شعار قسم مدونات

منهج عبد الرحمن بن عوف في إدارة الشورى.. دروس وعبر

قاد عبد الرحمن بن عوف ركب الشورى بمهارة وتجرد، ويستحق أعظم التقدير (مواقع التواصل)

عرف عمر -رضي الله عنه- أن الشورى لن تكون بين الستة فقط، وإنما ستكون في أخذ رأي الناس في المدينة، في من يتولى الخلافة، حيث جعل لهم أمد 3 أيام، فيمكنهم من المشاورة والمناظرة لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة، وكل من كان ساكنا في بلد غيرها كان تبعا لهم في ما يتفقون عليه، فما زالت المدينة حتى سنة 23 هـ مجمع الصحابة، حيث استبقاهم عمر إلى جانبه، ولم يأذن لهم بالهجرة إلى الأقاليم المفتوحة.

اجتماع الرهط

لم يكد يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حتى أسرع رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة الأعلى إلى الاجتماع في بيت عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، وقيل: إنهم اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية (أخت الضحاك بن قيس) ليقضوا في أعظم قضية عرضت في حياة المسلمين ـبعد وفاة عمرـ وقد تكلم القوم، وبسطوا آراءهم، واهتدوا بتوفيق الله إلى كلمة سواء رضيها الخاصة والكافة من المسلمين (عرجون، 1981، ص63).

عبد الرحمن يدعو إلى التنازل

عندما اجتمع أهل الشورى، قال لهم عبد الرحمن بن عوف: "اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم"، فقال الزبير: "جعلت أمري إلى علي"، وقال طلحة: "جعلت أمري إلى عثمان"، وقال سعد: "جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف". وأصبح المرشحون الثلاثة علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: "أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام؛ لينظرن أفضلهم في نفسه"، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن بن عوف: "أفتجعلونه إليَّ، والله علي أن لا ألو عن أفضلكما؟!" قالا: "نعم".

تفويض ابن عوف لإدارة الشورى

بدأ عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- اتصالاته ومشاوراته فور انتهاء اجتماع المرشحين الستة صباح يوم الأحد، واستمرت مشاوراته واتصالاته 3 أيام كاملة، حتى فجر يوم الأربعاء الرابع من محرم، وهو موعد انتهاء المهلة التي حددها لهم عمر، وبدأ عبد الرحمن بعلي بن أبي طالب فقال له: "إن لم أبايعك فأشر عليّ، فمن ترشح للخلافة؟" قال علي: "عثمان بن عفان"، وذهب عبد الرحمن إلى عثمان وقال له: "إن لم أبايعك فمن ترشح للخلافة؟" فقال عثمان: "علي بن أبي طالب". وذهب ابن عوف بعد ذلك إلى الصحابة الآخرين، واستشارهم، وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة من كبار الصحابة وأشرافهم، ومن أمراء الأجناد، ومن يأتي للمدينة، وشملت مشاوراته النساء في خدورهن، وقد أبدين رأيهن، كما شملت الصبيان والعبيد في المدينة، وكانت مشاورات عبد الرحمن بن عوف أن معظم المسلمين كانوا يشيرون لعثمان بن عفان، ومنهم من كان يشير إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وفي منتصف يوم الأربعاء، ذهب عبد الرحمن بن عوف إلى ابن أخته المسور بن مخرمة، وطرق البيت، فوجد المسور نائما، فضرب الباب حتى استيقظ، فقال: "أراك نائما، فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكثير نوم، فادع الزبير وسعدا"، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني فقال: "ادع لي عليا"، فدعوته، فناجاه حتى ابهارّ (طال) الليل. ثم قام علي من عنده. ثم قال: "ادع لي عثمان"، فدعوته، فناجاه حتى فرغ بينهما المؤذن للصبح (الخالدي، 1995، ص 106-117).

الاتفاق على بيعة عثمان

اختلف علماء السير في اليوم الذي بويع فيه لعثمان بن عفان رضي الله عنه؛ فروى الواقدي عن شيوخه: "أنه (عثمان) بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، واستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين"، وهذا غريب جدا.

وروى الواقدي أيضا عن ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال: "بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال"، وهذا أغرب من الذي قبله.

وكذا روى سيف بن عمر عن عامر الشعبي أنه قال: "اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وعشرين، وقد دخل وقت العصر، وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمع الناس بين الأذان والإقامة فخرج فصلى بهم العصر".

