شعار قسم مدونات

عندما تاهت الإمبراطورية في جبال الأفغان!

In this file photo taken on October 13, 2012, US Army soldiers attached to 2nd platoon, C troop, 1st Squadron (Airborne), 91st US Cavalry Regiment, 173rd Airborne Brigade Combat Team operating under Nato-sponsored International Security Assistance Force (ISAF) protect a wounded comrade from dust and smoke flares after an Improvised Explosive Device (IED) blast during a patrol near Baraki Barak base in Logar province. — AFP
الكاتب: 20 عاما من الاحتلال الأميركي لأفغانستان، نتج عنها ما نتج من خسائر بشرية ومالية كارثية فادحة (الفرنسية)

تقرير وكالة "سيغار" الأميركية المتخصصة في القيام بعمليات التفتيش والتدقيق والتحقيق المتعلقة ببرامج وعمليات إعادة إعمار أفغانستان، يوضح حجم التخبط والفشل الذي يحيط بمغامرات الولايات المتحدة الأميركية في العالم، والتي خلفت آلاف القتلى والجرحى، تحت دعاوى محاربة الإرهاب، وحماية الحريات، والدفاع عن حقوق الإنسان، ونشر الديمقراطية والقيم الغربية. مغامرات أوقفت عجلة الزمن وأعاقت مسيرة التنمية، ودمّرت الحاضر والمستقبل في كافة الاتجاهات وشتى المجالات، في فيتنام والعراق وأفغانستان والسودان، وحتى في فلسطين. نتائج فاجعة سيسطرها التاريخ في صفحاته السوداء بأبشع العبارات والألفاظ، مغامرات تحدث على بصر ومرأى العالم أجمع، ولكن بلا إدانة أو محاسبة.

أكبر الدروس التي يجب أن تخرج بها الولايات المتحدة من حربها في أفغانستان والعراق وغيرهما، هو التخلص من غطرسة القوة وجبروت الهيمنة والتفوق، والإيمان بأن تحقيق العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان لا يأتي بالتدخل السياسي والاحتلال العسكري، وإنما بالنظام الدولي العادل والقيم المشتركة التي لا تصطدم مع ثوابت الشعوب والأمم وهوياتها الوطنية والدينية.

بعد أن عرضنا في الأسبوعين الماضيين لتقرير "سيغار"، والدروس والتوصيات التي قدمها للإدارات الأميركية المعنية، كان لا بد لنا من وقفة عند نتائج الفشل الذي منيت به أميركا في أفغانستان، ودلالات هذا الفشل بعد مرور عام على انسحابها من أفغانستان، عام لم تشهد أفغانستان له مثيلا من الاستقرار والأمن والأمان في الخمسين عاما الماضية.

الخطابات الباردة

ركز تقرير وكالة "سيغار" على ما يخص الجانب الأميركي، باعتبارها مؤسسة أميركية رقابية تم إنشاؤها أساسا لمراقبة وتدقيق العمليات التي تقوم بها الجهات الأميركية المعنية لإعادة إعمار أفغانستان، وهي وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية (USAID)، دون أن يفصّل في نتائج ممارسات هذه الجهات على الشعب الأفغاني في كافة المجالات على مدى 20 عاما، الشعب الذي ليس له أي حساب إلا في الخطابات الباردة التي يتشدق بها الزعماء السياسيون لتبرير مغامراتهم لصالح الشعوب وحماية حقوقهم وضمان حرياتهم.

على الجانب الأميركي، فقد بلغ إجمالي الخسائر البشرية والمالية التي تكبدتها الولايات المتحدة وحلفاؤها حسب تقرير صادر عن معهد واتسون ما يلي:

بشريا:

  • مقتل 2500 جندي أميركي من القوات التي خدمت في أفغانستان طيلة مدة الاحتلال، وبلغ عدد أفرادها 775 ألف جندي.
  • مقتل 1144 من قوات الحلفاء من دول الناتو.
  • مقتل 3846 من العاملين الذين يتم التعاقد معهم لتزويد الخدمات للعمليات الأميركية.
  • إصابة نحو 20 ألف جندي.

