شعار قسم مدونات

حجاج منى وأجواء البقاع المقدسة

حجاج بيت الله الحرام يبيتون في منى
حجاج بيت الله الحرام يبيتون في منى (الجزيرة)

مهللين وصادحين بالتلبية، يواصلون محطات الحج، وقد أناخوا رحالهم بمزدلفة من بعد أن أكملوا شعائر يوم التاسع من ذي الحجة، وما زال الشوق رفيقهم الأول، والغبطة تملأ عليهم نفوسهم، وكِنانة الجج تتحفهم بالكثير، وكما تتشابه هنا مظاهرهم وأزياؤهم ومنازلهم التي وحّد الحج طبيعتها، يتقاسمون أيضا ذاكرة تراثية واحدة حافلة بتاريخ الحج، فهم يعرفون شرف هذه المناطق وأنها شهدت وجود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذه منازل الصحابة وأرجاء الطرق التي سلكوها، وتلك هي الجبال التي علوها، وهنا حجوا وهتفوا مثلهم ملبّين، فيؤجج هذا في الأنفس ما يؤججه وتسرح أزمّتها مدّ البصر في هذه الفضاءات الفريدة، وتطمئن قلوبهم بالهناءة والسعادة فرحين بهذه الأجواء ونفحاتها، وقد دغدغت مشاعرهم ديار مِنى وأفياؤها البهيّة حيث أصالة التاريخ وعراقة الإيمان والتجدد الموسمي للحج على نحو قول همام بن غالب:

إذا هبط الناس المحصب من مِنى عشية يوم النحر من حيث عرفوا

وكما في الأجواء التي يرسمها قول الشاعر:

ونحن لجيران المحصب جيرة

نوفي لهم حسن الوداد ونرعاه

فيتعلق الحاج بهذه الأمكنة أكثر، ويهوى استمرار اللحظات، وقد كان فراق المُحصّب ذا تأثير خاص منذ القدم؛ فبعد اجتماعات الحجيج بمنى وخيف المحصّب وملتقياتهم بأيام التشريق، تحين لحظة الفراق التي نجد صورها في الأدب الجاهلي عند الشاعر امرئ القيس:

فلله عينا من رأى من تفرق

أشت وأنأى من فراق المحصب

فريقان منهم جازع بطن نخلة

وآخر منهم قاطع نجد كبكب

وكأن أصعب شيء على الحاج بعد ما عَمر تلك الديار وتوطدت علاقته بالمكان أن يحين منه وداع هذه المواضع لدى انتهاء موسم الحج، وأن يكون لسان الحال لمخاطبته:

تمتع من شميم عرار نجد

فما بعد العشية من عرار

وهو فراق يتطابق مع قول الشاعر:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر

فيخفق القلب لوقع ذلك، والصور الخاصة بمنى وأيام التشريق ستبقى منطبعة بقوة..!

ورمْي الجمرات وإسالة العبرات واللهج بالأدعية لتحقيق الحاجات لقطات سكبت على الروح أنوارها المفعمة بسناء أيام التشريق، وحادي الاستزادة من النبع الصافي يظل يدعوهم اللحظة بعد اللحظة وهم في حجّهم ملبّون، ولا يستكملون مقاما من مقامات السعادة ونشوة الوجدان في هذه المناسك إلا ازدلفوا لمقام آخر تحفّهم في مراقيه الوضاءة وتغمرهم جلائل المعاني مواصلين في  محطات رحلة النور.

وما يجتازون أوقاتهم في الجمرات ومنى وبقية المناسك إلا كان التعلق بها ينشد مترجما عن الحنايا:

أَيا جَبَلي نعمانَ بِاللهِ خَلِّيا

نَسيمَ الصَبا يَخلُص إلَيَّ نَسيمُها

فَإنَّ الصَبا ريحٌ إذا ما تَنَفَّسَت

عَلى قَلبِ مَحزونٍ تَجَلَّت هًمومُها