شعار قسم مدونات

فكر ابن عاشور بين احتفاء جاكرتا وجفاء تونس

محمد الطاهر بن عاشور؛ عالم المقاصد التونسي (الجزيرة)

في مقابلة تلفزيونية بُثت قبل أيام جلس الإعلامي التونسي برهان بسيس وزملاؤه يستمعون باندهاش شديد لحديث السفير الإندونيسي في تونس عن تأثير كتب العلامة محمد الطاهر بن عاشور في تصورات وعقول الشعب الإندونيسي المسلم، ودور أفكاره الإصلاحية العظيمة في جلب الاستقرار والمصالحة مع الذات والديمقراطية والنمو المطرد في إندونيسيا.

ولاحظ متابعو المقابلة التي أجراها السفير النشط أن بعض إعلاميي قناة قرطاج بقيادة بسيس كانوا يضعون أيدهم في أفواههم مستغربين أن في الدنيا رجلَ دولة وسفيرَ أمة يهتم بأفكار ونظريات عالم مسلم، وزاد من استغرابهم كون ذلك الاهتمام بعالم تربَّوا على تشويهه واحتقار ما يرمز له، فكانوا يتبادلون النظرات الحيرى في بلد عظيم يكاد يلتحق بالدول الفاشلة -لا قدر الله- بسبب تقليد نخبته الأعمى للغرب، وتطرف علمانييه، وعجز إسلامييه، وبسبب العمالة سياسية.

فبلاد الزيتونة التي فتحت ذراعيها لعقبة بن نافع وعبد الله بن الحبحاب والفاتحين، وأنجبت أعظم علماء التشريع في التاريخ البشري أمثال سحنون وابن أبي زيد القيرواني وابن عرفة وآلاف العلماء، وكتبت أول دستور عربي، واحتضنت ابن خلدون وخير الدين والثعالبي وعصبة الإصلاح، واستقبلت الأستاذ الإمام محمد عبده والمصلحة نازلي فاضل، كان على إعلامييها المنبهرين بالغرب والمفتونين بالأفكار المثلجة القادمة من فرنسا الانتظارُ حتى يأتيهم سفير يسعى من جاكرتا ليحدثهم عن منزلة ابن بلدهم العلامة محمد الطاهر بن عاشور في وجدان الشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية، فما ذا قال السفير؟ وما فعل؟

في العاشر من يناير/كانون الأول 2022 وصل إلى حاضرة تونس سفير مفوض فوق العادة قادم من جاكرتا، يمثل حوالي 280 مليون إندونيسي أغلبهم من المسلمين، وعلى خلاف عادة السفراء في الاتجاه أولا نحو قصور الحكام لتقديم أوراق اعتمادهم، اتجه السفير المفكر الدكتور زهيري مصرواي رفقة عدد من طلبة بلاده الدارسين بجامعة الزيتونة نحو ضريح شيخها الأكبر شيخ الإسلام المالكي وبهجة الدين وزينة زمانه العلامة المفسر محمد الطاهر بن عاشور الثاني (1296 – 1393 هـ) لتنظيف جوانب ضريحه وتلاوة سورة "يس" والدعاء له بالرحمة والمغفرة ونيل الفردوس جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين من علوم إسلامية وأفكار إصلاحية نبت بها تونس ورحبت بها إندونيسيا مغتبطة.

وحين نشر الإعلام التونسي خبر الزيارة ذكر بعضه أن الضريح المزور ضريح الشيخ محمد الفاضل بن عاشور (1327 – 1390 هـ)، وقد فرحتُ بذلك شخصيا فرحة خاصة واعتبرتها زيارة تأتي في سياق إعادة اكتشاف الشيخ محمد الفاضل إسلاميا وعربيا، وربطت زيارة السفير الإندونيسي بما قرأته مرة في كتاب "من أعلام الثقافة والسياسة" للهادي العبيدي  (ص 164)؛ من أن الشيخ محمد الفاضل أيام رئاسته للجمعية الخلدونية منذ 1948م أشرف على إنشاء الكثير من النوادي والجمعيات ومنها "جمعية الصداقة التونسية الإندونيسية"، لكن تبين مع الأسف أن الإعلام التونسي يخلط بين الشيخ الفاضل ووالده العلامة محمد الطاهر؛ فمواقع مثل "مرآة تونس" و"نسمة" وغيرهما لا يميزان بين الوالد وولده، ومن طرائف هذا الخلط أن موقع "آرابيكس" استمع محرره إلى مقابلة مرئية مع السفير الإندونيسي نفسه حول زيارته للإمام ابن عاشور فخلط في خلفية الخبر بين محمد الطاهر الجد المتوفى (1284 هـ/ 1868م) ومحمد الطاهر الحفيد.

مثل هذه الأخطاء الفادحة والعقوق المزري لأعلام الزيتونة وعلماء الإسلام ليس مجرد مظهر من تجليات انتشار الأمية الثقافية في الأوساط الإعلامية العربية فقط، بل لأن تونس في العقود الثمانية الأخيرة تبنّت "علمانية متطرفة أول أعدائها الإسلام بعقائده وشرائعه وشعائره وقيمه وأخلاقه، وقد أعلنت بوضوح وصراحة أنها تسير على فلسفة تجفيف منابع هذا الإسلام في التعليم والإعلام والثقافة وكل مناحي الحياة"، كما يقول إمام العصر الشاهد على قرننا العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ( 1345هـ – 1444هـ) في دراسته عن "التطرف العلماني في مواجهة الإسلام.. نموذج تركيا وتونس".

