شعار قسم مدونات

الإعلامي محمد سليمان.. وداع بلا عنوان

نعم هو وداع بلا عنوان، فأي العناوين يتسع لرجل تربوي اقتحم المجال الإعلامي، وأثبت وجوده فيه، وغَدَا عرّاب البرامج الجماهيرية في تلفزيون السودان، وإذاعته، متمتعا بثقافة واسعة، وحس عال، وروح دعابة رصينة، وهو قلما يجتمع في أحد، ثابتا في زيه بالعمامة، والجلباب، والنظارة ذات الإطار الأسود، والصوت الواضح، الذي تشعر من إشارات يديه أحيانا بذاكرة مدرس سابق، مع قدرات، وكفاءات أهّلته لبلوغ مناصب إدارية إعلامية عدة، فقد تولى إدارة إذاعة أم درمان القومية، وهي الإذاعة السودانية الرسمية والرئيسة، والهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، كما تولى إدارة إذاعة صوت الأمة في مطلع الثمانينيات، التي أنشئت لتعبر عن مختلف الثقافات السودانية، حيث تمكن محمد سليمان بشير من التميز في إنجاز خريطة برامجية عبرت عن التنوع المراد، عدا عن برامجه المتنوعة الأخرى مثل "جراب الحاوي"، و"دنيا دبنقة"، ومن أواخرها "سهرة بلا عنوان" التي أتذكرها شخصيا لأسباب سأفصلها.

جاء إلى دنيا الإعلام السوداني في نهاية الستينيات قادما من عالم التدريس، حيث عمل مدة طويلة معلما للغة الإنجليزية بمدارس كمبوني التي أسسها الأب كمبوني في السودان، ولكن هذا الانتماء لم يحل دون تمتعه بحس الانتماء العميق للسودان بثقافاته كلها، فظل يظهر في برامجه بالعمامة، والثوب السوداني، فضلا عن أنه لم يكن يخلط كلامه بالعربية بأي لفظ أجنبي تحت أي ظرف، بل إن خلطها بشيء يخلطها بالعامية السودانية محتفيا بها، ومفصحا إياها.

من أشهر برامجه "دنيا دبنقة"؛ اشتق ابن مدينة الأبيض اسمه من المثل الرائج في كردفان ودارفور، الذي يصف الدنيا بأنها كرة، ينبغي دحرجتها بهدوء للسير فيها بأمان، وكان برنامج مسابقات ومنوعات عامة.

ومن أشهر برامجه "دنيا دبنقة"؛ اشتق ابن مدينة الأبيض اسمه من المثل الرائج في كردفان ودارفور، الذي يصف الدنيا بأنها كرة، ينبغي دحرجتها بهدوء للسير فيها بأمان، وكان برنامج مسابقات ومنوعات عامة، ووقعت فيه للراحل طرفة شهيرة، فعندما سأل الراحل أحد الضيوف "من هو الرئيس المثقف الأديب؟"، رد الضيف بهدوء: السيد الرئيس جعفر نميري، فرد محمد سليمان مدهوشًا: "يا راجل.."، وكانت الإجابة هي: "الرئيس السنغالي ليوبولد سنغور"، وظلت "يا راجل" مضرب مثل للتعجب. ومما أتذكره أنه سأل أحد ضيوف "بلا عنوان" عن شخصية اسمها بشكين فينو، من هو؟ فقال المشارك بحدة: "دا رئيس وزراء الكيان الصهيوني"، فرد محمد سليمان متفاجئا: "يا أخانا والله بالغت"، وضحك وقال: "رئيس وزراء ألبانيا يا جماعة".

"جراب الحاوي" يعدّ أول برامجه، وكان برنامج منوعات أيضا، وفي مطلع التسعينيات بدأت "سهرة بلا عنوان" التي أعقبت فترة من انقطاع البرامج التلفزيونية المنوعة بحكم التوجه الأيديولوجي الذي ساد على التلفزيون في أول عامين لثورة الإنقاذ الوطني، والذي لوّن التلفزيون بلون محدد. على أي حال، فإن محمد سليمان بشير في أحد لقاءاته يقول إن "سهرة بلا عنوان" كانت منوعة بدرجة كبيرة، فأراد أن يعبر عن سعة التنوع في البرامج، فقال: "تركناها بلا عنوان، لأنها واسعة جدا".

كان الراحل يتقن 4 لغات: العربية، والإنجليزية، والفرنسية، بل والسواحلية، فضلا عن تفوقه الأكاديمي في الدورات الإعلامية، حيث تفوق 3 مرات على 250 إعلاميا في معهد "دويتشه فيله" الألماني.

وكان يتقن 4 لغات: العربية، والإنجليزية، والفرنسية، بل والسواحلية، مع تفوقه الأكاديمي في الدورات الإعلامية، حيث تفوق 3 مرات على 250 إعلاميا في معهد "دويتشه فيله" الألماني، هذا عدا عن تدريبه لأعداد من الإعلاميين من بينهم الراحل الفاتح الصباغ رحمه الله، ويسرية محمد الحسن أمدّ الله أيامها، وآخرين، وحسبك بهذين الاسمين نجومية ولمعانا.

واحتفائي بالرجل عائد لجانب مهم، وهو أنني قد تعلمت كثيرا عن السودان عبر برنامجه "سهرة بلا عنوان" الذي كان يأتي ليلة السبت، حيث كنت أتابعه تعرفا على الأمثال السودانية المختلفة، والقبائل، فالمعلومات العامة فقرة جانبية فيه، بينما كانت فقراته الأخرى تدور حول السودان بتنوعه، ومنه سمعت عن قبيلة المساليت العريقة في دارفور، ومثل "عندي خلطتها" الذي يضرب للشخص الذي يتصرف بقلق، في حين أن المشكلة تخص غيره لكن لديه بعض مكوناتها، حيث أرجعه لحقبة تاريخية صودرت فيها التوابل، وتحديدا "الشطة"، فشوهد أحد بائعي الكزبرة يخرج من السوق، فسئل فقال "عندي خلطتها" أي عندي ما تختلط به الشطة أصلا فعلي الخروج.

مضى محمد سليمان بشير إلى ربه تاركا إرثا من الإعلام، والعمل الجاد، والروح التربوية، والاعتزاز بالهوية السودانية الجامعة.

كانت سهراته خفيفة رشيقة، ومن الطريف أن برامج المنوعات في السودان تختلط بالغناء، لكن برامجه لخفّتها كانت خالية منه، إذ لم تكن تحتاج إلى أي فواصل للتخفيف عن الجمهور، بل على العكس كانت مسابقات بروح لطيفة للغاية، في حين أنه أسهم في تحكيم برنامج" نجوم الغد" على قناة النيل الأزرق، الذي قدم للغناء فنانين جددا في السنوات الأخيرة.

مضى محمد سليمان بشير إلى ربه تاركا إرثا من الإعلام، والعمل الجاد، والروح التربوية، والاعتزاز بالهوية السودانية الجامعة، والفكر التواق للسودان واحدا، متنوعا، متميزا، ومتطورا.

رحمه الله ورفع درجته في عليين.