شعار قسم مدونات

أيام الأدب والشعر في الدوحة..

جانب من الفعاليات المصاحبة للمونديال في بيت الخاطر بالمدينة التعليمية ضمن مهرجان دريشة. (مواقع التواصل الاجتماعي)

لم تفتأ العاصمة القطرية الدوحة قبلة لكبار الشعراء العرب منذ عقود متطاولة؛ ففي أرجائها صدح شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري عام 1978 مستنهضا همم "فتيان الخليج"، ومبشرا بخروج جيل خليجي جبار من "صميم اليأس" "يقايض" في سياسته "ما يكون بما يرجَّى"، وحث في قصيدته "الأمة العربية بين يومين" خيول الله أن ترد "منهلها العذبا".

ونادى الجواهري جيل الشرق الجديد بأن يقتحم الغرب كما اقتحمه سلفه طارق بن زياد، حاملا قيم أمة "ما سملتْ عينا ولا حجزت رأيا ولا حرقت كتبا"، وبثَّ في "مقصورته" وفي "دجلة الخير" أشواقه الملتهبة إلى العراق متباهيا بفتوته، منشدا لفلسطين التي أضناه حبها وزادته زيارته ليافا أسى وشوقا.

وفي "الجسرة" غنى الخالد العبقري الفذ عبد الله البَرَدُّوني "لبنت الملوك صنعاء التي تأتي وتقرب فجأة"، و"لصنعاء في فندق أموي"، ولـ"دكتورة أطفال"، وجال بخياله الفتَّان في "مملكة الحشرات".

وفي الجسرة رفع محمود درويش عقيرته حنينا إلى خبز أمه وقهوتها، مستعيدا طفولة تكبر باستمرار على صدور الأمهات، وفي المكان نفسه قبَّل سميح القاسم أرض قطر تقديرا لبلائها في دعم فلسطين، وفي كعبة المضيوم تبرع بكوفيته لتفرش للثوار المتعبين.

وفي قطر، استعاد محمد الفيتوري "صوته كشاعر، وإيقاعاته كضاج بالموسيقى في روحه"، "ليناجي الملايين التي أفاقت من كراها" وخرجت تبحث عن تاريخها بعد أن "تاهت على الأرض وتاها"، وفيها تبارى أحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي في إيصال الأنَّات العربية إلى الجماهير بعاميتهما المصرية اللطيفة.

الشعراء والمثقفون العرب الذين زاروا الدوحة وأنشدوا أشعارهم فيها، وقدموا أفكارهم ورؤاهم في جنباتها يفوقون الحصر، وأبرزهم سيد الشعر العربي المعاصر الراحل نزار قباني الذي أنشد في نادي الجسرة روائعه الخالدة

الشعراء والمثقفون العرب الذين زاروا الدوحة وأنشدوا أشعارهم فيها، وقدموا أفكارهم ورؤاهم في جنباتها يفوقون الحصر، وأبرزهم سيد الشعر العربي المعاصر الراحل نزار قباني الذي أنشد في نادي الجسرة روائعه الخالدة، وقرأ فيه مقدماته النثرية التي يُزين بها أمسياته الشعرية.

تلك المقدمات التي اعتاد أن يقول فيها أبو هدباء ما لا يقول في الشعر من ملاحظات ثقافية واجتماعية؛ ففي أمسيته الأخيرة في الدوحة شكر نزار قباني قطر التي أتاحت له الجلوس مع الجمهور على "أرض الشعر"؛ فالشعر كما يقول هو "آخر مكان نقيم فيه بعدما سحبوا منا سجادة الكلمات، والشعر هو آخر خيط من الحرير يجمع بين العربي والعربي في حين قطعت السياسة كل الخيوط وكل الرقاب".

يقول نزار قباني في أمسية الدوحة الأخيرة "سأقول في نادي الجسرة كلما تأمرني الحرية أن أقوله فأنا لا أعصي للحرية أمرا، وسأغني هنا كما تعودت أن أغني دائما دون أن أقسم الكلمة إلى نصفين، والفكرة إلى نصفين، والحقيقة إلى نصفين"، ثم أمر نزار جمهوره الدوحي أن يرمي نفسه في بحر الحرية، مستدركا أن المفاجأة بالنسبة له في تلك الأمسية العظيمة هو حضور النساء الكبير في الأمسية.

وقال نزار قباني "إن هذا الحضور النسائي المميز دليل على أن قطر بدأت تقتنع بأن المرأة ليست نصف الحضارة، ولكنها كل الحضارة"، يقول نزار هذا لأنه قبل 10 سنوات من أمسية نادي الجسرة أحيا أمسية شعرية في الدوحة وكان كل حضورها من الرجال ما جعل شعره يتجمد "وكانت أمسية شعرية فاشلة جدا لأن كل مكان دون امرأة لا مكان له".