ماليا:

حوالي تريليوني دولار.خدمة الدين لهذا المبلغ تصل عام 2030 لحوالي تريليوني دولار.

أما على الجانب الأفغاني، فلا يوجد تقديرات مالية لحجم الخسائر التي تكبدتها أفغانستان من تدمير للمساكن والمؤسسات والبنى التحتية، ومن تعطيل لحركة الزراعة والصناعة والتجارة.

وتقدر الخسائر البشرية على النحو التالي:

  • 66 ألف قتيل من الجيش الوطني الأفغاني والشرطة.
  • 47 ألفا و245 قتيلا من المدنيين الأفغان.
  • 51 ألفا و191 قتيلا من حركة طالبان والمعارضة الأخرى.
  • إصابة حوالي 165 ألفا من المدنيين وقوات الحكومة الأفغانية وطالبان وغيرها من المعارضة.

بالإضافة إلى 444 قتيلا من عمال الإغاثة، و72 صحفيا محليا وأجنبيا، و4 ملايين نازح داخل أفغانستان، و2.6 مليون لاجئ موزعين على أكثر من 70 دولة.

أما عن الخسائر الأخرى التي تكبدتها أفغانستان على مدى 20 عاما من الاحتلال الأميركي على كافة المستويات، فحدّث عنها ولا حرج، ويمكن إجمالها في ضياع 20 عاما من عمر الدولة الأفغانية، وتحويلها إلى جحيم متواصل من الألم والأسى والمعاناة، لا تراه عيون المحتل.

دلالات الفشل

هذا الفشل الذي كشفه تقرير "سيغار"، يشير إلى العديد من الدلالات والاستنتاجات التي تستوجب الدراسة والتحليل، ونقف فيما يأتي على أبرزها:

  • قرارات ارتجالية:

20 عاما من الاحتلال الأميركي لأفغانستان، نتج عنها ما نتج من خسائر بشرية ومالية كارثية فادحة، تنتهي في لحظة واحدة، بقرار من الرئيس جو بايدن بعد استلامه السلطة، تكشف مدى الخداع والتضليل الذي يغلّف العمليات الأميركية، بعد أن ضربت بعرض الحائط كل ما قدمته من مبررات لوجودها في أفغانستان، دون اكتراث لحرية الشعب الأفغاني وحقوقه، ودون اكتراث لمستقبل الديمقراطية والقيم الغربية، حتى إن الرئيس بايدن كان عازما على الانسحاب حتى لو لم تكن هناك محادثات في الدوحة بين إدارة سلفه ترامب وبين طالبان. فهل كان هذا القرار استعدادا لبدء المغامرة الأميركية الجديدة في أوكرانيا؟

أسقط تقرير "سيغار" هالة العظمة التي تحيط بها الولايات المتحدة نفسها، بعد أن أكد غياب الإستراتيجية المحكمة القادرة على تحقيق الأهداف في مدى زمني محدد، وضعف التنسيق بين الأجهزة السياسية والعسكرية والتنموية، واستعجال المراحل، والإنفاق غير المسؤول، وغياب الاستدامة عن المشروعات، والسياسات ذات النتائج العكسية، وعدم القيام بالجهد اللازم لرصد وتقييم العمليات وفهم تأثيرها وجدواها.

  • سقوط القناع:

أسقط تقرير "سيغار" هالة العظمة التي تحيط بها الولايات المتحدة نفسها، بعد أن أكد غياب الإستراتيجية المحكمة القادرة على تحقيق الأهداف في مدى زمني محدد، وضعف التنسيق بين الأجهزة السياسية والعسكرية والتنموية، واستعجال المراحل، والإنفاق غير المسؤول، وغياب الاستدامة عن المشروعات، والسياسات ذات النتائج العكسية، وعدم القيام بالجهد اللازم لرصد وتقييم العمليات وفهم تأثيرها وجدواها.

