شعار قسم مدونات

غيوم عابرة.. رمادية باهتة

blogs المنطقة الرمادية
الشخصية الرمادية الباهتة لا تستحق شرف البقاء على خشبة المسرح حتى النهاية (مواقع التواصل)

اختار اللون الرمادي الوقوف في الوسط بين الأسود والأبيض، فصار لونا فئرانيا باهتا.

اختارت الغيمة أن تتردد بين الشمس والقمر، فلا هي شمس تضيء، ولا قمر ينير، ولا سحابة مثقلة بالغيث ينتظر منها الناس الخير، إنها مجرد تكتل هش يغازل القمر حينا والشمس حينا، وسرعان ما تقذفه الريح، ولا يبقى له ذِكر ولا أثر ولا تأثير.

اختار البندول أن يتذبذب جيئة وذهابا، مِن وإلى نقطة واحدة ثابتة، لا هو يتحرك إلى الأمام، ولا هو يتحرك للخلف.

اختار حكيم زمانه أن يمسك العصا من المنتصف، لا هي قابلة للتوكؤ عليها، ولا حتى مجرد التلويح بها أو هَش الغنم، إنه وضع يصلح فقط للرقص والحنجلة.

شكسبير يغوص في عمق الشخصية الحيادية

هذا الإنسان الرمادي الباهت الذي اختار التذبذب كالبندول، وأن يكون مجرد غيمة عابرة، ويستخدم العصا للرقص، قام شكسبير بتصويره أعمق تصوير في مسرحية "هاملت".

اختار لهذا الدور الجميلة الرقيقة أوليفيا، حبيبة هاملت، وابنة اللورد بولونيوس حليف الملك كلوديوس الذي قتل والد هاملت وتزوج والدته واغتصب السلطة.

تقف الجميلة الرقيقة أوليفيا حائرة في الصراع الدائر بين الشرف والنبل والشهامة التي يمثلها حبيبها هاملت من جهة، والغدر واغتصاب السلطة والخيانة التي يمثلها الملك كلوديوس من جهة أخرى، متذبذبة بين الطرفين تحاول إمساك العصا من المنتصف دون الانحياز لأحد الطرفين.

الحياد خيانة للحق

قام شكسبير -ببراعته المشهودة في تحليل شخصيات مسرحياته- بالبرهنة على أن الحياد في المواقف الفاصلة بين الحق والباطل والخير والشر والظالم والمظلوم أمر مستحيل، وأن الباطل لا بد أن يستفيد من المحايد، ويوظفه ويستميله ولو لبعض الوقت وفي بعض المواقف، وأن أقصى ما يرنو إليه الباطل، هو تحويل من لم يستطع استمالته لصفه إلى أن يكون محايدا.

وهذا ما سار عليه الخط الدرامي للمسرحية، يصور أوليفيا تائهة بين الحق والباطل، متعجبة من العداء بين الطرفين، برغم أنها سمعت الملك كلوديوس وهو يحدث نفسه بأنه قتل أخاه (والد هاملت).

ورغم ذلك، فإن الملك استمالها هو وزمرته للتجسس على حبيبها هاملت.

وحين أدرك هاملت أن أباها والملِك قد وظفها لصالحهما، أراد أن يوقظها بكلمات قوية معبرة، ولكن من دون جدوى؛ لأنها ببساطة، لم تكن تدرك أنها غارقة في وحل الباطل.

المحايد كنز إستراتيجي للباطل

هذه الفتاة الباهتة وأمثالها من المحايدين في معركة التدافع المستمر في مسيرة الكون استمرار الشمس والقمر، هؤلاء هم الكنز الإستراتيجي للباطل، يعرف الباطل كيف يوظفهم ضد الحق في الوقت المناسب والظرف المناسب، ليطعنوا الحق بخنجر في الظهر، في أثناء انشغاله بتوقي ضربات الباطل في الصدر، ثم يتوارون مرة أخرى في الظل خلف مسرح الأحداث منبوذين في الكواليس!

وهكذا، يأتي المشهد الختامي للمسرحية، ليعبر بعبقرية نادرة عن مصير هذه الشخصية الباهتة.

فقد تمكن هاملت من قتل عمه الملك، وقتل أيضا والد أوليفيا وأخاها، وبدا هاملت وحوله الجثث ظاهرين على خشبة المسرح، بينما ماتت أوليفيا غرقا بعيدا عن خشبة المسرح.

فهذه الشخصية الرمادية الباهتة لا تستحق شرف البقاء على خشبة المسرح حتى النهاية، إنها مجرد كومبارس في مسرح الحياة، مجرد بندول يتحرك في المكان، مجرد عصا تستخدم للرقص، مجرد غيمة عابرة ستتقاذفها الرياح.