شعار قسم مدونات

أيامي مع الشعر (5).. ابن الرومي ودموع أبي

المقامة 12 من مقامات الحريري
الكاتب: تبين لي أن الوالد -رحمه الله- تماهى شعوريا في تلك اللحظة مع حزن الشاعر ابن الرومي الذي يبكي أوسط صبيته (مواقع التواصل)

لقد خلفت الصحبة الأدبية مع والدي ذكرى عطرة وأثرا باقيا، ولم تقتصر صحبتنا على مدارسة مقامات الحريري، بل كان الوالد يمتحنني وإخوتي وأخواتي في الإعراب ونحن صبيان صغار، فيطلب منا إعراب أبيات من الشعر للوقوف على مستوى مهارتنا النحوية.

وكنا نفرح إذا أصبنا الجواب في الإعراب، ونحزن إذا أخطأنا في تلك الجلسات العائلية الأدبية، ولا تزال تعلق في ذهني اليوم بقايا من تلك الأخطاء، ومن ذلك أن الوالد -رحمه الله- سألنا في إحدى الليالي المطيرة المظلمة ونحن متحلقون نحتسي الشاي الأخضر أن نعرب قول الشاعر:

وليل في جوانبه فضول          من الإظلام أطلس غيهباني

كأن نجومه دمع حبيس           ترقرق بين أجفان الغواني [1]

فلم يستطع أي منا أن يعرب كلمة "أطلس" لعجزنا يومذاك عن فهم معناها، وضعف إلمامنا بقواعد النحو ذات الصلة بالاسم الذي لا ينصرف.

ولا أستطيع أن أنهي الحديث عن صحبتي الأدبية مع الوالد قبل ذكر بعض النوادر الأدبية المضحكة والمبكية التي عشتها معه، ومنها:

  • أولا: كنت أقرأ بين يديه أحد كتب الأدب (لا أذكر عنوانه الآن) وأنا في السادسة من دراستي الابتدائية، ومررت على بضع قصائد وهو يتابع ويصحح ويشرح، ثم بدأت أقرأ قصيدة ابن الرومي التي يرثي بها ولده الأوسط:

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي          فجودا فقد أودى نظيركما عندي

ألا قاتل الله المنايا ورميها                 من القوم حبات القلوب على عمد

توخى حمام الموت أوسط صبيتي         فلله كيف اختار واسطة العقد

على حين شمت الخير من لمحاته         وآنست من أفعاله آية الرشد

طواه الردى عني فأضحى مزاره           بعيدا على قرب قريبا على بعد

لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها             وأخلفت الآمال ما كان من وعد

لقد قل بين المهد واللحد لبثه             فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد [2]

فلما قرأت هذا المقطع الأول من القصيدة أوقفني الوالد وقال باللهجة الحسانية الموريتانية "كافيك يا وليدي" ومعناها "حسبك يا بني"، فرفعت وجهي عن الكتاب ونظرت إليه فإذا هو مشيح بوجهه عني وعيناه تذرفان وكأنما يحاول إخفاء دموعه عني.

لم يستوعب عقلي الصغير سبب بكائه، فخرجت وأعدت قراءة القصيدة المرة تلو المرة وأنا مثقل القلب بالأحزان، ثم أدركت السبب في النهاية، فقد تذكرت أني أنا الأوسط -بالمعنى الحرفي للكلمة- بين صبيته التسعة الأشقاء، حيث يكبرني أخوان وأختان ويصغرني أخوان وأختان، وتبين لي أن الوالد -رحمه الله- تماهى شعوريا في تلك اللحظة مع حزن الشاعر ابن الرومي الذي يبكي أوسط صبيته بكاء مرا في تلك القصيدة، فلم يتمالك نفسه من البكاء ولم يحتمل إكمال القراءة.

