شعار قسم مدونات

الآباء لا يموتون أبدا

أبي ما يزال في نظري ذلك الشاب الذي لمحته أول ما تفتحت عيناي، ملامحه الناعمة وضحكته التي تكشف عن صف من اللؤلؤ، تشق خده غمازة وله من السمرة نصيب، على صدغه 3 نقاط خضراء، سألته مرة عنها أجابني بأنها كانت له علاجا في طفولته من آلام رأسه، ولا أعرف فقد تكون زينة له.

أبي كان هادئا كالفجر، ومبتسما كثغر الياسمين، لم أشعر أنني فقدته فهو حاضر في حياتي وأمام عيني، عندما قبلته وهو في الكفن شعرت أن العمر توقف به عند ذلك الشاب الذي أحببت، كنت أضمه وأقبله وأنا أشعر بأن عودته قريبة، وأنني سأدخل غرفته وأجده جالسا كعادته بابتسامته، الآباء لا يموتون أبدا، فأرواحهم تظل حولنا ومنا وفينا، وأبي من خيرة الآباء ترك أثره الطيب، دائما عند ذكر موته أبكي فيطمئنني بضحكته ويخبرني بهدوئه المعتاد: "سنة الحياة" لكن أبي أنا لا يموت أبدا.

عندما ودعت أبي لم أعد قادرة على الرؤية، رأيت العالم كله بلون واحد، هالة من الضوء الأبيض لم أعد أميز الوجوه

عندما ودعت أبي لم أعد قادرة على الرؤية، رأيت العالم كله بلون واحد، هالة من الضوء الأبيض لم أعد أميز الوجوه، الأرواح جنود مجندة كانت هناك امرأة تلقفتني وضمتني لصدرها لا أعرفها ولكني ارتحت في حضنها وكأنها سحبت كل الضيق الذي في صدري، كان يخنقني أنني لم أستطع البكاء، بعدما ودعت والدي تجمد الدمع في عيني ولم أعد قادرة على البكاء حيث كنت اختنق، ولكن أبي بضحكته الطفولية كان حاضرا أمام عيني.

لا أحد يعوض مكان الأب، الأب الذي نطمئن بوجوده ونشعر بالأمان، الأب الذي يعمل ما بوسعه حتى لا يخذل ابنته، ولا يؤذيها ولو عرف أن شيئا مسها تكدر وتألم، الآباء لا يموتون يظلون حاضرين في ذاكرتنا وفي الهواء الذي نتنفسه دائما.

علاقة الآباء بأبنائهم مميزة، دائمة بانقطاعها ينقطع الكثير من المعاني السامية في الحياة، فيها من المد والجزر الكثير، نختلف ونأتلف وكلانا أب وابن عليه الحرص على ثبات هذه العلاقة وتميزها، الحوار والمواقف المشتركة هو ما يزيد متانة هذه العلاقة.

كلماتي أحرص أن تكون مشرقة مثل ابتسامة أبي الراحل ولمعان عينيه، فلا أريد للسواد اكتساح صفحاتي، فوالدي كان مشرقا حتى في مرضه كان ثابتا قويا هادئا

كلماتي أحرص أن تكون مشرقة مثل ابتسامة أبي الراحل ولمعان عينيه، فلا أريد للسواد اكتساح صفحاتي، فوالدي كان مشرقا حتى في مرضه وكان ثابتا قويا هادئا، كنت أسأل نفسي: هل أبقي هذه الكلمات بيني وبين روحه أم أنشرها لأخلد ذكراه في صفحاتي وفكر من يقرأ لي؟ فاخترت الخيار الثاني لأنه يستحق، كان إنسانا ناجحا مكافحا وصاحب مبدأ، لا يتصرف إلا بفكر ووعي وثقافة.

أبي يتيم الأبوين توفيت والدته وهو في السنين الأولى من عمره وتوفي والده في شبابه، وهذا لم يمنعه من النجاح وأن يكون دائما في طليعة المتفوقين في دراسته، حيث ابتعث ليكمل تعليمه الجامعي في جامعة عين شمس بعدما أنهى الثانوية من فلسطين.

كان دائما مثال الرجل العصامي المثقف الواعي والمثابر، كان حريصا على جعلنا قراء مطلعين فكانت لدينا مكتبة كبيرة فيها كل ما يخطر على بالك من الكتب، كان أهم ما عنده هو تفوقنا في المدرسة فالشهادة وليست أي شهادة بل شهادات تخصصات القمة هي أولى أولوياته، هذا عمله لدنياه أما عمله لدينه فهذا شيء بينه وبين الله وأحسبه بإذن الله من الصالحين. اللهم اجعل عمله لآخرته مقبولا واجعله في ميزان حسناته.

الإنجاب يعني امتدادك، قطعة منك ستبذرها في هذه الحياة، اسأل نفسك: كيف ستسقي هذه البذرة وكيف ستروي هذا الامتداد وكيف تنشئه، ماذا ستترك له، الدنيا والدين؟ كن حريصا على ترك الأثر الطيب في أولادك فهو الشيء الذي ستورثه لهم، حفظكم الله لأبنائكم وحفظهم لكم.