الحرب على الإسلام ومقوماته الحضارية في تونس لم تنل من أحد كما نالت من آل ابن عاشور لا سيما محمد الطاهر وابنه محمد الفاضل. فالشيخ محمد الطاهر باعتباره ممثلا لرمزية علماء الإسلام وقيم الزيتونة ومبادئ الدعوة الإصلاحية المعاصرة كان هدفا لهجمات العلمانية المتوحشة التي بلغت من شراسة الهجوم عليه وعلى ابنه وتشويههما أن "السياسة الحزبية (كانت) تتهم من ينتسب لهما ويعترف بفضلهما وعلو مكانتهما العلمية والفكرية بتهمة العاشوريست"، كما شرح خفايا ذلك الشيخ محمد الحبيب السلامي في مذكراته "أوراق زيتوني من الزيتونة" (ص 70-76 )، وكانت جريدة "الصباح" التونسية رائدة الحملات الإعلامية على شيخ الجامع الأعظم ابن عاشور، واستمرت هذه الهجمات الآثمة في إعلام اليسار التونسي إلى يوم الناس هذا في الكتابات الرخيصة للمتطرفين العلمانيين، التي تصف إمام التنوير والتجديد بالظلامي والرجعي.

هذا العقوق في الإعلام العلماني التونسي الرخيص يقابله وفاء إسلامي عالمي ظل ينظر إلى سفير الدعوة الإصلاحية في تونس الشيخ محمد الطاهر بن عاشور نظرة إجلال وإكبار، ويكاد العلماء والباحثون يجمعون على أن تفسيره "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد" الشهير باسمه المختصر "التحرير والتنوير" أهم مصنف كتبه المسلمون في القرن المنصرم، كما ظلت أفكاره الإصلاحية تصوغ عقول النخبة غير المستلبة في العالم الإسلامي كما قال السفير الإندونيسي "العلامة الطاهر بن عاشور هو صانع شخصيتي كمسلم وكإندونيسي وربما كسفير"، معتبرا أن شيخ الجامع الأعظم هو والده الروحي، وأنه قرأ كتبه أيام دراسته في الأزهر، وعدّد عناوينها واحدا تلو الآخر.

وتفاجأ السفير الإندونيسي من انبهار الإعلام العلماني في تونس بالثقافة الغربية وارتهانهم السيئ لفلاسفة "التبول على الجدران"، وازورارهم عن أفكار أعلام إصلاحيي بلدهم، فأخذته الحمية الإسلامية للمفسر الجليل والمصلح الكبير، فقال لهم بصراحة دبلوماسية غير معهودة "أنتم في تونس تحبون الثقافة الغربية "برشه"، ونحن في إندونيسيا وآسيا نكرهها بشدة"، وكان السفير بعد 5 أشهر من مقامه في حاضرة تونس قد نبه التونسيين "بأن المسلمين في بلاده يطبقون أفكار الطاهر بن عاشور حتى كأنه كتب مصنفاته للشعب الإندونيسي"، وهو الشعب الأكثر شراء للمؤلفات العاشورية وفق ما نقله السفير بصراوي عن مكتبة الإمام سحنون في تونس.

الأفكار العاشورية التي يحتفي بها مسلمو إندونيسيا هي المبادئ والرؤى الجليلة التي سطرها شيخ الجامع الأعظم في كتاب "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" مثل "أصول إصلاح الأفراد" من ناحية إصلاح الاعتقاد والتفكير والعمل وإيجاد الوازع النفساني، و"أصول الإصلاح الاجتماعي" نحو "إيجاد الجامعة الإسلامية"، و"تكوين جماعة المسلمين"، و"الأخوة الإسلامية"، و"نظام سياسية الأمة"، وفنون مكارم الأخلاق من عدالة ومروءة وإنصاف واتحاد ومواساة وحرية وتسامح وديمقراطية الحكومة الإسلامية، وكذلك الأفكار التي كتبها في "مقاصد الشريعة" وبقية كتبه الأخرى لا سيما موسوعة "التحرير والتنوير".

ولمقابر العلماء والأولياء في تاريخ تونس كثير من الحكايات ومن أجملها حكاية السفير والطلبة الإندونيسيين الذين يزورون قبر الإمام ابن عاشور في 15 من كل شهر لتعهده بالدعاء وقراءة سورة "يس" وتنظيفه، وأفظع تلك الحكايات ما ذكره الكاتب الأديب أحمد فال ولد الدين  في مقاله الجليل  "ميشيل فوكو أو تحويل المرض إلى أيديولوجيا" "حيث كان الفيلسوف ميشيل فوكو، مالئ الدنيا يومَها، يتسلل برفقة مجموعة من الأولاد القُصَّر (الغالب أنهم أطفال شوارع) إلى المقابر. وهناك على نُصُب الموتى يقوم فوكو باغتصاب الأطفال التونسيين بعد التغرير بهم بالمال والكلام".

بين هاتين الزيارتين للمقابر يتشكل الوعي في تونس والعالم الإسلامي بين من يرى أن علماء الإسلام هم مصادر النور، ومنابع الحكمة، ومصابيح الظلام، وأن الغرب الاستعماري مصدر الشر والويل والثبور والاستغلال، وبين من يرى أن العلماء الأحياء مكانهم الزنازين، والأموات حظهم النسيان والإهمال، وأن الانسلاخ التام من الهوية الإسلامية، والانبهار الأعمى بفرنسا والثقافة الفرنكوفونية الآفلة قد يوصلان بلداننا إلى غير ما وصلت له من تخلف واستبداد وطغيان وتوحش. والله غالب على أمره.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.