شعار قسم مدونات

عن رواية "روائح ديهيا"

حقول زراعة الكيف بشمال المغرب ـ منطقة صنهاجة سراير بأعلى قمم جبال الريف
اختار الكاتب قرية صنهاجة مكانا مناسبا لأحداث روايته، ومنها تتوزع الأحداث عبر الذاكرة بين الرباط وفاس وإسبانيا وفرنسا (الجزيرة)

رواية "روائح ديهيا" هي الرواية الرابعة التي يؤلفها الكاتب المغربي طارق بكاري، بعد كل من "نوميديا" و"مرايا الجنرال" و"القاتل الأشقر"، وقد صدرت سنة 2021 عن دار الآداب. ويبدو جليا أن كل روايات بكاري تطرح تساؤلات وجودية، وعبرها يحاول تحليل هذه التساؤلات بشكل أدبي مفعم بالتفكير الفلسفي، من أجل أن يضع القارئ أمام هذه الإشكالات التي تدعو إلى التفكير والتأمل، وهذا العمل الروائي الجديد لبكاري لم يخل من هذه الإشكالات الوجودية والإنسانية التي تظل مرتبطة بالإنسان في علاقته مع ذاته وتاريخه ومجتمعه وهويته.

حول أحداث الرواية

رواية روائح ديهيا هي سيرة بطل لم ينصفه القدر، إلا بعد أن عاش قدرا آخر، وهو قدر صديقه، الذي لم يعد صديقا له بفعل الظروف، لكن هذا القدر لم تتضح أسبابه إلا بعد أن اقترب يوسف البطل من استكمال دراسته، حيث اكتشف أن المعني بالمنحة التي يستفيد منها هو صديقه مصطفى، تعويضا له عما تعرض له من اغتصاب، والمغتصِب هو الذي كان يرسل هذه المنحة، ولم يكن هذا الشخص سوى المُعلم الذي درّسهما خلال السنوات الأولى، لكن الشخص الذي يتوسط في إرسال هذه المنحة كان معجبا بأم البطل، ولهذا اختار ابنها لكي يستفيد من هذه المنحة، من دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن الشخص الذي يملك بعضا من صفات البطل الجسدية، وهو صديقه مصطفى الذي يشبهه في الإعاقة التي سببها لهما لغم أرضي وهما يتجولان في منطقة محظورة، بحثا عن كنز يغير من زمام حياتهما، لكن اللغم غير حياتهما وقدرهما بشكل غريب.

لقد ولد بطل الرواية نتيجة اغتصاب تعرضت له أمه على يد والده، فكان ذلك إيذانا بزواجهما، رغم أنها كانت تحب شخصا آخر، ولم يكن هذا الشخص سوى والد مصطفى صديقه، وهكذا استطاع الكاتب أن يجعل شخصياته متشابكة، وهو الشيء الذي يُعقد أحداث الرواية ويجعلها تتدفق بشكل تَمكن معه الكاتب من معالجة عدة قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية وإنسانية.

المكان والزمان

اختار الكاتب قرية صنهاجة مكانا مناسبا لأحداث روايته، ومنها تتوزع الأحداث عبر الذاكرة بين الرباط وفاس وإسبانيا وفرنسا، لكنها كلها أماكن تتفرق لتجتمع في صنهاجة، عن طريق البطل، وهناك صارت الأحداث تندفع من الذاكرة لتعيد البطل إلى سنوات طفولته الأولى، نهاية الثمانينيات، حين بدأت محنته في الحياة، قبل أن تخفف المنحة التي صار يستفيد منها لإكمال دراسته من هذه المحنة، إلى أن أخذت حياته منحى آخر، وهو المنحى المليء بكل الأسباب التي تدفع البطل إلى النهاية، والتي لم يجد بدا من طلبها رغم كل التأجيلات التي حدثت.

