شعار قسم مدونات

نافذة على كتاب.. سلطة الثقافة الغالبة

ما كان افتراء على الحقيقة قول ابن خلدون "المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه".

ولئن مضت على تلك المقولة قرون متتابعة، فإن ذلك لا ينفي أن حقيقتها ما زالت حية، وستبقى ماثلة أمامنا على مر العصور، وقد رصد تجلياتها في هذا العصر في مجتمعاتنا الإسلامية -والعربية منها بشكل خاص- الكاتب إبراهيم بن عمر السكران، وكانت له معها وقفات سجلها في كتابه "سلطة الثقافة الغالبة" الذي نفتح من هنا نافذة عليه.

ففي النصف الأول من القرن 19 استيقظ المسلمون على "فارق الإمكانات" بين أوروبا والمجتمعات المسلمة؛ فظهرت حركات تبحث عن النهضة، منذ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ثم من بعدهما، لكن هذه الحركات بدلا من أن تحيي معاني العزة والتحدي والثقة بالنفس الجمعية، وبهذا تنهض الأمم؛ نشرت ما تعيشه هي في ذاتها من شعور داخلي عميق بالهزيمة النفسية لثقافة الغرب الغالب؛ وأوصلها ذلك إلى تأويل المعطيات الشرعية لتوافق الثقافة الغالبة، لا سيما عبر آلية حقن اللفظ التراثي بالمضمون الغربي ليناسب البيئة الجديدة. وتواصلت من ذلك الحين وإلى يومنا هذا التيارات المنكسرة لسلطة الثقافة الغربية الغالبة، التي أكدت توجهها حالة الانهيار النفسي للمغلوب أمام نفوذ المستبد الثقافي، وهذا التوجه ظهر في نواحٍ عدة عرضتها فصول الكتاب.

نجد عند أسرى الثقافة الغالبة ما يسميه الكاتب "تقنية التبعيض" فنرى العلمانيين اختزلوا الإسلام في حرية الاجتهاد المدني، والليبراليين اختزلوا الإسلام في الحريات العامة، التنويريين اختزلوا الإسلام في قضايا الحضارة والعلوم المدنية، واليساريين اختزلوا الإسلام في الاحتجاج السياسي

أولا: استقبال النص

كثيرا ما يدعو المتأثرون بضغط الثقافة الغالبة في مجتمعاتنا الإسلامية إلى عزل النص الشرعي عن التجربة البشرية، لإسقاط الاحتجاج بفهم الصحابة لنصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا يخالف ما أمرنا الله جل شأنه به، بأن نتبع هدي سلفنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان.

ونجد عند أسرى الثقافة الغالبة ما يسميه الكاتب "تقنية التبعيض"؛ فنرى العلمانيين اختزلوا الإسلام في حرية الاجتهاد المدني، والليبراليين اختزلوا الإسلام في الحريات العامة، والتنويريين اختزلوا الإسلام في قضايا الحضارة والعلوم المدنية، واليساريين اختزلوا الإسلام في الاحتجاج السياسي. وبناء على ذلك تتسلط كل فئة بالمكابرة التأويلية على كل نص يهدم هرم أولوياتها الفكرية. وذلك يخالف منهج أهل السنة والجماعة الذين لا يتأثر أخذهم وردهم من النصوص بنمط تأثرهم بالثقافة الغالبة، بل يستوعبون خلاصة توازنات النصوص.

ويلاحظ إبراهيم السكران أن كثيرا من أصحاب التيارات الفكرية التي امتهنت شرعنة مفاهيم الثقافة الغالبة لا يتورعون عن التمسك بأدنى شبهة ليقدحوا في قطعية النصوص التي يُحتكم إليها، حتى يكاد أن يكون القطعي عندهم ما اتفقت عليه الأمم فقط، أو بشكل أدق ما اتفق عليه الغالب والمغلوب فقط.