  • ثانيا: بعثت إلى الوالد مع خالتي وأنا طالب أعد الشهادة الثانوية رسالة مكتوبة، أطلب منه أن يزوجني فتاة من معارفنا، فعادت إلي الخالة ضاحكة وسلمتني جوابه مكتوبا على ظهر رسالتي، وهو قول الشاعر:

وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا         لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي ما كله أنت قادر           عليه ولا عن بعضه أنت صابر

فإياك والأمر الذي إن توسعت         موارده ضاقت عليك المصادر [3]

وكان ذلك درسا بليغا في الدعوة إلى الاستعفاف، وعدم التسرع في الزواج لمن لم يكن قادرا على تحمل تبعاته ومسؤولياته.

  • ثالثا: هربت مرة من المدرسة الأهلية "المحظرة" التي كنت أحفظ فيها القرآن الكريم وعمري نحو الـ13 بعد أن سئمت الغربة الممضة والدراسة الشاقة والحياة الصارمة بعيدا عن أهلي، فقررت التخلي عن الدراسة وسافرت من قرية الشيخ المدرس إلى قريتنا، والمسافة بينهما نحو 20 كيلومترا، وكنت معتادا أن أسافرها وحدي راجلا -على حداثة سني يومها- بفضل التربية الريفية المخشوشنة، وحينما وصلت قريتنا تفاجأت بوجود الوالد في القرية، والعادة أنه في تجارته بالمدينة، فسألني عن سبب قدومي غير المتوقع، فأجبته بأني قررت التخلي عن الدراسة، فغضب ومنعني من الجلوس والراحة، وأخذني فورا في رحلة العودة إلى شيخي، وفي الطريق مررنا بقوم فعرفوا الوالد وأصروا على استضافتنا عندهم للراحة، ثم أصروا على أن نركب أحد جمالهم إلى وجهتنا، فأردفني الوالد خلفه على الجمل واستأنفنا رحلتنا، ثم بدأ يترنم بقصيدة المتنبي التي مطلعها:

ملومكما يجل عن الملام                 ووقع فعاله فوق الكلام [4]

فلما بلغ قول المتنبي:

ولم أر في عيوب الناس شيئا             كنقص القادرين على التمام

توقف طويلا وهو يردد على مسامعي هذا البيت، ثم بدأ يشرحه لي، ويبين لي أن من العيب أن أتخلى عن الدراسة قبل إكمالها، ولم تنفع نصيحة الوالد ولا حكمة المتنبي، فقد هربت في اليوم التالي والوالد لا يزال في قرية الشيخ، وحين أدرك الوالد هربي ذهب يطاردني هو والشيخ خوفا علي من أن يقتلني العطش في الطريق، بسبب رياح السموم في ذلك اليوم القائظ، وأمسكاني في منتصف الطريق إلى قريتنا، فودع الوالد الشيخ، واصطحبني إلى قريتنا بعد أن أدرك أن عنادي لا حدود له، ثم عاهد الله تعالى أمام الأسرة ألا يرغمني على أمر لا أرضاه بعد ذلك اليوم، وقد وفى بعهده حتى رحل عن الدنيا، وأكتفي بهذه الأمثلة من ذكرياتي مع الوالد لارتباطها بالشعر.

———————————–

مراجع:

[1]  أورد البيتين جعفر بن أحمد السراج القارئ في كتابه "مصارع العشاق" (بيروت: دار صادر)، 1/87، دون عزوهما إلى شاعر بعينه.

[2]  راجع القصيدة في ديوان ابن الرومي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002)، 1/400-402.

[3] تواتر ذكر البيتين الأولين في مصادر اللغة والأدب دون نسبة إلى قائل بعينه، أما البيت الثالث فقد نسبه المستعصمي إلى طفيل الغنوي، انظر: محمد بن أيدمر المستعصمي، "الدر الفريد وبيت القصيد" (بيروت: دار الكتب العلمية، 2015)، 10/192.

[4] راجع القصيدة في ديوان المتنبي (بيروت: دار بيروت، 1983)، 482-485.