شعار قسم مدونات

من حيث أنت

ما وجدت نفسك فيه كان منطلقك الأول، والمحطة التي شاء الخالق أن يضعك فيها لتبدأ منها رحلتك في الحياة (أن سبلاش)

هكذا أتيت إلى هذه الدنيا..

لم تختر الزمان الذي شهد مولدك، ولا البلد الذي كان مسقط رأسك فيه، ولم تختر انتماءاتك التي وجدت نفسك فيها مرتبطا بأسرة وشعب ووطن.

المحطة الأولى:

ذلك كله لم توجده بنفسك، ولن تستطيع له تبديلا، فليس لك أن تعده إنجازا تفخر به، ولا إخفاقا تخجل منه، وإنما النجاح أو الإخفاق يترتب على ما سيأتي منك بعد ذلك.

ما وجدت نفسك فيه كان منطلقك الأول، والمحطة التي شاء الخالق أن يضعك فيها لتبدأ منها رحلتك في الحياة، وتباشر مهمتك التي جعلها لك عندما قال جل شأنه مخاطبا ملائكته في سورة البقرة الآية 30: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}.

وكونك خليفة الله في الأرض يعني أنه قد سبق لك من الله تكريم ينبغي عليك عدم التفريط فيه. فاستحضر حقيقة أنك لله وأنك إليه راجع، وانظر موقعك، وحدد خطى سيرك في الحياة على هدى من الله تعالى، وبعون منه وتسديد، لتقيم شرعه ونهجه.

وأنت إنما تقيم شرع الله عندما تقر له بالألوهية والوحدانية، وتقيم أركانا أراد لها أن تقام، وتحل ما أحله لك، وتجعل ما حرمه عليك حراما.

تقيم شرع الله في علاقتك مع نفسك بأن تصونها بالتزكية، وترعاها بالتنمية، حتى تصفو وتسمو وترتقي.

تقيم شرع الله في علاقتك مع الناس، عندما تكون فيهم مفتاح خير مغلاق شر. فلا يرون منك إلا برا ولا يسمعون إلا خيرا، ولا يعهدون إلا معروفا.

عابر سبيل:

وفي مسارات الحياة يعيش الناس أحوالا شتى بين شدة وفرج، وحزن وفرح، وتألق وخفوت. وقد تكون أنت نفسك اليوم في حال، وتكون في نقيضها غدا، فمهما تغيرت الأحوال فاحرص على أن يكون سلوكك قويما، وسبيلك مستقيما.

لا تجزع عند فقرك، وإذا اغتنيت فلا تبطر.

قابل الضراء بالصبر، واستقبل السراء بالشكر، لتكون في كلتيهما على خير.

كن بين الناس منارة حق وسبيل هدى، لا بما تلقيه عليهم من مواعظ وخطب، وإنما من خلال القدوة التي تجسدها أمامهم، والمثل الأعلى الذي يرونه فيك. وإذا آلت إليك السلطة فاجعلها سلطة ينتصر فيها المظلوم، ويقوى الضعيف، وينعم الناس بالأمن.

خذ بنصح سيد الأنام، صلى الله عليه وسلم، فلا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.

ادع الله أن يجعلك مباركا أينما كنت، شبيه المسيح عليه السلام.

وفي سعيك لذلك كله استحضر دوما حقيقة أننا في هذه الدنيا عابرو سبيل.

فليس مهما أن نعيش أغنياء أو فقراء.

وليس مهما أن نعيش مشهورين أو مغمورين.

ليس مهما أن نعيش أعمارنا القصيرة هنا أو هناك، ومع هؤلاء أو مع أولئك.

المهم أن نبقى حيث أوجدنا الله محتفظين بالبوصلة التي توصلنا إلى حيث يرضى الله.

غاية وظلال:

طبيعي أن تسعى في حياتك للخروج من ضيق العيش إلى بحبوحة مريحة، وطبيعي أن تسعى لبناء بيت، وأن يكون لك أسرة وأبناء، بل حتى أن يكون لك بصمة مساهمة في بناء دولتك ومجتمعك وأمتك.

لك أن تجتهد لنيل شهادة علمية، وتحسين واقعك الوظيفي.

ولك أيضا أن تتنقل في أرض الله إذا دعتك لذلك مصلحة عليا، أو دفعتك ضرورة ملحة، أو إذا صارت لك الأرض بشرقها وغربها ميدانا لخير تزرعه، أو صلاح تنشره، أو نفع تسوقه للناس.

لكن الحذر كل الحذر أن تقصر غاية وجودك في الحياة على المال والأسرة والسفر والدور المجتمعي والوظيفة، وتنسى أنك خليفة الله في الأرض. أو أن تنسى أن تلك الأشياء ليست إلا ظلالا مرتحلة للغاية الكبرى المتمثلة بإقامة شرع الله في الأرض.

نحو التغيير:

إذا أحاط بك واقع لا يسر فبادر إلى التغيير والإصلاح، وبك ومنك تأتي الخطوة الأولى، فالثورة على الذات لما تحمله من أفكار وقناعات وسلوكيات خاطئة هي المقدمة الطبيعية لثورة تريد تغيير الواقع المحيط.

ستنظر بعدها حولك لترى حالا مأساوية لا مفر من الاعتراف بها، لكن الاعتراف لا يعني الرضى، وإنما التشخيص الصحيح الذي يبنى عليه تحديد طريق الانتقال من الواقع إلى الأمل. ولك بعدها أن تمارس الفعل الإيجابي المنتج من الموقع الذي يناسب طاقاتك وإمكاناتك لتحقيق الخير المنشود لك ولمجتمعك وأمتك. وفي مسيرة انتقالك من الواقع إلى الأمل بناء لشخصك، ورسم لهويتك وتاريخك، وإثبات لبصمتك في الحياة.

لا تبتئس إن لم تستطع في مسيرة الإصلاح أن تبدع في كل ميدان، فلا بد أن تجد ميدانا تبدع فيه. ولست مضطرا إلى أن تكون نسخة مطابقة لفلان، وإن كان ناجحا، فما أنت عليه قد يجعل الأنسب لك وجودك في موقع آخر وصورة أخرى.

واعلم أنه ليس للإنسان الخيار أن يولد في أمة عظيمة، لكن له أن يصير خيارا عظيما لأمة ولد فيها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.