أرجع نزار قباني هذا الحضور النسائي الجديد في الأنشطة الثقافية والأماسي الشعرية بالدوحة إلى عام 1995 الذي سقط فيه جدار برلين الذي ارتطم به في زيارته الأولى للدوحة في الأمسية الكئيبة كما يقول، فحسب نزار قباني فإن سنة 1995 "تغيرت فيها الصورة التي كان يعرف وتحررت فيها نون النسوة وتاء التأنيث" في قطر، كلام نزار قباني هذا كان إدراكا مبكرا وعميقا لطبيعة الرؤية التغييرية التي تبنتها قطر منتصف التسعينيات، وجعلت أساسها إطلاق المواهب والاستثمار في العقول وإعداد أبناء البلاد وبناتها لمعانقة المجد ومنافسة نظرائهم في الدول المتقدمة تعلما وتوظيفا وقيادة.

ثنائية الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم أو "التحديث مع المحافظة على التقاليد" حسب تعبير رؤية قطر الوطنية 2030 التي أشرف عليها سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أيام ولايته للعهد من التحديات الخمسة التي عالجتها هذه الرؤية

لم يكن تطبيق قطر لرؤيتها التنويرية في إشراك المرأة في الشأن العام أمرا سهلا لمن يدرك طبيعة التاريخ الثقافي والاجتماعي في الجزيرة العربية في القرون الأخيرة؛ ومن المعلوم أن أصعب التحديات التي تواجه المشاريع التحديثية الراشدة هو وقوع مثل هذه الرؤى عربيا في العادة بين مطرقة حراسة العادات باعتبارها دينا، وسندان دعاة الاستلاب الحضاري باعتباره تقدما ورُقِيّا ونموذجا حضاريا كرم المرأة وأنصفها.

والخروج من بين المطرقة والسندان يحتاج إلى نور بصيرة ومضاء عزم امتلكتهما قطر؛ فكان الحضور المشرف للمرأة القطرية في الشأن العام وفق رؤية قطر الجامعة بين الاعتزاز بدينها وثقافتها، والانفتاح على العالم وتجاربه من غير انبهار أو استلاب.

ثنائية الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم أو "التحديث مع المحافظة على التقاليد" حسب تعبير رؤية قطر الوطنية 2030 التي أشرف عليها سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أيام ولايته للعهد من التحديات الخمسة التي عالجتها هذه الرؤية.

ولعل أصعب اختبار واجه هذا التحدي كان في تنظيم كأس العالم 2022، وأثبتت فيه قطر قدرتها على المواءمة بين مفردات ومظاهر هذه الثنائية الصعبة باقتدار ووعي وصرامة حيث استقبلت الدوحة العالَم والأجناس والشعوب مع احتفاظها الحضاري بهويتها بل وسعيها للتعريف بالثقافة العربية وقيم الإسلام السمحة ودعم القضايا العادلة فكانت المؤثر لا المتأثر.

في دعم القضية الفلسطينية والتعريف بها وبقيم الإسلام والشعوب العربية قدمت قطر خلال مونديالها مبادرات إنسانية عميقة المغزى حضاريا مثل "قطر 2022 فرحة للجميع"؛ فلم تنس قطر وهي في قمة الابتهاج والفرح المستضعفين والنازحين واللاجئين فكان إشراكها لهم في هذه الفرحة العالمية سجدة شكر من سجدات المونديال الذي تألق فيه الساجدون والبررة، ومن تلك الفعاليات المصاحبة للمونديال التي أعجبتني أمسية شعرية أقيمت دعما لفلسطين في بيت الخاطر بالمدينة التعليمية ضمن مهرجان دريشة.

حين حضرتُ تلك الأمسية الشعرية التي ألغيتُ كل المواعيد والالتزامات حرصا عليها، تذكرت الراحل نزار قباني في أمسيته الأخيرة بالدوحة وحديثه عن غبطته بالحضور النسائي المتميز ثقافيا؛ فشغلتُ عداد الزمن مقارنا بين الأمسيتين، وراصدا لمدى التطور الذي وصله حضور المرأة القطرية في المجال العام، وكانت الإجابة أسرع من أهداف وركض اللاعب العدَّاء كيليان مبابي؛ فحين التفتُّ يساري رأيت سيدتين قطريتين تتقدمان جمهور الأمسية؛ إحداهما تقود مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، التي كنا نجلس في رحابها، وهي مؤسسة رائدة إقليميا في مجالاتها التعليمة والبحثية والتنموية.

