شعار قسم مدونات

ديفيد هيوم ومبادئ أخلاقية جديدة (14)

الاسكتلندي ديفيد هيوم
الفيلسوف الإنجليزي الأسكتلندي ديفيد هيوم (مواقع التواصل)

وقفنا في المقال السابق عند أحد كبار فلاسفة "عصر التنوير" الإنجليز الفيلسوف توماس هوبز، بفكره الإلحادي، وبنظريته السياسية المتفردة، حيث أخضع الذات الإلهية لقوانين الفيزياء المادية. ودعا إلى العقد الاجتماعي الذي يعزز السلطة المطلقة، ويدافع عن الحق الملكي المطلق. ونتعرف في هذا المقال على الفيلسوف الإنجليزي الأسكتلندي ديفيد هيوم، أحد أبرز فلاسفة التيار التجريبي في النصف الثاني من "عصر التنوير" والذي تأثر علمياً بأفكار جون لوك وإسحق نيوتن، ولكنه خالفهما في الانقلاب على الموقف من الدين والأخلاق، متقدماً على توماس هوبز في التعامل المادي مع الذات الإلهية وفي بلورة فلسفة أخلاقية جديدة، خالف فيها معاصريه، ليقف إلى جانب الفلاسفة الذين عزّزوا الفلسفة الإلحادية، وجرّدوا الأخلاق من مرجعيتها الدينية والاجتماعية.

عارض هيوم الفلاسفة الذين رأوا في التصميم والتنظيم المعقّد في الكون دليلاً على وجود الخالق، لأنه لا يمكن إثباته عن طريق التجربة والملاحظة، معتبراً أن هذا النظام الموجود في الكون قد يكون نتيجة التبديل الذي يحدث صدفة للجسيمات فتتخذ مظهر التصميم. وهي الرؤية الفكرة نفسها التي بنى عليها دارون بعد قرن من الزمان نظرياته حول نشأة الكون.

درس الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم David Hume (1711-1776م)؛ الفلسفة الطبيعية (علم الفيزياء) في جامعة إدنبره في أسكتلندا، وتنقل بين لندن وباريس وغيرهما من العواصم الأوروبية، وتعرّف على فلاسفة عصره واتجاهاتهم، وترك مجموعة من الكتب والأطروحات الفلسفية كان من أبرزها: "رسالة في الطبيعة البشرية" عام 1740م، حاول أن يقدم فيها تصورات جديدة في الفلسفة الأخلاقية، و"رسالة من رجل نبيل إلى صديقه في إدنبره" عام 1745م، : تحتوي على بعض الملاحظات المتعلقة بالدين والأخلاق، ويحتوي على رسالة كتبها هيوم للدفاع عن نفسه ضد تهم الإلحاد والتشكيك أثناء التقدم للحصول على كرسي في جامعة إدنبره، وكتاب "سؤال في التفاهم البشري" عام 1848م، و"سؤال في مبادئ الأخلاق" عام 1751م، و"أربع أطروحات" عام 1757م، ويضم 4 مقالات في: التاريخ الطبيعي للدين، والعواطف، والمأساة، ومستوى الذوق، كما نُشر له عام 1779م -بعد وفاته- كتاب "حوارات في الدين الطبيعي"، يدير فيه هيوم حواراً بين 3 شخصيات خيالية لطبيعة الخالق.

التشكيك في الأديان والمعجزات

شهد عصر التنوير في بريطانيا ظهور اتجاهين فلسفيين قويين متعاكسين، الأول جمع بين الفلسفة واللاهوت (العلوم الدينية) بنبرة توافقية إصلاحية، والثاني كان يميل إلى الشك والإلحاد ومعارضة السلطة الدينية، كما رأينا عند هوبز في المقال السابق.

وكان هيوم من بين فلاسفة الاتجاه الثاني، وعلى الرغم من أنه قام بإزالة المواد التي تشكك في الدين من مؤلفاته المبكرة في طبعاتها التالية، حرصاً على عدم الاصطدام بالمؤسسة الدينية، إلا أن أطروحته التي نشرها في كتابه "أربع أطروحات" عام 1757م تحت عنوان "التاريخ الطبيعي للدين" ازدحمت بأفكاره المعارضة للدين، والتي جعلت الكثيرين يعتبرونه ملحداً. واعتبر هيوم الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام مشتقة من الديانات الشركيّة القديمة، وأثنى على تعدد الآلهة، فهو لا يؤمن بالتوحيد الإلهي، ويقبل كل التصورات الموجودة عن الخالق بغض النظر عن مصدرها.

