شعار قسم مدونات

تساؤلات حول المعلم

الكاتب: "القداسة المذهبية" فكرة الذهاب إلى الله عن طريق مذهب معين (الجزيرة)

قال لي صديقي الذي يتبع في مذهبه الديني إحدى الطرق الصوفية "مقالاتك جميلة ولكنك تحتاج إلى معلم"، فكانت هذه الجملة والحوار الذي تبعها سببا في كتابة هذا المقال الذي تمخض من كثير من الأسئلة التي اجتاحتني عندما حاورته حول مبدأ أهمية المعلم في الإرث الصوفي الذي ينتمي إليه.

والذي جعل الأفكار في ذهني تتقافز من هنا وهناك حينما ربطت بين حديثه حول الذوبان في الشيخ أو المرشد أو المعلم وغيرهم من دعاة التوجيه في الحياة وبين جملة أخرى قالها لي صديق يتبع مدرسة صوفية أخرى "أبشرك، شيخي اليوم أذن لي بأخذ راحتي في المباحات"، لاحظوا أنني قلت "المباحات" وليس المحرمات.

تعالوا معا لنعود قليلا إلى عالم الطفولة حينما ترددت على مسامعنا هذه الجملة "من كان شيخه كتابه كان غلطه أكثر من صوابه" وغيرها من العبارات مثل "اسمع كلام أبيك" أو "أطع رأي أمك" وغيرها من العبارات التي تضاف إليها قداسة "دينية" بالتخويف من العقوق بفهم خاطئ لثنائية الحقوق بين الأبوين والأولاد، أو "اجتماعية" بنبذ المجتمع الشخص المختلف، أو "تعليمية" بأهمية الالتزام بمبدأ طاعة المعلم حتى لو كانت بعض أفكاره خاطئة، أو حتى "مذهبية" بفكرة الذهاب إلى الله عن طريق مذهب معين.

كلما مضى الزمن تجذرت هذه الفكرة في رؤوسهم لتسلب منهم شخصياتهم الذائبة في صيرورة المعلم وضرورة المرشد

وإذا أرادوا امتداح شخص ما قالوا "لم يخرج قيد أنملة عن المذهب" وكأن الفقه المقارن وجد ليبقى على رفوف النسيان، إلى آخر بقية الأفكار والأقوال التي يقاتلون بكل شغف لكي تبقى خالدة، تتداولها الأجيال تلو الأجيال لتبقى نظرية السيطرة باقية وتتطور، تزيد في المعلم تجذرا، وتزيد في ذوبان الأتباع الذين يشعر الكثير منهم بالضياع لو غاب المعلم، بل ويشعرون بالقلق تجاه قرارات حياتهم المباحة لو لم يباركها المعلم، بل ويشعرون أنه هو من سيقودهم إلى الجنة وبدونه قد تأكلهم جهنم الحمراء رغم أن الله -سبحانه وتعالى- قال {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} (مريم: 95).

وكلما مضى الزمن تجذرت هذه الفكرة في رؤوسهم لتسلب منهم شخصياتهم الذائبة في صيرورة المعلم وضرورة المرشد وحتمية الشيخ وقطعية الحاجة للأستاذ، فهم الذين سيحسبون لهم ذنوب ماضيهم ويقررون لهم أحوال حاضرهم ويكتبون لهم خارطة الطريق نحو مستقبلهم رغم أن الله سبحانه وتعالى قال {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} (الأنعام: 116).

وكلنا نعرف أن الله -سبحانه وتعالى- أمر بسؤال العلماء الأجلاء المتخصصين في جميع الفنون فقال {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل: 43)، ولكنه سبحانه وتعالى أيضا ربط مسؤولية الإنسان بنفسه، فما يصلح أن نقول بسخرية نسأل عنها يوم القيامة "ارمِ ذنبك على فتوى ورقبة عالم، وامضِ في حياتك سالما".

ولذلك، حذر الله -سبحانه وتعالى- في العديد من الآيات القرآنية فقال {كل نفس بما كسبت رهينة} (المدثر: 38)، وقال سبحانه {كل امرئ بما كسب رهين} (الطور: 21)، وقال سبحانه {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرىٰ} (الأنعام: 164)، وقال سبحانه {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} (الزلزلة: 7-8).

وغيرها من الآيات الكثيرة التي تؤكد على أن الإنسان منذ بلوغه عليه مسؤولية التعلم، ثم إذا تعلم عليه مسؤولية التمييز بين الصواب والخطأ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأحد الصحابة رضوان الله عليهم "استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك" حديث حسن.

يمكن للمؤمن الواعي المتبصر أن يأخذ الحكمة من كل أحد، ولكن الخطورة في تسليم عقله لأي أحد

وجل ما كتبته آنفا لا يعدو على كونه مجرد تساؤلات حول المعلم، هل يجب أن يكون في حياتنا؟ وهل دوره ينتهي عند تعليمنا أم يصبح مسؤولا عن حياتنا من أكبر قراراتنا فيها إلى أصغرها؟ أم أن دوره يقف عند تبيين الصحيح في بعض مجالات الحياة أو جزئياتها ثم يترك القرار لنا؟ وهل للتعلق الشديد به والالتزام العالي بكل ما يقول أهمية طالما أن الإنسان سيحاسب وحده يوم القيامة؟ وهل من تعلقوا به كان سببه جوانب نفسية تدور في فلك النظرية النفسية (لعب دور الضحية)؟ أو أنه الخوف من اتخاذ قرارات الحياة بمفردهم؟ وهل الإنسان إذا وصل إلى معرفة واعية ناضجة بأمر ما لا يجدر له أن يسأل عما يعرف كما قال الله سبحانه وتعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} (المائدة – 101).

ويمكن للمؤمن الواعي المتبصر أن يأخذ الحكمة من كل أحد، ولكن الخطورة في تسليم عقله لأي أحد أو حتى الذوبان في رمز أو اتجاه كما يقال "أن تفكر بعقل غيرك فذلك كفر بنعمة العقل التي وهبها الله لك".

والطريق إلى الله واضح ويمكن الوصول إليه في كل وقت وحين كما قال لنا سبحانه وتعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة: 186)، وفي هذا يقال "إن لله طرائق عدد أنفاس الخلائق"، وعلينا أن نتذكر جميعا دائما وأبدا قوله تعالى {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} (مريم: 95).