شعار قسم مدونات

كأس الاجتماع المؤنس

نبتة الشاهي الأخضر جاءت من الصين إلى دول المغرب العربي قبل عشرات السنين فسحرتهم (شترستوك)

يميل الناس بعد الانتهاء من المهام الجادة في الحياة إلى الهروب الجميل نحو الترفيه، حيث لا قيود مزعجة ولا حدود مرهقة ولا روتين مملا، بل هي المتعة ولا شيء غيرها، والأنس والبهجة اللتان يشحنان بهما ذواتهم، ويوفرون فيها طاقاتهم تمهيدا للمُضي قدُما في اليوم التالي لاستكمال المهام الجادة بطاقة نفاثة جديدة.

ويُعد الشاهي من المشروبات المرتبطة بالسعادة، والمتسقة مع البهجة، التي يستحسن الناس احتساءها مع العائلة والأصدقاء، وعلى دورانها تدور الأحاديث بين الشفاه، وتدور الكؤوس بشغف مُنعش بين الجميع في جو تعمه الأريحية، وتغمره البساطة، ويُعمقه التواصل المؤنس الجميل بين البشر بمودة تُخرج أجمل ما فيهم من مباهج الحياة.

وتتشابه طقوس احتساء الشاهي -أو الشاي كما يكتبه البعض- بين كافة الدول وثقافات العالم، ولكنها تختلف في طرائقها بين جميع أطياف البشر على هذه المعمورة. وأحببت أن أشارككم بعض ملامح طقوس الشاهي في موريتانيا ودول شمال المغرب العربي الذين يسمونه "أتاي".

فهذه الكأس قدمت بسببها نبتة الشاهي الأخضر من أقاصي الدنيا في الصين إلى دول شمال المغرب العربي قبل عشرات السنين، فسحرتهم، وجعلت بينهم وبين الصين رحم الكيف المباح التي يقدمون لها الشكر حينما يذهب الصداع عن رؤوسهم، ويزول الشغف عن قلوبهم، فتغدوا حياتهم أكثر بهجة وجمالا، لسان حالهم في قول الشاعر:

لولا الأتاي ولولا البيض والعيس .. لما صار بين الناس تأنيس

فهذه الكأس أمرها غريب جدا، إذ تسافر إلى كل الأماكن فستقبلها شفاه مشتاقة، وقلوب ملتاعة، ونفوس تواقة، ليكون الشهد الذي يشفيهم وينعشهم حتى أدمنوه الإدمان المباح، فتجده برفقة أفقر الفقراء، وبمعية أغنى الأغنياء، والملفت أنه متدين أيضا إذ يُجالس العلماء، فتجد الكؤوس تدور حول مسائل الفقه، وأعتقد بأنه لو قُدر له أن يتكلم لكان مالكيّا.

ومن حُبهم له -كركن أول وأساسي للضيافة مثل القهوة في الجزيرة العربية- وضعوا له شروطا وقواعد، منها: أن له 3 جيمات وهي: الجر، والجمر، والجماعة. فالجمر والجماعة معروفان، ولكن الجر يعني تأخير الاحتساء بين كأس وكأس، فلا تأتي الكؤوس دفقة واحدة لأن ذلك يعني عدم الاستئناس بالشخص ودعوته المبطنة لمغادرة المكان سريعا!

ومن شغفهم به وضعوا له خطوات تتضمن 3 مراحل؛ تبدأ بالكأس الأولى التي تكون ثقيلة ومُركزة بعض الشيء، وتتفاوت في مستوى تركيزه شعوب المغرب العربي بين اللونين الأسود والبُني الغامق، ويُضاف إليه النعناع حسب الرغبة.

والكأس الثانية تكون متوسطة في تركيزها بين البُني الغامق والفاتح، والكأس الثالثة تأتي على شكل أخف منهما بالبُني الفاتح، ولا بد أن يعلوه الحزام الأبيض الذي تُعبر عنه فقاعات الرغوة البيضاء في أعلى الكأس، وفي أسفله خُلاصة رحيق الشاهي الأخضر بلون غير أخضر! تُقدم للضيف كعنوان معزة، وترحيب مودة، ورسالة محبة تُعبر عن قصص كرم يتوارثها الأجيال في المنكب القصي من العالم العربي.

ومن لا يحب تلك الكأس؟ فكل من ذاقه غالبا أدمنه حتى من جنسيات الدول الأخرى، لدرجة أن محلاته التي افتتحت في السنوات الماضية في المدينة المنورة يتزاحم عليها القاصي والداني. نعم، لقد سحر "أتاي" القلوب، وسلب الأفئدة، وجرى بالمحبة في العروق كترياق يُعيد للناس لذة وعي الحياة.

وهنالك من شُغف به حتى فتح له صفحات في الإنترنت تسابق فيها أدباء موريتانيا -بلد المليون شاعر- في التغزل بهذه الكأس العجيب، التي تحوّلت إلى أيقونة للثقافة، لدرجة أنه قد يكون سببا في زواج يتوّج بخروج أجيال تسهم في بناء الحياة؛ فعندما تكون الأنثى مجيدة له يتحدث النساء بإعجاب عن قدراتها في إعداده، فيسمع بذلك رجل شغوف به ليتقدم لخطبتها، وتكون هي والكأس من نصيبه.

فيا كأسي المُؤنس المُنعش اللذيذ كم سحرت الأجيال برشاقة وقفتك الجميلة، وروعة طلتك البهية، ورغوتك البيضاء التي تُعبر عن نقائك، ورائحتك الزكية الممتلئة برقة النعناع، والعبقة بروعة اللحظة التي حتى وإن اختلفت مواقعها تظل أنت جامعا في كل أحوالها بين البهجة والحكايات التلقائية المُريحة التي ينطق فيها الإنسان بكل شيء، حتى الأسرار من روعة اللحظة يُفتح صندوقها فيُقال حينها كل شيء لتأتي العواقب دائما سليمة.