وعارض هيوم الفلاسفة الذين رأوا في التصميم والتنظيم المعقّد في الكون دليلاً على وجود الخالق، فهو لا يؤمن إلا بالأدلة المثبتة عن طريق التجربة والملاحظة، معتبراً أن هذا النظام الموجود في الكون قد يكون نتيجة التبديل الذي يحدث صدفة للجسيمات الواقعة في نظام ذاتي الاستدامة، دائم أو مؤقت، وبالتالي يكون له مظهر التصميم. وقد كانت هذه المقاربة منطلقاً لدارون بعد قرن من الزمان، عند تقديمه لنظريات بشرية تفسّر نشأة الكون.

وقد كتب هيوم مقالاً حول المعجزات، أنكر فيه حدوث المعجزات، داعياً إلى عدم تصديق أنها حدثت بالفعل، لأنه لا يوجد دليل على ذلك، ولأنها لا تقدم أيضاً أي دليل يثبت وجود الخالق. ويذهب هيوم إلى تعريف المعجزة بأنها انتهاك لقانون الطبيعة بإرادة معينة من خلال تدخل غير مرئي، ويرى أن شهادة الذين يبلغون عن المعجزات قد تكون موضع شك، لأن الناس غالباً ما يكذبون، ولديهم أسبابهم الوجيهة لذلك، مستدلاً على ذلك بأن المعجزات تحدث غالباً في أوساط الأمم الجاهلة أو البربرية، وليس الأمم المتحضرة، معتبراً المعجزات أحداثاً فردية مخالفة لقوانين الطبيعة، ومنتهكة لجميع التجارب البشرية السابقة، وبالتالي إما أن يكون ناقل الخبر عن المعجزة قد خدعته حواسه، أو أن يكون كاذباً، ويضرب هيوم مثلاً للتدليل على ذلك بالأمير الهندي الذي نشأ في بلد حار، ويرفض تصديق أن الماء قد تجمد.

يرى هيوم أنه ليست هناك قيم أخلاقية واحدة وثابتة، بل هي دائماً نسبية ومتغيرة، والظروف المحيطة هي التي تحدد ما إذا كان فعلٌ ما فضيلةً أو رذيلة. والفضيلة والرذيلة لا يحددان السلوك قبل أن يقوم الإنسان بالفعل، بل هما نتيجة التأمل في توابع هذا الفعل بعد أن يحدث، ولذلك فهما لا يوجّهان أي شيء بل هما مجرد انطباع أخلاقي عن الفعل الذي تحقق في السابق.

مصدر المعرفة الأخلاقية

تأثرت فلسفة هيوم الأخلاقية كثيراً بموقفه بأفكاره الإلحادية وموقفه من الدين والمعجزات، معتبراً أن مصدر المعرفة الأخلاقية هو العواطف والانفعالات، ليضع نفسه في مواجهة معظم الفلاسفة الأخلاقيين، القدامى والمحدثين، الذين تحدّثوا عن مكافحة العاطفة، ويحثون البشر على تنظيم أفعالهم بالعقل، ورأى بعضهم أن المعرفة الأخلاقية مصدرها العقل، ومنهم من أرجعها إلى الوحي الإلهي، ومنهم من أرجعها إلى الضمير.

أما هيوم فقد أصرّ على أن العقل وحده لا يمكن أن يكون دافعاً لأي عمل من أعمال الإرادة، وأنه وحده لا يمكنه أبداً معارضة العاطفة في اتجاه الإرادة. وهو يعتبر العواطف والمشاعر انطباعات وليست أفكاراً، وهي على نوعين: مشاعر مباشرة، كالرغبة، والنفور، والأمل، والخوف، والحزن، والفرح، وتنشأ فوراً من الخير أو الشر، من الألم أو اللذة، ومشاعر غير مباشرة كالكبرياء والتواضع والحب والكراهية، وهي لا تؤدي مباشرة إلى الفعل.

كما أنه تأثر بأبحاث نيوتن في الحركة، وسعى إلى تطبيق المنهج التجريبي على الموضوعات الفلسفية والأخلاقية، ليصل إلى الدقة العلمية في مجال الموضوعات الأخلاقية على نحو ما حدث مع العلوم الطبيعية. فقد نظر إلى علم الطبيعة البشرية على أنه علم الحركة النفسية، وبذلك انطلق من المبادئ الأساسية التي تحرك النفس الإنسانية مثل الانفعالات والأحاسيس، والمشاعر.

