شعار قسم مدونات

إليزابيث وعقدة توريث شيوخ السياسة في ماليزيا

الملكة الراحلة إليزابيث ورئيس وزراء ماليزيا الأسبق مهاتير محمد (وكالات)

تركت حقبة الاستعمار الغربي لزهاء أربعة قرون ونصف القرن بصماتها على تقاليد الشعب الماليزي، فماليزيا جزء من منظومة الكومنولث البريطاني، ونظامها السياسي نسخة معدلة عن النظام السياسي البريطاني، وكذا النظام القضائي.

تذكّر مهاتير محمد بعضا من لطائفه مع الملكة البريطانية الراحلة إليزابيث الثانية بعد أن قضت نحبها، مثل إطلاق البريطانيين أسماء بغير مسمياتها كإطلاق اسم منظمة الكومنولث على مجموعة الدول المستقلة عن الاستعمار البريطاني، بقوله في حضرتها: نحن العامة (common) ولكم الثروة (wealth).

أثار ترك الملكة العرش بوفاتها عن 96 عاما لابنها الملك تشارلز الثالث تعليقات كثيرة، لعل أكثرها طرافة صبر تشارلز، بينما لم يتنازل مهاتير عن عرشه لأحد أبنائه، وقال إنه لم يتوقع وفاة الملكة التي تصغره عاما واحدا، كل ذلك لم يمنعه من اعتبار إليزابيث نموذجا للملكية الدستورية، التي يملك فيها رئيس الدولة ولا يحكم، في حين سخر من حكم سلاطين الملايو تحت الاستعمار الذين كان يطلق عليهم الحكام لكنهم لا يحكمون والحكم الحقيقي بيد المستعمر ممثل الملكة.

انتقى اسم المحارب لآخر حزب يشكله وقد لا يكون الأخير، ويعتقد مقربون منه أنها صفة لازمت تاريخه السياسي، واختار للتحالف الذي سيخوض به الانتخابات المقبلة اسم وطن الملايو، فانهالت عليه الانتقادات لتشكيل تحالف عرقي عنصري في بلد متعدد الأعراق والثقافات والأديان، في وقت تجرم فيه العنصرية في بريطانيا.

اضطر سيانغ للتنازل عن موقعه في قيادة الحزب لابنه ليم غوان إينغ، لكن التقديرات تشير إلى أن ابنه بقي ظلا لوالده، وبقي الوالد العجوز يوجه سياسة الحزب بنفوذه ومن خلال كتاباته اليومية

ثلاثي الإرث السياسي

شيوخ ساسة ماليزيا المخضرمون متمسكون بدورهم على رأس السلم إلى آخر رمق، فغريم مهاتير التاريخي ليم كيت سيانغ بقي الرقم 1 في حزبه "العمل الديمقراطي" الذي يهيمن عليه ذوو الأصول الصينية، وقاد المعارضة في البرلمان 29 عاما، ورغم تراجع وضعه الصحي، فإنه بقي ينافس مهاتير محمد في الضرب تحت الحزام لكل معارضيه، سواء أكانوا في السلطة أم في المعارضة.

ولولا تحالف ثلاثي شيوخ السياسة الماليزية مهاتير محمد وكيت سيانغ وأنور إبراهيم في انتخابات عام 2018 لما سقط تحالف الجبهة الوطنية بقيادة نجيب عبد الرزاق، بعد أن حكم البلاد أكثر من ستة عقود متواصلة.

لأسباب صحية، اضطر سيانغ للتنازل عن موقعه في قيادة الحزب لابنه ليم غوان إينغ، لكن التقديرات تشير إلى أن ابنه بقي ظلا لوالده، وبقي الوالد العجوز يوجه سياسة الحزب بنفوذه ومن خلال كتاباته اليومية، التي يماحك فيها خصومه في كل قضية.

أما الرأس الثالث للمثلث المتناحر أنور إبراهيم، فليس أقل ممن يكبرانه سنا في المعارك التي خاضوها ضد بعضهم أو ضد خصومهم، إلا أن تقديرات كثيرة تقول إنه لم يكلّ أو يمل في مسيرته الطويلة نحو السلطة، وبعد خروجه من سجنه الثاني بعفو ملكي عام 2018 كان عليه مواجهة الصراع على السلطة داخل حزبه "عدالة الشعب".

أسست زوجته عزيزة إسماعيل حزب "عدالة الشعب" بعد اعتقال زوجها أنور إبراهيم عام 1998، وحمل علم الحزب شكل عين، ليس لأنها طبيبة عيون وإنما إشارة إلى انتفاخ عين أنور إبراهيم بسبب اعتداء الشرطة عليه أثناء اعتقاله.