ملخص عام للرواية

بعد أن كان البطل ثمرة اغتصاب، لم تجد أمه بدا من كرهه، وممارسة شتى أنواع الخيانات لأبيه، بالإضافة إلى تعذيبه بكل أنواع التعذيب، فلم تحبه يوما، لأنها تحسبه لسبب ما قد أفسد سيرة حبها، ومع مرور الوقت صار ذلك روتينا لحياتها، وهكذا انطلقت عذابات البطل، لتتوطد بفعل حدث اللغم، الذي أودى بيده، فصار شخصا ذا عاهة مستديمة، لم يجد حيالها إلا أن يواصل حياته بهذا العطب، ويضيفه إلى الأعطاب الأخرى التي تحاصره وتنتظره. وهناك في قريته صنهاجة تسير الحياة بشكل مختلف، حيث يصير الإنسان مدفوعا إلى التهلكة مع تواطؤ الظروف، وهكذا ظهرت عدة شخصيات تتشارك وتختلف في عدة أمور، فهذا الحاج برنارد لم يجد غير صنهاجة مكانا للاستثمار واستعباد الناس والوصول إلى كل ما يشتهي بالقوة، وتلك العرافة لونجا تتنبأ بالكثير، والكثير مما تتنبأ به يحدث، ونجمة زوجة الحاج برنارد، رغم أنها تكبر البطل ببضع سنوات، إلا أنها ملكت قلبه، وبدورها وجدت فيه حبا يناسب نظرتها وفهمها للحياة، وبدوره وجد فيها ملاذا آمنا للأمومة التي يفتقدها، وللحنان الذي ينقصه، وللحب الذي يسكنه.

لقد واصل حياته بعد أن اختفت، معتقدا أنها انتحرت، وظهرت في حياته نساء أخريات، كلهن تركن بصمة وخذلانا في ذاكرة البطل الذي صار كاتبا مرموقا، فتلك نجوى التي شاركته النضال وحبا وهميا تجلى في مسرحية لعبتها رفقة حبيبها السابق والمُعلم محمود، انتهت باعتقاد البطل أنها انتحرت، وابنة المعلم محمود -التي تركت له ابنة- دفعته ليتأكد من قدره المفعم بالخيبات، بعد أن توفيت، ليس بسبب مرضها، ولكن بسبب حادث سير، ومريم ابنة خالته التي كانت تحمل من سمات أم البطل عدة صفات، لأنها كانت نتاج تربيتها، إلا أنها تختلف مع أم البطل في كونها كانت تكن له الحب، على عكس أمه التي كانت تكرهه.

الحب في الرواية

لقد كانت والدة البطل تُعد مريم لتكون زوجة لابنها، حتى بعد أن غادر القرية بلا رجعة، لقد ذهب فعلا ولم يعد، لم يعد إلا بعد أن توفيت أمه، النبأ الذي استقبله بهدوء على الطريقة التي استقبل بها "غريب" ألبير كامو خبر وفاة أمه، كأن أمه لا تعنيه، وبالفعل فهي لا تعنيه، بعد أن ملأته بالأسباب التي تدفعه إلى عدم الاكتراث لها، لم يكترث لها وللتعازي التي استقبلها بعد أن عاد إلى القرية، عاد وقد صار شخصا آخر، أو بالأحرى صار شخصا خلّفته الفواجع والخيبات، ورغم المجد والشهرة التي رافقته، فإن ذاكرته وحياته كانت غير مبنية على الأسس المناسبة، وهو الأمر الذي جعل البطل يفرغ معاناته في الكتابة، وكتب الكثير، وفي كتاباته كانت تتجلى خيباته وأحزانه وأسراره، كانت تتجلى سيرته على هيئة صفحات تحكي معاناته وكل أسرار طفولته، وكانت إحدى رواياته سببا في مجيء فتاة إسبانية من أصول أمازيغية تدعى ديهيا، فكانت الرواية سببا في قدومها إلى صنهاجة، وهناك التقت البطل، بعد رحلة عودته إلى هناك، وهناك بدأت أحداث جديدة تنكشف، حاملة معها المزيد من الخيبات، حيث وجد البطل نفسه بين ديهيا ومريم، هذه الأخيرة اختارت ألاّ تُلزمه بها بعد أن اعترفت له بما تكنه له من مشاعر، ورغم ذلك قررت أن تنتقم منه، وتلك ديهيا كانت تحمل من صفات حبيبته الأولى -نجمة- كل شيء، من عطرها وتفاصيل جسدها ووحمة على جسدها، لكن ذلك لم يكن صدفة، كانت ديهيا ابنة نجمة، تلك المرأة التي أحبها البطل، وخلفتها الذاكرة.

