شعار قسم مدونات

كيف وظف الإسلام الحاجة البشرية للسعادة الجماعية في العبادة؟

صلاة العيد في قطر 1239038848 شترستوك
صلاة عيد الأضحى في الدوحة (شترستوك)

فكرة الاحتفال بشكل جماعي وإظهار البشر والسرور، وسط بيئة معينة ومجتمع مخصوص، قديمة قدم البشرية، فقد رصد باحثو الآثار المصرية احتفال المصريين القدماء بفيضان النيل وكان ذلك بداية العام المصري القديم والذي كان يبدأ بـ توت وهو الشهر الأول في تقويمهم القديم ويبدأ من يوم 11 سبتمبر/أيلول إلى 10 أكتوبر/تشرين الأول، وفي هذا الاحتفال كانت تظهر مشاعر الترابط الجماعي لدى المجتمع لما كان يمثله فيضان النيل من رخاء وازدهار زراعي يوفر للمجتمع أمانه الغذائي.

وكان القدماء المصريون يرجعوا ذلك الفيضان إلى أن النيل يتجدد نتيجة تجدد كل القوى الكامنة فى تمثال الإله -على حد زعمهم الوثني الباطل- عن طريق ملامسة قرص الشمس، وعند الرومان كان الاحتفال بآلهة القمر -على زعمهم الوثني الباطل- يكون بصنع كعكة والتجمع وشرب الخمر وإضاءة الشموع، وكان من أيام تجمع الجاهليين يوم عكاظ والذي كان سوقا تلقى فيه القصائد الشعرية وكذلك سوق مجنة وسوق ذي المجاز، حتى في المدينة والتي كانت تعرف باسم يثرب قبل الإسلام كان اليثربيون يحتفلوا بيومين من كل عام.

من هذا نلحظ أن الأعياد ارتبطت بعقيدة وفعل جماعي حتى تكون جامعة للمجتمع وموحدة له لتصنع حالة من السعادة الجماعية، لذا عندما عاش النبي (صلى الله عليه وسلم) في المدينة وتحديدا في السنة الثانية من الهجرة دعا أهل المدينة للاحتفال بعيد الفطر، فقد روي عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ((قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر))؛ أخرجه أبو داود، والنسائي، بإسناد صحيح.

جاء الإسلام بيومين للاحتفال يعقبا ركنين من أركانه، عيد الفطر يعقب ركن الصوم وهو الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة، وعيد الأضحى يتخلل ركن الحج وهو الركن الخامس، فجعل العيد مرحلة انتقال من التزام فعل طوال فترة معينة إلى الإحساس بسعادة ختم هذا الفعل، وبالنسبة لعيد الأضحى فيكون غير الحاج على صوم إن استطاع ويفعل من أفعال الخير ما يقربه إلى الله.

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم غير الحاج على اغتنام فرصة العشر الأوائل من ذي الحجة، فعن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ منها في هذِه؟ قالوا: ولَا الجِهَادُ؟ قَالَ: ولَا الجِهَادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بشيءٍ) (صحيح البخاري، 969) وبهذا يشترك الحاج وغير الحاج في تحصيل السعادة يوم العيد (يوم الجائزة).

ولم يترك الإسلام الاحتفال بالعيد هكذا فوضى وعبثا ولهوا بل نظمه ورتبه بحيث يجعل اللهو المباح واللعب جزءا وليس الكل، فكانت صلاة العيد وهي صلاة مخصوصة بأفعال مخصوصة يكثر فيها التكبير وللتكبير على النفس وقع جميل فكما قال القائل:

الله أكبر قولوها بلا وجل

وزينوا القلب من مغزى معانيها

بها ستعلو على أفق الزمان لنا

رايات عز نسينا كيف نفديها

الله أكبر ما أحلى النداء بها

كأنه الري في الأرواح يحيها

ومن صور التنظيم لمظاهر الاحتفال أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد سن في عيد الفطر الأكل قبل الخروج لصلاة العيد وأن يكون الأكل تمرا ووترا، على عكس عيد الأضحى الذي أخر الأكل فيه لبعد الصلاة، ونظم حتى السير إلى المصلى فنبه إلى جعل طريق الذهاب غير طريق الإياب حتى يلتقي المسلم بأكبر عدد من إخوانه، وأمر بإظهار التكبير وحرم صوم أيام العيدين حتى يكون الجسد في كامل طاقته للاحتفال وبذل الجهد في طاعات تدخل السرور عليه وعلى الآخرين، وحث على التهنئة بالعيد بصيغ متعددة منها (تقبل الله منا ومنك) حيث تشعر بتمني الخير للغير مما يزرع المودة والمحبة بين الناس، وعظم من أهمية وصل الرحم في العيد.

وفي الختام علينا أن حذر من متلازمة الاكتئاب والحزن التي تصيب البعض في أيام العيد تحديدا، ولعل لها تفسيرا علميا حيث من الملاحظ عند كثيرين الشعور بالحزن بلا سبب واضح أو لسبب بسيط يمكن تجاهله في هذا اليوم العظيم، وينبغي أن نعلم أننا مأمورون بإظهار الفرحة والسعادة يوم العيد، ففي صحيح مسلم: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ وَالأضْحَى، العَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فأمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إحْدَانَا لا يَكونُ لَهَا جِلْبَابٌ، قالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِن جِلْبَابِهَا) فاللهم إنك شرعت العيد فرحة وسرورا فتمم اللهم يا رب الفرحة والسرور علينا جميعا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.