شعار قسم مدونات

إليزابيث الثانية.. رحيل ملكة الغروب

الملكة إليزابيث الثانية (غيتي)

هكذا مضت السبعون عاما، وانغلق قوسها، حيث ستمضي لدير وستمنستر، تاركة وراءها إرثا من التحولات التي حافظت فيها على ابتسامة، وأناقة، وملامح ثابتة، نشأت أجيال عبر العالم، وماتت، وهي لا تزال كما هي: إليزابيث الثانية.

انغلق قوس التحولات المصيرية في حياة أمة حكمت أمما، ودولة تسيدت دولا، وأخطر التحولات استقلال الأمم المستعمرة، ونشوء دول جديدة، بدأ حكمها، بخسارة مصر، ومشاكل قناة السويس، ثم الخروج من السودان، وبلاد الملايو، وأطلت السبعينيات وخليج العرب حر طليق، ناهض، ليظهر الكومنولث رابطة جامعة، مع بقاء الملكة رأس الدولة لدول كبيرة، ومهمة في العالم الأول.

في عصرها واجهت العائلة المالكة تحديات متنوعة، تمكنت من مواجهتها، بأقل قدر من التصريحات، وبأكبر مقدار من التوازن

مع إليزابيث الثانية تم تجاوز آثار الحرب العالمية الثانية، وترميم الأمة، وعودة الاقتصاد، وظهور السوق الأوروبية المشتركة، ترميم العلاقة مع ألمانيا، ثم الحفاظ على الموقع البريطاني الصميم في العالم، استقبلت خروتشوف الزعيم السوفياتي غريب الأطوار أحيانا، وفي زيارتها للسودان أواسط الستينيات، حيث وثق محمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء السابق لزيارتها تلك في مذكراته، موضحا أنها ضحكت ضحكة واضحة، عندما قال لها أحد أعضاء الحكومة الانتقالية وقتها دكتور التجاني الماحي معرفا نفسه بأنه من حزب جلالتها، الشيوعي الوفي.

مع إليزابيث الثانية واجهت العائلة المالكة تحديات متنوعة، تمكنت من مواجهتها، بأقل قدر من التصريحات، وبأكبر مقدار من التوازن، بحيث حافظت على التقاليد الملكية، وتمكنت من تجاوز كل التعقيدات بثبات شديد.

مع إليزابيث الثانية لبست الشرطيات البريطانيات الحجاب، واعتمر السيخ عمائمهم، وهم يؤدون عملهم الشرطي

عايشت إنجلترا ذات الهوية الواحدة: الإنجليزية، القانون الأنجلوساكسوني، اللغة الشكسبيرية، الكريكيت، وكرة القدم، والمذهب الأنجليكاني، وانتقلت بهذا المجتمع إلى احتضان أبناء المستعمرات المسلمين، واليهود، والمسيحيين من الطوائف الأخرى، والسيخ، والهندوس، والبوذيين، وغيرهم من مهاجري دول الكومنولث من هونغ كونغ، وحتى سيراليون والغرب الأفريقي مرورا بالبلاد العربية على اختلافها، ومع إليزابيث الثانية لبست الشرطيات البريطانيات الحجاب، واعتمر السيخ عمائمهم، وهم يؤدون عملهم الشرطي.

مع إليزابيث الثانية تم تجاوز آثار الحرب العالمية الثانية، وترميم الأمة، وعودة الاقتصاد، وظهور السوق الأوروبية المشتركة، وترميم العلاقة مع ألمانيا

إنها الخلطة الإنجليزية الخاصة، الفلسفة العملية، والتفكير الدقيق، والتنفيذ المحكم، والتخطيط طويل المدى، الملكية البريطانية التي واجهت الحقوق المدنية بالاستجابة لها مع الماجنا كرتا (Magna Carta)، عادت وواجهت الإصلاح الديني، باحتوائه فغدا الملك رأس الكنيسة، والدولة معا، سقطت على يد كرومويل، ثم عادت مجددا.

وهكذا دائما، التوازن، والدقة، التخطيط، والتنفيذ، الخلطة البريطانية الهادئة، لا تطرف، ولا عجلة، ولا قسوة، ومهما يكن حجم ما يرتكب فالمهم توافر القفازات، لتبقى الأيدي نظيفة.

فآثار الاستعمار لا يمكن محوها، وإن كان يمكن ترميمها بكلمة من صاحبة الجلالة ذات المكانة والاحترام التي تعد مخالفتها في ثقافة الإنجليز أمرا عظيما… نعم، كان يمكنها رفض شن الحرب هنا ومداواة آثارها هناك؛ لكنها أبقت الأمر بيد رئيس وزراء جلالتها لتحافظ على تقاليد الملكية ويبتلى هو بتبعات السياسة.

إليزابيث الثانية، حكاية ملكة، وأُم، شاهدت نشأة دول في عمرها المديد، وسقوط الدول ذاتها، رأت الحروب تندلع، وتنتهي، والأيديولوجيات تنشأ، وتنقرض، رأت العائلة المالكة تواجه المشاكل، والعواصف، والانتقادات، عاصرت التقنية الحديثة تغزو الحياة، وتغير المفاهيم، عايشت كل ذلك، وهي تبتسم، وتنظر، وقلما تتحدث، معتمرة قبعتها، ومحتفظة بأناقتها دائما.

قوس طويل قارب على القرن، انتهى، ليبدأ عهد جديد… مع الإمبراطورية التي قادتها ملكة الغروب.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.