ويرى هيوم أن السلوك الإنساني مرتبط بالطبيعة الإنسانية، والتي تعد انفعالية في الأساس، ولا يحتل فيها العقل إلا دوراً ضعيفاً، فهو يذهب إلى أن كل سلوك إنساني هو صادر عن الانفعالات، وأن الإنسان لا يقوم بسلوكه اليومي بناء على قواعد العقل، بل على طبيعته الانفعالية المتقلبة، التي تجعل الإنسان يتغير في لحظات من النقيض إلى النقيض.

وهو يعتقد أن الحرية الإنسانية صادرة عن رغبات الإنسان وأهدافه في إطار طبيعته الانفعالية المتغيرة، خارج إطار العقل والمنطق. فليس العقل هو ما يجعل الإنسان حراً، بل طبيعته المتغيرة المتقلبة المشروطة بالانفعالات. فلا يمكن أن يكون العقل مصدراً للحرية، لأن اتباع العقل هو الضرورة وهو الحتمية بعينها، ويستطيع الإنسان الانفلات من الضرورة والحتمية بناء على طبيعته المضادة للعقل. ومثلما أنكر هيوم أن يكون للعقل دور في السلوك الإنساني، فهو أيضاً ينكر دوره في مجال الأخلاق. ويثبت ذلك عن طريق توضيح أن ما يجعلنا نصدر أحكاماً أخلاقية حول ما إذا كان فعل ما فضيلة أو رذيلة، صحيحا أو خطأ، يستحق الثناء والمديح أو اللوم والذم، ولا يعتمد على فكرة مجردة أو قيمة عقلية نتوصل إليها باستدلال أو برهان، بل يعتمد على ما لدينا من رغبات وانفعالات وأهواء.

ويعتقد هيوم أن الفضيلة والرذيلة ليستا إلا وجهة نظر إنسانية بحتة صادرة عن الطبيعة البشرية وليس لهما وجود موضوعي في العالم، ذلك لأنهما مؤسسان على فكرتي الخير والشر، والخير والشر عنده مجرد انطباع انفعالي. الفضيلة أو الرذيلة، أو الخير أو الشر، هذه الأشياء ليست قيماً مطلقة وليس لها وجود واقعي مستقل عن انفعالات البشر، لكن يستخدمها الناس باعتبارها مبادئ أخلاقية بالنظر إلى ما يعود عليهم من نفع أو ضرر. وليست الفضيلة واحدة أو ثابتة، بل هي نسبية، لأن الفعل الفاضل في ظروف معينة يمكن أن ينقلب إلى رذيلة في ظروف أخرى، والحال كذلك مع الرذيلة التي يمكن أن تتحول إلى فضيلة في ظروف مختلفة.

ومعنى هذا، حسب هيوم، أنه ليست هناك قيم أخلاقية واحدة وثابتة، بل هي دائماً نسبية ومتغيرة، والظروف المحيطة هي التي تحدد ما إذا كان فعل ما فضيلة أو رذيلة. والفضيلة والرذيلة لا يحددان السلوك قبل أن يقوم الإنسان بالفعل، بل هما نتيجة التأمل في توابع هذا الفعل بعد أن يحدث، ولذلك فهما لا يوجهان أي شيء بل هما مجرد انطباع أخلاقي عن الفعل الذي تحقق في السابق. ويضرب هيوم مثالاً توضيحياً على ذلك بالقتل المقصود. ويُعتقد أن القتل المقصود رذيلة، إلا أن الحرب ليست إلا هذا القتل المقصود بعينه ويُنظر إليها على أنها فضيلة، بل على أنها أسمى درجات الشرف. ولا يدخل البشر في حروب بعد أن يحددوا ما إذا كانت فضيلة أم رذيلة، بل يدخلون في الحرب أولاً ثم يبررون سلوكهم هذا بأنه فضيلة، وآخرون ينظرون إلى نفس هذه الحرب على أنها رذيلة.

وقد أثارت أفكار هيوم ونظرياته الكثير من الجدل بين الفلاسفة والمفكرين والباحثين المعاصرين له واللاحقين، حتى يومنا هذا، حول حقيقة إلحاده، ونظرياته في المعرفة وفي الطبيعة البشرية التي قام عليها علم النفس فيما بعد، ما كان له كبير الأثر في مسارات العلوم واتجاهات الفلسفة الأخلاقية اللاحقة، وعلاقتها بسلوكيات الأفراد والمجتمع والحكام.