شعار قسم مدونات

القانون والمراسل الحربي والأيام الصعبة

William Howard Russell of The Times. المصدر: مكتبة الكونغرس
الصحفي البريطاني وليام هوارد راسل (مكتبة الكونغرس)

كنا قد تحدثنا في مقالات عديدة سابقة في الشهور الماضية عن موضوع حماية الصحفيين العاملين في مناطق الصراعات المسلحة، وذلك على خلفية مقتل مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة على أيدي القوات الإسرائيلية في 11 يونيو/حزيران الماضي أثناء تغطيتها أحداث مخيم جنين بالضفة الغربية.

وسنسعى في هذا المقال للإشارة بإيجاز إلى تاريخ نشأة هذه الطائفة من الصحفيين وبدايات الحماية الخاصة بهم في القانون الدولي.

حرب القرم وبزوغ نجم أول مراسل حربي

لطالما كان الاهتمام بنقل أخبار الحروب والصراعات بين الدول والجماعات محور اهتمام البشرية منذ قديم الأزل، وعلى الرغم من أن فكرة المراسل الحربي تمتد بجذورها إلى العصور القديمة فإن الصحفي البريطاني وليام هوارد راسل يعتبر من أوائل الصحفيين الذين تخصصوا في هذا المجال من العمل الإعلامي.

حصل هوارد راسل على شهرته الصحفية من خلال تغطيته حرب القرم التي اندلعت في منتصف القرن الـ19، وقد عرفت عنه جديته وحياده في نقل الأخبار ومعرفته التاريخية الجيدة حول الموضوعات التي ينقل عنها، مما جعله قدوة ونموذجا لكثير من المراسلين الحربيين على مدى أكثر من قرن ونصف من الزمان.

وكانت صحيفة "تايمز" (The Times) اللندنية قد أرسلت هوارد راسل لمرافقة الحملة البريطانية إلى منطقة البحر المتوسط والتي كان إرسالها آنذاك يهدف إلى إظهار الدعم والتأييد من قبل بريطانيا للدولة العثمانية في صراعها مع روسيا حول منطقة القرم.

وبعد النجاح الكبير الذي حققه هوارد راسل في حرب القرم والتي دارت رحاها في الفترة من 1854 حتى 1856 أرسلته صحيفة تايمز إلى الهند لتغطية أخبار الانتفاضة هناك في عام 1857.

كما سافر هوارد راسل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1861، لتغطية أخبار الحرب الأهلية التي اندلعت هناك واستمرت من عام 1861 حتى 1864، وقد شارك في هذه الحرب إلى جانب القوات الشمالية -التي كانت تقاتل من أجل الوحدة- حوالي 500 مراسل حربي.

وتعد الحرب الأهلية الأميركية أول حرب ظهر فيها المراسلون الحربيون بالمعنى الفني للكلمة بهذه الكثافة العددية، حيث قاموا بنقل أخبار الحرب بالوسائل التي كانت متوفرة آنذاك.

وقد قام هوارد راسل أيضا بتغطية أخبار الحرب التي نشبت عام 1866 بين النمسا وبروسيا، كما قام كذلك بتغطية أخبار الحرب بين فرنسا وبروسيا عام 1870، وكانت دولة بروسيا بقيادة بسمارك قد خاضت في تلك الفترة عدة حروب لتحقيق الوحدة الألمانية.

وربما لا يعرف البعض أن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل -الذي قاد بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية- كان قد عمل أيضا مراسلا حربيا، فقد رافق تشرشل -باعتباره مراسلا حربيا- الحملة المصرية الإنجليزية التي توجهت إلى السودان في أواخر القرن الـ19 للقضاء على الدولة المهدية وإعادة سيطرة مصر على السودان، كما عمل مراسلا حربيا أيضا أثناء حرب البوير في جنوب أفريقيا عام 1899.

وإذا كان وليام هوارد راسل يعد أول مراسل حربي فإن البريطاني روجر فينتون يعتبر أول أو من أوائل المصورين الصحفيين، ومثله مثل هوارد راسل نال أيضا فينتون شهرته عن طريق حرب القرم، حيث سافر في ربيع عام 1855 إلى منطقة الحرب ومكث هناك حوالي 4 أشهر استطاع خلالها أن يلتقط مئات الصور من ميدان المعركة.

لكن لوحظ أن صوره لم تكن تظهر آثار القتال، بل كانت مأخوذة في أغلبها لمعسكر القوات الإنجليزية وللقادة الإنجليز لإظهار أن كل شيء يسير على ما يرام، وبدا الأمر كما لو أن القادة في نزهة وليس في ميدان معركة.