وهذه الممارسات تشبه إلى حد كبير في طبيعتها ما انتهت إليه ليندا ج. بيلمز الباحثة في جامعة هارفارد في نوفمبر/تشرين ثاني 2017، حول سياسة تمويل الولايات المتحدة للحروب بعد 11 سبتمبر/أيلول، والتي تتسم بما يأتي:

  • انخفاض الشفافية حول عملية الإنفاق.
  • انخفاض المساءلة عن نفقات الحرب.
  • ضعف الانضباط المالي على ميزانية الدفاع.
  • تحويل التكلفة المالية على الأجيال القادمة.
  • عدم توفير الموارد للوعود المستحقة لقدامى المحاربين.

وهذا يطرح العديد من الأسئلة التي ما زالت معلقة دون أجوبة، حول أسباب انعدام الشفافية لدى الإدارات الأميركية وهيئاتها التنفيذية، والجدوى من القيام بهذه الحروب، وما إذا كانت فعلا تشنّ لصالح الشعب الأميركي والشعوب المحتلة، أم لصالح النخبة الحاكمة وارتباطاتها الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية.

  • الهزيمة الكبرى:

فشلت الولايات المتحدة على مدى 20 عاما في تحقيق الأمن بأفغانستان، رغم الحجم الهائل لقواتها الذي بلغ أحيانا 100 ألف جندي في وقت واحد، ورغم المعدات الحربية الهائلة المتفوقة، وحوالي نصف مليون جندي أفغاني تم تدريبهم وتأهيلهم مقابل بضعة آلاف من المقاتلين الذين لا يملكون من العتاد العسكري سوى أبسطه، وهذا يدل بكل وضوح على ما يأتي:

  • أن التفوق العسكري ليس بالضرورة أن يكون هو العنصر الحاسم في تحقيق النصر.
  • أن الاحتلال مهما طال أمده، واشتدت سطوته، لا بد أن ينهار تحت إرادة المقاومة التي لا تكترث لحجم التضحيات، بقدر ما تصرّ على تحرير البلاد وطرد الاحتلال.
  • أن الطريقة السريعة التي تفكك بها الجيش الأفغاني أمام قوات طالبان، والتأييد الشعبي الواسع لحركة طالبان، أثبت أن كل ما فعلته القوات الأميركية على مدى 20 عاما لم يغير من عقيدة الشعب الأفغاني، ولا هويته الوطنية والدينية، وإنما كان لصالح نخبة محدودة من الشخصيات الأفغانية التي تنكرت لشعبها وهويته واستقلاله، أو ممن سيطرت عليهم مصالحهم الذاتية الضيقة، والذين تحولوا إلى تروس تنفيذية صماء في آلة الاحتلال، تردد ما تقول، وتنفذ ما تأمر به.
  • سيبقى الاحتلال احتلالا في نظر المقاومة الوطنية المستقلة، مهما رفع من لافتات وشعارات، وإذا تمكن الاحتلال من خداع فريق من الشعب المحتل، تحت وطأة الخوف والحاجة، فلن يستطيع أن يخدع الشعب كله، ولن يتحول في يوم من الأيام إلى بعثة إغاثية قادمة من دولة صديقة، ما دام جاثما بقواته وعتاده على صدر الشعب.

 

  • فشل المشروع الأميركي الغربي:

فشلت الولايات المتحدة في أفغانستان، كما فشلت من قبل في العراق، وقبلها في فيتنام، ولم تستطع إقامة الدولة الديمقراطية التي طالما تغنّت بها لتبرر لشعبها العربدة التي تقوم بها في الدول المستضعفة. فشل المشروع رغم الإمكانات الهائلة والمنظرين والخبراء والباحثين الذين ملأت بحوثهم ودراساتهم وخططهم المكتبات ومكاتب القادة والزعماء.

إن أكبر الدروس التي يجب أن تخرج بها الولايات المتحدة من حربها في أفغانستان والعراق، وغيرهما، هو التخلص من غطرسة القوة، وجبروت الهيمنة والتفوق، والإيمان بأن تحقيق العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان، لا يأتي بالتدخل السياسي والاحتلال العسكري، وإنما بالنظام الدولي العادل، والقيم المشتركة التي لا تصطدم مع ثوابت الشعوب والأمم وهويتها الوطنية والدينية.