فالشيخة هند بنت حمد آل ثاني نموذج حي لما حققته المرأة القطرية من تقدم وحضور وفاعلية في المجال العام خلال العقدين الأخيرين؛ فهي تواصل شغفها وإيمانها بقوّة التعليم ودوره في تشكيل مسارات الحياة، وتعزيز تماسك المجتمعات، وبناء عالم أفضل.

وانطلاقًا من دورها كمواطنة عالمية فاعلة، وأمّ، وامرأة قيادية، تعكس سعادة الشيخة هند دور المرأة القطرية الرائد ومساهماتها في تحقيق التقدّم والتطور لدولة قطر، كما في سيرتها الذاتية المنشورة بالموقع الرسمي لمؤسسة قطر التي تشغل المنصب التنفيذي الأول فيها.

حضرت الشيخة هند الأمسية الشعرية كلها وتفاعلت مع الشعر وجماليات إلقائه بتواضع قطري أصيل ومتجذر، فالشيخة هند في الأمسية الشعرية كانت متلقية للشعر ومناصرة لفلسطين؛ ومن أجل فلسطين والثقافة والشعر لم يُشغل الشعراء والجمهور تلك الليلة الجميلة بتبجيل الشيخة الأميرة وذكر أدوارها ووظائفها المختلفة، وعملها مع والدها العظيم صاحب السمو الأمير الوالد -حفظه الله- مديرة لمكتب سموه خلال 2008-2013، وهي سنوات عربية وعالمية صعبة أينع فيها الربيع العربي وتحققت فيها أحلام الشعوب العربية بإزاحة جلاديها، وكانت قطر بقيادتها الشجاعة في قلب الحدث بجزيرتها التي يعتبرها عقلاء الأمم "فتكة بكرا".

والسيدة الثانية التي كانت تتقدم جمهور الأمسية هي صاحبة الفضل فيها، وفي التنفيذ والإشراف على كثير من الأنشطة الثقافية والإنسانية التي صاحبت المونديال؛ فالفاضلة لولوة بنت راشد الخاطر مساعدة وزير الخارجية القطري تختصر بملكاتها القيادية وعبقريتها الفذة وحضورها الألمعي وفصاحتها التميمية وأخلاقها الراقية وقلبها الملذوع بواقع العرب والمسلمين ما طمحت له قطر في خططها التنموية من ارتقاء بالإنسان وتمكين للأكفاء ومواءمة بين "التحديث والمحافظة على التقاليد"، وهي إلى جانب مسؤولياتها الدبلوماسية الكبيرة شاعرة مفلقة وناقدة بصيرة ومثقفة حضارية تُشَرِّف أمتها والغيورين على لسان العرب ويقظة الضمير في زمن الحيف عليهما.

شخصيا أُوقن أن نزار قباني لا تغيب روحه عن أي أمسية شعرية عربية ولو حضر بجسمه أمسية بيت الخاطر لعبر عن سروره بما وصلت إليه المرأة في قطر من حضور نوعي وفاعل في المجال العام حيث يقدن وزارات محورية في الصحة والتعليم وقضايا الأسرة، ولم يعد دورهن مقتصرا على مجرد حضور أمسيات ثقافية، وربما يسوؤه -وهو المتهتك الضليل- عدم رؤية جِيد سعاد التي عانقها في مدخل الحمراء؛ فالتقدم في قطر وفاعلية النساء لا ينافيان الحشمة والوقار والاعتزاز بالهوية.

تساءلت في نفسي؛ هل علم نزار قباني في عالم برزخه في مقبرة الباب الصغير بدمشق بأن الفتيات من جزيرة العرب وبوادي العراق والشام كن يحاججن آباءهن الذين يحاولون منعهن من الدراسة الجامعية بحضور صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وبنات شعبها في المجال العام مع تمسكهن بدينهن وتقاليدهن؟

اعلم يا نزار أن تلك الحجج كانت مقنعة بدليل إقبال بنات تلك المناطق على الدراسة الجامعية وتفوقهن وحضورهن في الشؤون الثقافية والعلمية في النوادي والمنتديات.

ثم اعلم يا أبا هدباء أن الأمسية التي تنفسنا خلالها شعرا نقيا في بيت الخاطر وفي مهرجان دريشة أنعشها 4 شعراء؛ شاعرتان عربيتان، وشاعران في الوقت الذي كان أسود الأطلس يقارعون منتخب "الناريين" الكروات في استاد خليفة الدولي للفوز بالمرتبة الثالثة في كأس العالم قطر 2022.

فالعرب بعدك أيها "الدمشقي الذي احترف الهوى" بخير، والخليج لم يعد مجرد برميل نفط فقط بل تحققت فيه نبوءة محمد مهدي الجواهري ورأينا بعيوننا ما بشر به عن "فتيان الخليج" الذين سمتهم قطر "اللجنة العليا للمشاريع والإرث"، فنم في سلامك الأبدي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.