وقال سيف عن خليفة بن زفر ومجالد قالا: "استُخلف عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة ثلاث وعشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد الناس -يعني: في أعطياتهم- مئة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول من صنع ذلك".

قلت: ظاهر ما ذكرناه من سياق بيعته يقتضي أن ذلك كان قبل الزوال، لكنه لما بايعه الناس في المسجد ذهب به إلى دار الشورى على ما تقدم فيها من الخلاف، فبايعه بقية الناس، وكأنه لم يتم البيعة إلا بعد الظهر، وصلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي، وكان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالمسلمين صلاة العصر، كما ذكره الشعبي وغيره (ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء 7، ص 148).

حكمة عبد الرحمن بن عوف في تنفيذ خطة الشورى

نفذ عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- خطة الشورى بما دل على شرف عقله، ونبل نفسه، وإيثاره مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة ونفعه الفردي، وترك عن طواعية ورضا أعظم منصب يطمح إليه الإنسان ليجمع كلمة المسلمين، وحقق أول مظهر من مظاهر الشورى المنظمة في اختيار من يجلس على عرش الخلافة، ويسوس أمور المسلمين، فهو قد اصطنع من الأناة والصبر والحزم وحسن التدبير ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى، وقد كانت الخطوات التي اتخذها كالاتي:

  • بسط برنامجه في أول جلسة عقدها مجلس الشورى في دائرة الزمن الذي حدده لهم عمر، وبذلك أمكنه أن يحمل جميع أعضاء مجلس الشورى على أن يُدلوا برأيهم، فعرف مذهب كل واحد منهم ومرماه، فسار في طريقه على بينة من أمره.
  • وخلع نفسه، وتنازل عن حقه في الخلافة ليدفع الظنون، ويتمسك بعروة الثقة الوثقى.
  • أخذ في تعريف نهاية ما يصبو إليه كل واحد من أصحابه وشركائه في الشورى، فلم يزل يقلب وجوه الرأي معهم حتى انتهى إلى شبه انتخاب جزئي، فاز فيه عثمان برأي سعد بن أبي وقاص، ورأي الزبير بن العوام، فلاحت إليه أغلبية آراء الحاضرين معه.
  • عمد إلى معرفة رأي كل واحد من الإمامين (عثمان وعلي) في صاحبه بالنسبة لوزنه في سائر الرهط الذين رشحهم عمر، فعرف من كل واحد منهما أنه لا يعدل صاحبه أحدا إذا فاته الأمر.
  • أخذ في التعرف على رأي من هم وراء مجلس الشورى من خاصة الأمة وذوي رأيها، ثم من عامتها وضعفائها، فرأى أن معظم الناس لا يعدلون أحدا بعثمان، فبايع له، وبايعه عامة الناس.

لقد استطاع عبد الرحمن بن عوف بكياسته وأمانته واستقامته ونسيانه نفسه بالتخلي عن الطمع في الخلافة، والزهد بأعلى منصب في الدولة، أن يجتاز هذه المحنة، وقاد ركب الشورى بمهارة وتجرد، مما يستحق أعظم التقدير (الصلابي، 2010، ص99).

قال الذهبي: ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جميع الأمة على عثمان، ولو كان محابيا فيها لأخذها لنفسه، أو لولّاها ابن عمه، وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.

وبهذا تحققت صورة أخرى من صور الشورى في عهد الخلفاء الراشدين، وهي الاستخلاف عن طريق مجلس الشورى ليعينوا أحدهم بعد أخذ المشورة العامة، ثم البيعة العامة (الصلابي، 2010، ص 100).

 

مراجع البحث:

  • علي محمد الصلابي، البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة، دار ابن كثير، لبنان، 1435هـ/ 2015م، ص 62-5-65.
  • صادق عرجون، عثمان بن عفان، الدار السعودية، جدة، 1402هـ/1981م.
  • صلاح عبد الفتاح الخالدي، الخلفاء الراشدون بين الاستخلاف والاستشهاد، دار القلم، بيروت، 1416هـ/1995م.
  • محمد المالقي الأندلسي، التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، تحقيق محمود يوسف، دار الثقافة، الدوحة، 1405هـ/1984م.
  • علي محمد الصلابي، الشورى فريضة إسلامية، دار ابن كثير، بيروت،1431هـ/2010م.