وكذلك فعّل أولئك "تتبع الرخص" بطريقة مغرضة من دون مراعاة الفرق بين "رخص الله" و"رخص المجتهدين". والواقع أن مضمون "تتبع الرخص" بكل وضوح وإيجاز هو أنه "إذا اختلف العلماء في مسألة فيجوز الأخذ بالأهون على النفس، ولا يجب الأخذ بالأرجح دليلا". وقد أطبق السلف على التشنيع الشديد على هذا المعنى، وربطوه بمعنى الانحلال من الدين والتكاليف الشرعية. وتضمن الكتاب لهم في هذا أقوالا كثيرة.

وتحت شعار "التجديد"، نسمع اليوم من يقول إننا يجب أن نطور أحكام الإسلام لتتناسب مع الذوق المعاصر، وفي هذه المقولة "معنى ضمني" يخفيه صاحبها، وهو أنه يعتقد أن الذوق المعاصر أرقى من أحكام الوحي.

يستوقف صاحب الكتاب ما يلمسه عند القوم من فهم معكوس للتجديد المطلوب في كل من العلوم المدنية والعلوم الشرعية؛ ففي العلوم المدنية ليس لديهم إلا الاستيراد والتقليد، ولا نرى إبداعات مدنية عربية حقيقية، تخرج بنا عن إطار الماضي لنصعد بشموخ إلى المستقبل

ثانيا: العلوم المعيارية

حين بدأ المستشرقون بحوثهم في المشرق العربي، استحوذت على أعمالهم قضية الطعن والتشكيك وبث الارتياب في "الثبوت التاريخي للقرآن والسنة". وكتبوا في ذلك عدة كتب، ثم صار يروج نظريتهم اليوم في تحريف القرآن بعض الفرانكفونيين كأركون وغيره.

أما في تدوين السنة، فمن أكثر ما كثفوا معاولهم عليه الطعن في المكثرين من رواية الحديث؛ فرأوا أبا هريرة أكثر من روى الحديث من طبقة الصحابة، والزهري أشهر من دارت عليهم الأسانيد من طبقة التابعين، فخصوهما بالطعن والتشكيك؛ وتبعا لذلك جاءت الحملة المسعورة على متون السنة النبوية، والتبجح برد الأحاديث؛ لا إسنادا إلى قواعد عقلية موضوعية، وإنما استجابة للذوق المحض تحت تأثير الثقافة والقيم الغربية الغالبة.

في جانب آخر، لاقى علم أصول الفقه وابلا من جنود الثقافة الغالبة، بوصفه المسؤول عن الدلالة وقواعد فهم النص، وحاولوا زحزحته عن طريقهم، لمسح الطريق تمهيدا لغرس بذور الفكر الغربي في الأراضي الإسلامية.

ويستوقف صاحب الكتاب ما يلمسه عند القوم من فهم معكوس للتجديد المطلوب في كل من العلوم المدنية والعلوم الشرعية؛ ففي العلوم المدنية ليس لديهم إلا الاستيراد والتقليد، ولا نرى إبداعات مدنية عربية حقيقية، تخرج بنا عن إطار الماضي لنصعد بشموخ إلى المستقبل. وفي العلوم الشرعية ليست لديهم إلا الإحداث والابتداع بما يتعارض مع منهج النبي وأصحابه. بينما الحق يقضي بأن "الاستحداث" في العلوم المدنية مؤشّر إبداع مطلوب، و"الاستحداث" في العلوم الشرعية مؤشر تراجع وانحطاط؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم بكل وضوح يؤكد للصحابة هذين المنهجين المتعاكسين: ففي العلوم المدنية يقول لهم "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، وفي العلوم الشرعية يقول لهم "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

ومع خطورة ما سبقت الإشارة إليه، فإن أكثر خطاب منحرف مخاتلة ومناورة هو صاحب إستراتيجية اللابديل، الذي يسعى إلى تقويض اليقين بالخطاب الشرعي السني، لكنه يجبن عن أن يقدم مباشرة بديله المضمر؛ لأن إستراتيجيته تقوم على أن الشاب حين يسقط يقينه، فيمكن أن يتشرب البدائل الضعيفة بهدوء.