كان الاعتقال الأول في العهد الأول لمهاتير محمد بعد أن أقصاه من منصب نائب رئيس الوزراء، والتهمة التي تم تسويقها مرتين هي "الشذوذ الجنسي" بحسب الأوصاف الرسمية التي وُجهت إليه، أما العلة التي يسهل قبولها سياسيا ويصعب تسويقها قضائيا فهي استعجال أنور إبراهيم الوصول إلى المنصب الأول، وبعبارة أخرى استعجل الثمرة قبل أوانها، فعوقب بحرمانها.

يستبعد أن يعود أنور إبراهيم إلى السجن ثانية بعد تجاوزه سن السبعين، وهو ما زال في زهرة شبابه مقارنة بكيت سيانغ ومهاتير محمد

الحلقة قبل الأخيرة

لم يغفر شيوخ السياسة لنجيب عبد الرزاق أنه رئيس وزراء ابن رئيس وزراء وابن أخت رئيس وزراء، كما لم يدُر في خلد عائلة عبد الرزاق حسين -الذي وضع أسس النهضة في حقبة السبعينيات- أن ينتهي إرثه السياسي في سجن كاجانغ، وذلك بإدانة ابنه نجيب بسبع تهم فساد يوم 23 أغسطس/آب 2022.

لكن نجيب البالغ من العمر 69 عاما استبق إدانته وإيداعه السجن بترشيح ابنه نزار ليواصل مسيرة العائلة السياسية، وهو ما لم يفعله غيره من شيوخ ساسة ماليزيا، وقد يكون ترشيح نزار قطعا للطريق على ابن عمته هشام الدين حسين وزير الدفاع الحالي ابن حسين عون رئيس الوزراء السابق، والطامح بإرث عائلة أخواله.

قد يكون نجيب عبد الرزاق ندم على سجن أنور إبراهيم في المرة الثانية بتهمة المثلية الجنسية، ذلك أنه سجل سابقة في تاريخ السياسة الماليزي بسجن أحد رواد الصف الأول من السياسيين، وقد يكون ذلك أحد الأسباب التي تحول دون تقاعد عتاة السياسة الماليزيين حتى بعد تجاوزهم العقد التاسع.

يستبعد أن يعود أنور إبراهيم إلى السجن ثانية بعد تجاوزه سن السبعين، وهو ما زال في زهرة شبابه مقارنة بكيت سيانغ ومهاتير محمد، لذلك يبدو غير مستعجل لتوريث ابنته الصاعدة نور العزة أو أحد أبنائه الذين يفضلون عدم التصدر للقضايا العامة، لكنه يواجه تحديا من داخل حزبه، وبعد أن نجا بحزبه بعد انشقاق نائبه أزمين علي ومن معه ممن فضلوا التوزير في حكومتي محيي الدين ياسين وإسماعيل صبري على الولاء للحزب وقيادته.

غيّر رئيس الوزراء السابق اسمه عندما كان في السلطة من المعروف به محيي الدين ياسين إلى محيا الدين، وذهبت الأقاويل إلى أنه نجا بذلك مما وقع فيه سلفه نجيب عبد الرزاق بورطة فساد، وبعد الإطاحة بمحيا الدين الجديد، وهو في منتصف العقد الثامن إثر خلافات داخل التحالف الحاكم، يستعد لمعركة السلطة من جديد.

لعل مهاتير يئس من تأهل ابنه مخرز ليستحق إرثه السياسي في حياته، فهو لم يحافظ على أي منصب تقلده إلا بغطاء من والده، ولعل الوالد يخشى أن يبدد الولد إرث أبيه، فبقي متمسكا به، وكأنها صفة انتحلها عن الملكية البريطانية، حيث لا يرى كثيرون في تشارلز السبعيني كاريزما أمه.

وكما لم يستعجل تشارلز الميراث، لم يستعجله أبناء مهاتير، ولعل مخرز مهاتير يدرك جيدا صحة الخبر الذي صار قاعدة فقهية "من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه"، لكن تبدو الحقيقة أن شيوخ السياسة مدمنون عليها ولن يتنازلوا عنها حتى لفلذات أكبادهم، ولم يتعلموا كثيرا من ساسة بريطانيا التي ورثوا نظامها اسما لا فعلا، أما البعد الجديد في السياسة الماليزية فهو أن السجن مفتوح من أوسع أبوابه، وإن غدا لناظره لقريب.