شعار قسم مدونات

لماذا لم ينجح اتحاد المغرب العربي؟

سناء القويطي - سناء القويطي/ مقر الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي بالرباط  -  هل يتحول حلم القطار المغاربي إلى واقع؟
مقر الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي بالرباط (الجزيرة)

عرف العالم بعد الحرب العالمية الثانية انتشار فكرة التكتلات الدولية وإنشاء ما يعرف بالتنظيم الدولي الذي بدأ مع إنشاء منظمة الأمم المتحدة، وبعدها اتجهت العديد من الدول إلى تبني المقاربة نفسها بوصفها أحد الخيارات التي جاءت بها العديد من النظريات، خاصة بعد فشل المثالية ومنها جامعة الدول العربية والمجموعة الاقتصادية الأوروبية، إلا أن هذه التكتلات والتنظيمات الدولية عرفت تحولات في مسارات كثيرة من بينها التكتل أكثر، ومنها من فقد الفعالية والقدرة على التأثير.

ويعد الاتحاد الأوروبي من بين أنجح النماذج في العالم؛ فهذا النموذج استطاع أن ينجح لأنه اعتمد على مقاربة علمية تقوم على نظرية الوظيفية الجديدة التي انطلقت من 3 عناصر وهي:

  1. المجال الحيوي؛ والمقصود به الاقتصاد أو قطاع نفعي مشترك.
  2. قيامها على الانتشار، أي الانتقال من مجال إلى آخر، أي التدرج.
  3. الاعتماد المتبادل.

ومن هنا، استطاع الاتحاد الأوروبي أن ينطلق من قطاع الحديد والصلب كونه أحد المجلات التي تم فيها الاعتماد المتبادل في ما بينها، والانتشار إلى قطاعات أخرى في مجالات عدة، حتى تم الوصول إلى الاتحاد الأوروبي بصورته الحالية، حتى وإن كان يواجه صعوبات مع خروج بريطانيا وأزمات في الاقتصاد والطاقة، إلا أن الخلافات التاريخية والتنوع الإثني والديني لم يمنع من الوصول إلى ما وصلوا إليه الآن.

في المقابل، نجد أن اتحاد المغرب العربي، الذي جاء في ظروف خاصة ومتأخرة مقارنة بالنماذج الأخرى، أصبح تكتلا جامدا أو يمكن القول إنه لم ينجح، حتى لا نقول إنه فشل، إلا أن حالة الجمود والتجميد الذي يعرفه منذ 1993 يؤكد أن هذا التكتل لن يعرف تقدما ما دامت أسباب التجميد لا تزال قائمة، فرغم أن ما يجمع دول المنطقة أكبر مما يفرقها بداية من الوحدة الجغرافية والتاريخ المشترك والمكون البشري والعادات والتقاليد المشتركة نفسها، فإن الخلافات كانت عائقا أمام إنجاح هذا التكتل المهم.

فلو عدنا إلى تاريخ طرح فكرة الاتحاد التي جاءت بعد إعلان زرالدة في العاشر من يونيو/حزيران 1988، حيث طرحت فكرة إنشاء اتحاد المغرب العربي وأعلن إنشاءه في 17 فبراير/شباط 1989 من خمس دول، وهي الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا. واستبشرت شعوب المنطقة خيرا، خاصة بعد الخلافات الجزائرية والمغربية وانفتاح الدول عبر رفع التأشيرة وإنشاء مشاريع مشتركة، إلا أن تفجيرات مراكش سنة 1993 واتهام المغرب الجزائر بأنها هي من تقف وراء التفجيرات، خاصة أن الجزائر عرفت أزمة أمنية وسياسية في تلك المرحلة، وقام المغرب بعد ذلك بفرض تأشيرة دخول على الجزائريين وطردهم، وردت الجزائر بفرض تأشيرة دخول على المغاربة، وغلق الحدود، وجمد المغرب عضويته في اتحاد المغرب العربي، وبالتالي دخل المغرب في حالة جمود إلى يومنا هذا.

ما أسباب عدم النجاح؟

هذا التكتل قام على مقاربة مؤسساتية، أي لم يقم على مقاربة منفعية تجمع شعوب المنطقة وتحقق المنفعة المشتركة، بل قام على إنشاء مؤسسات وتوزيعها على دول المنطقة من دون التفكير في حلول لمعالجة التنمية والتعاون والاعتماد على قانون الإجماع، وليس الأغلبية وهذا ما عطل آليات العمل مع تجميد عضوية المغرب.

والأمر الثاني هو أن الدوافع التي أدت إلى إنشاء هذا التكتل كانت لها اعتبارات سياسية خاصة بكل دولة ويمكن تلخصيها كما يلي:

1- الجزائر: كانت تعيش ظروفا اقتصادية صعبة، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية 1986 والتحولات الداخلية.

2- المغرب: كان يعاني من ظروف اقتصادية صعبة والحرب ضد جبهة البوليزاريو بعد تقسيم أراضي الصحراء الغربية مع موريتانيا بموجب اتفاقية مدريد 1975.

3- موريتانيا: كانت تعاني من حصار دولي بعد انقلاب الرئيس السابق معاوية ولد سيدي طايع.

4- تونس: الشيء نفسه بعد انقلاب زين العابدين بن على بما يعرف بالانقلاب الأبيض عام 1987.

5- ليبيا: كان قد فرضت عليها عقوبات دولية بعد تفجير طائرة "بان آم" الأميركية.

بالتالي، التوجه نحو التكتل كان حتمية خاصة بظروف الدول، وليس مصالح الشعوب، بالإضافة إلى الظروف الدولية أين بدا العالم يتجه نحو نظام جديد بعد الإصلاحات التي بدأها الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية.

وهنا نجد أن التكتل أو اتحاد المغرب العربي لم توضع له إستراتيجية ورؤية بعيدة المدى تقوم على المصالح المشتركة والاستثمار في ما يجمع، خاصة أن قضية الصحراء الغربية أخذت مجالا آخر لمعالجتها وهي أروقة الأمم المتحدة.

وبعد نحو 30 سنة من تجميده، نجد أن الظروف الحالية التي أفرزتها الأحداث الراهنة من الربيع العربي وما أنتجه من أزمة في ليبيا وغياب لمشروع دولة في ظل التصارع الداخلي، وتونس التي لا تزال لم تجد ضالتها مع تغير الدستور وأي نظام تريد، والمغرب والتطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يرهن المنطقة ككل، نجد أن الخيارات أمام إعادة تفعيله ستكون بمراجعة السياسات والمواقف والتركيز على ما يجمع شعوب المنطقة بما يحقق التنمية، وأولها إخراج الكيان الصهيوني، وثانيها إبعاد المرتزقة والتدخلات الأجنبية والأسلحة في المنطقة وتغيير الخطاب الإعلامي الذي يقوم على الكراهية والتفرقة، وإعادة صياغة القانون الأساسي للاتحاد، والانطلاق من المشاريع المشتركة، خاصة في مجالات الطاقة والغذاء بوصفها خيارات أساسية لتحقيق التنمية والتعاون بعيدا عن التآمر والتخطيط ووضع رؤية لـ2040 ومعالجة قضية الصحراء الغربية عبر الأمم المتحدة بما يضمن حقوق الشعب الصحراوي.

وبالتالي، يمكن أن ينجح هذا الاتحاد بعيدا عن الديماغوجية والخطب والكراهية، بل بمنطق الواقعية النفعية يمكن أن ينجح هذا الاتحاد.