الحاصل اليوم أن أغلب عمل الاتجاهات الفكرية الخاضعة لسلطة الثقافة الليبرالية الغالبة هو التفتيش عن الخلافات الشاذة والمعلومات المغلوطة عن المذاهب، بهدف تعطيل شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ثالثا: نظام العلاقات

تتضمن قواعد الشريعة أسسا لنظام العلاقات التي تربط المسلم بالآخرين، وهي أسس ترفض الظلم، ولكنها في الوقت نفسه لا تحابي في الحق. فكيف تعامل الخاضعون لسلطة الثقافة الغربية الغالبة مع هذه الأسس؟

في استعراض جوانب هذا الفصل يبين الكاتب أولًا الموقف الشرعي من المخالف لمنهج أهل السنة والجماعة. فإن من تأمل طريقة الصحابة وأئمة الهدى بشكل عام رأى أنهم يجتهدون في التمييز بين المسألة ذات الدليل الظاهر، والمسائل الاجتهادية التي يغمض ويدق مأخذها، فينكرون على المخالف في الأولى، ويتسامحون ويتفهمون في الثانية. وهم يميزون بين من كانت مخالفته مجرد هفوة ومن كانت مخالفته عن أصل منهجي، وبين من رأى رأيًا مخالفًا للشرع لكنه يكتمه بين خاصته فلا داعي للإنكار عليه ومن ينشر مخالفته الشاذة.

والحاصل اليوم أن أغلب عمل الاتجاهات الفكرية الخاضعة لسلطة الثقافة الليبرالية الغالبة هو التفتيش عن الخلافات الشاذة والمعلومات المغلوطة عن المذاهب، بغية تعطيل شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فتحت ذريعة الخلافُ صارت تعطل النصوص حتى صار "الخلاف" أقوى حجية من "النص".

تتزايد الأصوات التي تحاول شرعنة أعياد الكفار، وتأويل المعطيات الشرعية التي تمنع مشاركة الكفار أعيادهم، وتتدفق الأطروحات التي تحاول تأويل أحكام الجهاد الشرعي ليوافق الطرح النظري للغربي الغالب

واليوم يثار مصطلح "منع الطائفية" بطريقة ملتبسة فيها خلط بين حق وباطل، فمنع ظلم الطائفة المنحرفة حق مطلوب، لكن منع بيان ضلال الطائفة المنحرفة باطل مرفوض. فنقد الطوائف التي ضلت عن شيء من الشريعة مطلب شرعي وفريضة قرآنية، لكنه صار في مسلمات فئة أسرتها الثقافة الغالبة عيبا ومذمة.

وعند أولئك تجد سعيا مكشوفا لتخفيض مضمون "الولاء والبراء" ليقترب من نظرية "الحرية الليبرالية"؛ فالولاء والبراء في القرآن يقيم نظام العلاقات على أساس العقيدة، بينما الحرية الليبرالية تقيم نظام العلاقات على أسس مادية.

ومع هذا وذاك تتزايد الأصوات التي تحاول شرعنة أعياد الكفار، وتأويل المعطيات الشرعية التي تمنع مشاركة الكفار أعيادهم. وتتدفق الأطروحات التي تحاول تأويل أحكام الجهاد الشرعي ليوافق الطرح النظري للغربي الغالب.

ومن أبشع تطبيقات الحرية الليبرالية التي وقع فيها بعض الكتاب المحليين هو أنهم طردا لأصلهم في حرية المخالف التزموا بأن من سبّ النبي صلى الله عليه وسلم لا تجوز معاقبته، بل يواجه الفكر بالفكر فقط.

وبعد.. فهذه إضاءة على كتاب يعرض حالة خضوع ثقافي نحن ضحاياها، ولا يستطيع القارئ إلا أن يراها انعكاسا لما نعيشه من ضعف سياسي وعلمي وحضاري.. فهل إلى خروج من سبيل؟