريبا على أن ثقة متلقي المحتوى تكاد تنعدم بالوسيلة التي تكثر أخطاؤها وتشتهر بإيراد المعلومات دون التحقق من صدقيتها.

والتحقق من دقة الحقائق والمعلومات وظيفة قديمة وأساسية في دوائر الصحافة ودور النشر، وهي الآن أكثر إلحاحا إذ يحتاجها الناس بشدة مع انتشار المعلومات المضللة، وشيوع الأخبار الزائفة وبمستويات مخيفة.

ولأن وظيفة التحقق من دقة المعلومات شبه غائبة في كثير من غرف الأخبار، فإن التوقف عند العديد من محطات كتاب المؤلفة الأميركية سارة هاريسون سميث: "دليل التحقق من دقة المعلومات" (The Fact Checker, s Bible) يصبح واجبا على كل صحفي وكل من يشرف على النشر.

العديد من وسائل الإعلام الأميركية أنشأت أقساما للتدقيق والتحقق من المعلومات حتى تحافظ على صورتها لدى القراء.

وتشرح المؤلفة الأميركية وبوضوح النقاط المهمة في أي عملية للتوثق والتحقق من دقة ما ينشر. والكتاب صادر في عام 2004 عن دار "أنكور" للكتب، بيد أن كثيرا من الموضوعات التي تطرق إليها ما زالت الحاجة إليها ملحة في وقتنا الحاضر.

ويبدو أن المؤلفة التي عملت في هذا المجال بمجلتي "ذا نيويوركر" (The New Yorker)، و"نيويورك تايمز" (New York Times) تتحدث من موقع الخبير بضرر الأخطاء سواء أكانت كبيرة أم صغيرة على المؤسسة الإعلامية، فهي إلى جانب انعدام الثقة تتسبب في السخرية من الكاتب ومن المؤسسة على السواء.

وترى أن مسألة تدقيق المعلومات والتوثق من صدقيتها يجب أن تشتمل على التالي:

  • القراءة الشاملة بهدف الوقوف على مستوى الدقة.
  • تحديد ما يجب التحقق من دقته.
  • البحث عن الحقائق.
  • تقييم المصادر: من أشخاص، ووسائل إعلام، ومواد على الإنترنت.
  • التحقق من الاقتباسات.
  • فهم المسؤوليات القانونية.

وحسب ما جاء في كتاب سميث، فإن تدقيق المعلومات والبيانات مهنة لها تاريخ طويل خاصة في مجال صناعة المجلات الأميركية ويعود إلى عشرينيات القرن الماضي، وكانت مجلة "تايم" (TIME) أول من اهتم به، وأول من عملن به كنّ من النساء، وكان ينظر إليه في ذلك الوقت باعتباره عملا نسائيا بحتا.

وبعد تجربة "تايم" و"نيويوركر" و"نيويورك تايمز" حذت العديد من وسائل الإعلام الأميركية حذو هذه المجلات في تأسيس أقسام التدقيق.

التدقيق يجب أن يشمل أيضا مسائل: التوازن، واختيار المصادر المناسبة للموضوع، أي المصادر العلمية وذات الثقة.

وإلى جانب الخوف من الدعاوى القانونية، فإن العديد من وسائل الإعلام الأميركية أنشأت أقسام التدقيق والتحقق من المعلومات حتى تحافظ على صورتها لدى القراء. وتشير المؤلفة إلى أن صحيفة "نيويورك تايمز" أنشأت في عام 1972 قسما خاصا لتصحيح الأخطاء، بيد أنها ذكرت أن بعض المؤسسات لم تفعل ذلك، وإنما توزع مسؤولية وجهد التحقق من دقة المعلومات بين العاملين في أقسامها الأخرى.

وفي هذا السياق، ترى المؤلفة أن تدقيق المعلومات والتأكد من صدقيتها ربما يشكل عبئا ما، لكنه مفيد ومطلوب للعملية التحريرية برمتها. وتضيف أن وضع معايير مؤسسية للتدقيق والتوثق من المعلومات يتطلب التعاون بين أقسام المؤسسة المختلفة.

وتشير المؤلفة إلى حالة صحيفة "نيويورك تايمز" التي تقول إنها عرفت بأنها الأفضل بين الصحافة الأميركية فيما يتعلق بالدقة. ولكن وحسب المؤلفة، يبدو أن ثمة تغييرا ما حدث، حدا بإدارة التحرير أن تعقد اجتماعا مهما عام 2000 لمواجهة المشكلة التي كان أوضحها الأخطاء في كتابة أسماء الشخصيات.

وفي هذا الصدد تقول المؤلفة إن بعض المؤسسات الإعلامية قد تتراخى في موضوع تدقيق المعلومات والحقائق، وتسمح بنشر العديد من المواد دون تدقيق، بهدف السبق.

وتعتقد أن التدقيق يجب أن يشمل أيضا مسائل: التوازن، واختيار المصادر المناسبة للموضوع، أي المصادر العلمية وذات الثقة. وتحذر من الاعتماد فقط على ما هو منشور على الإنترنت.

وترى المؤلفة أن من أساسيات التدقيق الحرص على إيراد اقتباسات السياسيين والمسؤولين كما قيلت تماما، وتضع شروطا لذلك مثل:

  • هل كتب الاقتباس كما قاله المصدر تماما؟
  • هل يأتي وفق سياقه الصحيح والمناسب؟
  • هل يحتوي على حقائق ومعلومات صحيحة؟

وتشير في هذا السياق إلى ضرورة الحرص دوما على الالتزام بما يقرره القانون والعرف في الأخذ من اقتباسات الآخرين وأقوالهم.

الحرص على تدقيق البيانات والمعلومات يجنب المؤسسات الإعلامية كثيرا من المشاكل وخاصة الأخلاقية والقانونية وتبعاتها التي قد تصل إلى خسارة ملايين الدولارات.

انتحال وسرقة وتشهير.. وملايين الدولارات

وتتطرق المؤلفة في كتابها إلى أهمية تدقيق الحقائق والمعلومات حتى لا تكون المؤسسة عرضة للاتهام ورفع قضايا عليها بدعوى السرقة والانتحال والتشهير. وتشدد على ضرورة أن يحرص الصحفي دوما على الإشارة إلى الجهة التي استقى منها معلوماته، وهو ما يجب أن تتأكد منه المؤسسة عبر الإدارة أو الجهة المنوط بها التوثق والتأكد من دقة المعلومات قبل النشر.

وتختتم المؤلفة كتابها بالتأكيد أن الحرص على تدقيق البيانات والمعلومات يجنّب المؤسسات الإعلامية كثيرا من المشاكل وخاصة الأخلاقية والقانونية وتبعاتها التي قد تصل إلى خسارة ملايين الدولارات؛ تدفعها في صورة غرامات أو تسويات في حال لجوء المتضررين إلى المحاكم.

وتشير إلى أن المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة خسرت نحو ثلثي قضايا التشهير التي رفعت ضدها والتي بلغت غراماتها ملايين الدولارات. وتقول إن المصروفات القانونية فقط وصلت في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات، وضربت مثالا بقضية شركة "فيليب موريس" ضد شبكة "إيه بي سي" (ABC) التي زعمت أن الشركة أضافت عمدا مزيدا من النيكوتين إلى سجائرها، ولأن الشبكة التلفزيونية لم تكن محقة في زعمها فقد قبلت بالتوصل إلى تسوية مع" فيليب موريس" قبل الذهاب إلى المحكمة، وقد نشرت اعتذارا للشركة والتزمت بدفع المصروفات القضائية التي بلغت 15 مليون دولار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.