شعار قسم مدونات

لا تكلني إلى نفسي

blogs الصلاة الدعاء
الكاتبة: الرضا والصبر على ما لم نحط به علما مر وعقيم على أفهام محدودة بقيم سائدة (رويترز)

بعض البدايات تكون على هيئة رحلات طويلة من التعب والمسير الذي يرافق كل ساعٍ لهدف أو لغاية، هذه البدايات تكون غضة لينة فتخطف منك وتعيش الشتات، هذا الشتات الذي يورثك الكمد والضياع لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد.

شيء يشبه مرارة الهزيمة وبشاعة الوقوف على الأطلال إلا أن المرء مجبول على المحاولة، فيفدي الغاية بدماء روحه وروح شغفه، ليعيد ألق بداياته من جديد، والدرب يطول والغاية والمأمول في يد الله بين الكاف والنون، يقلبها كيفما شاء، والمرء لو رضي بما آتاه الله لأكرمه.

لكن الرضا والصبر على ما لم نحط به علما مر وعقيم على أفهام محدودة بقيم سائدة، وثقافات تغلب عليها الحكم الفيسبوكية والحياة الإلكترونية التي أضحت "السوشيال ميديا" فيها يد الطبطبة العليا على كتف كل مكسور، وأصبح مفهوم "الكوتش" و"مدرب التنمية البشرية" آلها يعبد من دون الله بالباطل، خطابات وادعاءات وآفات مجتمعية تنخر بألبابنا حيث الإحساس والشعور ومسافة مهولة بين الواقع والخيال، وكلمة عمر -رضي الله عنه- تدق باب الفؤاد: هي لحظة صدق واحدة تكفي الإنسان.

أمل كاذب وبطولة خائرة ومعاني الاستحقاق التي تتألى على الله، ومن صدق الحال بين الإنسان وروحه أن يعي أن شربة ماء بعد عطش، ونوما عميقا بعد إرهاق هما نعمتان من الله نكللهما بالامتنان والحمد، ولو شاء لما كانتا.

نحن نتاج ثقافة تبيع الأمل الكاذب مقابل شعور المرء بالاطمئنان أن ما ينتظره هو ما يستحقه، والاستحقاق هنا هو الوقوع في منطقة الطغيان على مركزية المؤمن الذي يغلّب استحضار معاني الصبر واستذكار أنواع البلاء بعيدا عن عاطفة مشوبة بالكبر والاستعلاء.

يكمن جوهر الصدق مع الذات بإيمانك بأن حزنك مقدر وصبرك مشكور وحسن ظنك بالله يتبعه السبب والعمل، وما كان الله ليضيع سعي ساع في سبيله.

تكيف الإنسان مع نقائص قدراته لا ينقص من أهليته للبلوغ وإنما يزيده يقينا أن كل أسباب الوصول للنجاة تفنى ليبقى طريق العجز الموصل إلى الذي لا يفنى سبحانه وتعالى، وكما قيل: تتمنى لو كان الطريق سهلا لتنجو فيكون صعبا وتنجو، لتعلم أن النجاة من الله لا من الطريق.

هنا تسقط كل تلك الأكاذيب الوردية والأحلام المخملية التي ننام ونصحو على رائحتها التي تسكر الأبدان وتسقم الأرواح في حال الخسران أو المصيبة، الوهم الذي يصدر لنا على شكل استحقاق الذات لكل ما غيّب عنها، والوعد بإشباعها من كذب، هذه الوعود المرجأة إلى إشعار آخر هي ما يورثنا كما هائلا من الإحباط، وهي في ذاتها رأس مال الثقافة الحديثة المستهلكة، زيف يتلوه خداع، ونحيب على أحلام لن تطال، هذه ليست دعوة للقنوط وإنما وقفة في وجه تلك السياقات المنتشرة والحاضرة بكثافة بطول اليأس وقصر الأمل، ما دمت في معية الله توقن حق اليقين أننا خلفاء الله في أرضه، نسعى بحوله وقوته، ونتجاوز ضعفنا بإرادته ضمن معية الله وقضائه وقدره بإرادتنا الهشة، نتمنى ونحب، نريد.

وهذا قول إبراهيم المازني: وعلى قدر سعي المرء وما يبذله من الجهود يكون استحقاقه، لأن الحياة هي الحركة والجهاد لا النوم والتواكل، وما أحق من يقعد ويفتح فمه أن يملأه الزمان ترابا (النجاح: حصاد الهشيم 23).

إرادة بلا عمل، آمال تذروها الرياح، فالمرء إذا شلت جوارحه انطلقت حنجرته وهنا على وهن، صوت بلا أثر، ونحيب يطول ورثائيات لا تنتهي، لأن المرء مفتون بالمواجع يقلبها في روحه من حال إلى حال، وهنا يكمن ضعف الهمة وصدى آمال كذوب، لا يتردد إلا ليتلاشى، استهلاك ممنهج لأعمار الشباب، وإفراغ أفئدة من مكنونات إيمانية تحرك الجبال إن صدقت، ذاتك لا تستحق إلا ما من الله به عليها فلا تأمن مكر الله.

وأحسن الظن بالعظيم وما بين هذا وذاك بصيرة متقدة وتوكل واستعانة، وقد دعا الحسن بن علي -رضي الله عنه وأرضاه- فقال "اللهم ارزقني خوف الوعيد وسرور الموعود حتى لا أرجو إلا ما رجوت ولا أخاف إلا ما خوّفت".

خلاصة الأمر: إن المرء لا يجتاز أيامه بقدر سعيه بل بقدر توفيقه، ولا يطمئن بقدر ثباته بل بقدر يقينه، وهذا ما نلمسه في مطلع اليوم والليلة بـ"يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين"، فما الواحد منا إلا بقدر اعترافه بضعفه ونقصه، فالذات طاغوت يأسر الروح عن الجهد ويكبل الشغف عن التحليق إن كبرت أكلت صاحبها وأودت به سبل الهلاك، كلنا لآدم، وآدم من تراب، تتباين الفرص، وتختلف القدرات، ومناط السعي، التوفيق، وأساس المضي البصيرة.

يا سالكين إليه الدرب لا تقفوا..