بين كل هذه التفاصيل، وجد البطل نفسه بين عدة قضايا، يستوعبها أحيانا، وأحيانا تفوق قدرته على ذلك، فآمن أن ذلك جزء من حياته المليئة بالخيبات، لقد منحه القدر قدرا لم يكن له أصلا، ولأنه ليس له، فقد عاشه بكل أسى، لم ينته منه البطل إلا بعد أن قرر أن يضع حدا لحياته، لكن الحياة تؤجل ذلك في كل مرة، رغم مرضه ورغم امتلائه بالأسباب التي تقوده نحو النهاية، ولم يتأت له ذلك إلا بعد أن اكتشف أن ديهيا هي ابنة حبيبته، التي أحضرت معها رماد نجمة بعد أن قررت أن يتم حرقها لتدفن في صنهاجة، وهناك في صنهاجة نثر البطل رمادها رفقة ديهيا في بحيرة البكاء، وهناك أنهى يوسف البطل حياته، وقد دفعت الظروف صديقه مصطفى ليكون سببا إضافيا لهذه النهاية.

القضايا التي تخللت الرواية

عبر رواية "روائح ديهيا"، ناقش طارق بكاري مجموعة من التساؤلات الوجودية، والصراع الذي نختبر في ظله هذه الحياة؛ بين الحب والكره، بين التفكير الظلامي والتنويري، بين فكرة قتل الأب ومحبته والعلاقة مع الأم، كما ناقش الكاتب العلاقة بين الجنس والحب، بين السياسة والنضال، كل هذه الثنائيات اختارها بكاري لينتج هذه الرواية التي تعالج هذه المواضيع وفق أحداث متسارعة، تُظهر الزاوية التي يرى فيها بكاري شخصياته، والزاوية التي تعيده للنظر في التساؤلات التي لا محيد عن طرحها من أجل فهم الحياة والوجود والإنسان.

خاتمة

هكذا وضعنا الكاتب المغربي طارق بكاري أمام تحفة روائية جديدة، استلهمها من تفكيره ومن تساؤلاته الوجودية، وعبر هذه التساؤلات طرح سؤال الهوية، هذه الأخيرة تحتضننا رغما عنا، ونعود إليها بفعل الأسباب التي تدفعنا إلى ذلك، الشيء الذي مثّله بكاري بعودة البطل يوسف إلى صنهاجة موطنه الأول، واختيار نجمة للمكان نفسه، لينثر رمادها هناك، والبحث المضني لديهيا عن أصول أمها. كما وقف بكاري عند مسألة العقل الذي يجعل الإنسان مخيرا بين أن يستخدمه ليفهم هذا الوجود، أو أن يتركه عرضة لتلقي كل الأوهام التي تُعطله وترمي به في غياهب الظلام.

رواية "روائح ديهيا" هي وصف للواقع المغربي المليء بالتناقضات، الذي يباح فيه كل شيء، وفي الوقت نفسه يحرّم فيه كل ما يدعو إلى الحياة، وعبر هذا العمل الأدبي، طرح بكاري سؤال الأخلاق، هذه الأخيرة ليس لها أي معنى في واقع كهذا حيث المصلحة تفوق قدرة الإنسان على التحلي بالأخلاق، فلا يجد الإنسان غير التباهي بأخلاق مزيفة من أجل قضاء مآربه، ولذلك يمكن أن يرتكب كل الحماقات مهما استفاق ضميره من سباته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.