وقد يجد تحفظ فينتون تفسيره في الرغبة في رفع الروح المعنوية أو ربما لأن الوسائل التكنولوجية في ذلك الوقت لم تكن تساعد في أخذ صور دقيقة تظهر أحداث المعركة، فتكنولوجيا التلغراف -الذي جرى اختراعه عام 1843- كانت آنذاك لا تزال في بداياتها، وكانت الأخبار تصل من منطقة القرم إلى بريطانيا بعد عدة أيام إن لم تكن أسابيع بعد وقوع الحدث، أما في أيامنا هذه فقد أصبحت كاميرات الصحفيين تنقل الأحداث لحظة وقوعها مباشرة.

ربما لا يعرف البعض أن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل -الذي قاد بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية- كان قد عمل أيضا مراسلا حربيا، فقد رافق تشرشل -باعتباره مراسلا حربيا- الحملة المصرية الإنجليزية التي توجهت إلى السودان في أواخر القرن الـ19 للقضاء على الدولة المهدية وإعادة سيطرة مصر على السودان

القانون الدولي الإنساني وحماية الصحفيين

ومع تزايد دور الصحفيين ووجودهم في أرض المعركة بات من الضروري بسط الحماية القانونية عليهم، فهم بحكم وجودهم في مناطق الصراعات المسلحة عرضة لكثير من المخاطر.

وتعد اتفاقية جنيف الأولى والخاصة بتحسين حال الجرحى من الجيوش في الميدان والتي تم توقيعها عام 1864 بمثابة البداية الحقيقية للقانون الدولي الإنساني، حيث وضعت الأسس التي قام عليها ما كان يعرف آنذاك باسم قانون الحرب، إلا أن هذه الاتفاقية جاءت خالية من أي إشارة بخصوص حماية المراسلين الحربيين، وذلك على الرغم من ثبوت التغطية الإعلامية للحروب التي اندلعت قبلها مثل حرب القرم كما أسلفنا القول.

وترجع المحاولات الأولى في القانون الدولي لحماية الصحفيين إلى اللائحة الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية الملحقة بمعاهدة لاهاي الرابعة لعام 1907، فقد نصت المادة 13 منها على أنه "يعامل الأفراد الذين يرافقون الجيش دون أن يكونوا في الواقع جزءا منه كالمراسلين الصحفيين ومتعهدي التموين الذين يقعون في قبضة العدو كأسرى حرب شريطة أن يكون لديهم تصريح من السلطة العسكرية للجيش الذي يرافقونه"، وقد جرى النص على هذا الحكم في المادة 81 من اتفاقية جنيف لعام 1929 والمتعلقة بأسرى الحرب.

وأثناء أعمال المراجعة المستفيضة للقانون الدولي الإنساني والتي أسفرت عن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 تم إدخال تحسينات وتعديلات على نص المادة 81 من اتفاقية جنيف لعام 1929، وقد جرى تضمين ذلك في المادة 4 (أ) الفقرة 4 من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 والخاصة بمعاملة أسرى الحرب والتي تنص على أن يعامل المراسلون الحربيون الذين يرافقون القوات المسلحة ويحملون تصريحا منها كأسرى حرب في حالة وقوعهم في أيدي القوات المعادية، وهذا يعني بالنسبة للمراسلين الحربيين تمتعهم بالمزايا التي يتمتع بها الأسرى وذلك كحد أدنى، وهو ما يعني أيضا بالنسبة لهم عدم معاملتهم كالجواسيس.

ومع تزايد خطورة الحرب على الصحفيين المستقلين الذين يعملون في مناطق القتال، وبعد أن أصبح الاعتداء عليهم أمرا شائعا في الصراعات المسلحة جرت في السبعينيات من القرن الماضي نقاشات مطولة داخل أروقة الأمم المتحدة حول إمكانية عقد معاهدة دولية خاصة لحماية الصحفيين، إلا أنه كانت هناك أسباب عديدة حالت دون التوصل إلى مثل هذه الاتفاقية مثلما ذكرنا في مقال سابق.

وكبديل عن ذلك تم النص في المادة 79 من البروتوكول الأول الصادر عام 1977 والملحق بمعاهدات جنيف لعام 1949 على أن يعامل الصحفيون العاملون في مناطق الصراعات المسلحة معاملة المدنيين، وهذا يعني بالنسبة للصحفيين تحريم الهجوم عليهم واستهدافهم من قبل أي من الأطراف المتحاربة، فقواعد القانون الدولي الإنساني تحرم الهجوم على المدنيين وتعتبر استهدافهم جريمة حرب.

لكن هذه الحماية الخاصة بالصحفيين العاملين في مناطق الصراعات المسلحة والمنصوص عليها في القانون الدولي تظل من وجهة نظرنا غير كافية، فهذه الفئة من الصحفيين تعد مقارنة ببقية المدنيين أكثر عرضة لمخاطر الحرب، وبالتالي فإن مسألة حمايتهم تتطلب إعادة النظر فيها من جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.