شعار قسم مدونات

عرفات فرصة الاعتراف ومنحة القرب

جبل عرفة امتلأ بالحجيج منذ الصباح الباكر
جبل عرفة ممتلئ بالحجيج (الجزيرة)

يعد مشعر عرفات من أهم المشاعر المقدسة التي يؤدي فيها المسلمون مناسك الحج، وهي مشاعر منى، ومزدلفة، وعرفات؛ لأن وقوف الحاج على صعيد عرفة ركن أساسي لا يكتمل أداء فريضة الحج بدونه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "الحج عرفة" (صححه الألباني).

ولذلك، فإننا نرى ضيوف الرحمن يقفون على صعيد عرفات الطاهر منذ فجر اليوم التاسع من ذي الحجة حتى غروب شمسه، وهم في شأن مع الدعاء والابتهال، فيدعون ربهم بقلوبهم وأفواههم، ويبتهلون إليه بأفئدتهم وألسنتهم، تدعوه أرواحهم قبل أجسادهم، وترجوه نفوسهم قبل أيديهم، ليغدو مشعر عرفات يدا واحدة نحو السماء.

الحديث عن يوم عرفة حديث ذو شجون تغشانا فيه القشعريرة؛ فهو خير يوم طلعت فيه الشمس وصيامه لغير الحاج يكفر الذنوب السنة الماضية والقادمة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين سئل عن صوم يوم عرفة، فقال "يكفر السنة الماضية والباقية" (رواه مسلم).

وهذا ما جعله يوما مختلفا يغنم فيه الحاج وغير الحاج، ويبين الله سبحانه وتعالى لنا فيه مدى كرمه وفضله بأن يعطي فيه الخير للجميع، وهذا ما جعل الثواني في هذا اليوم مباركة، والدقائق فيه رابحة، والأوقات فيه خاشعة، وكل لحظة فيه يمكن أن تعود علينا باستثمارات خير وبركة وعطاء طوال العام.

تقف الأجساد على صعيد عرفات وتقف معها قلوب المسلمين حول العالم خلف الشاشات، الكل في يوم عرفة خاشع لربه، فالحجاج يرجون ربهم في مشعر عرفات، والمسلمون الصائمون حول العالم يرغبون في ما عند الله من خيرات لا تنتهي، والكل ينشد تكفير ذنوبه، ويتطلع إلى خروجه من يوم عرفة بكل الجوائز الربانية.

يقف جبل الرحمة -أو جبل الدعاء والتوبة والقرين، والنابت- في مشعر عرفات شامخا بطول 300 متر يراه الجميع، وتعلوه علامة بنيت على شكل عمود أو شاخص بطول 7 أمتار لكي يتميز به عن بقية الجبال، ويبعد عن الحرم المكي 22 كيلومترا، ويقف فوقه بعض الحجيج في يوم عرفة.

وقد سمي بجبل الرحمة لأن الله في يوم عرفة يباهي بالحجيج كما جاء في الحديث الذي رواه الصحابي أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "إن الله يباهي بأهل عرفات ملائكة السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء، جاءوني شعثا غبرا" (صححه الألباني).

وسمي بجبل عرفات، لأنه يقف في وسط مشعر عرفات، الذي سمي بذلك لأن آدم وحواء "عندما هبطا من الجنة" التقيا فيه فعرفها وعرفته، وقيل لأن الناس يعترفون بذنوبهم عليه، وسمي بجبل "الدعاء" وجبل "التوبة"، لأن الناس يبتهلون إلى ربهم عنده ويتوبون من ذنوبهم عنده.

وخيارات الوقوف على صعيد عرفات متعددة أمام الحجيج الذين ينتشرون على جنبات هذا المشعر المقدس ويختار كل واحد منهم المكان الذي يقضي فيه مناسكه في هذا اليوم العظيم.

وكما وقفوا على جبل الرحمة فيقف بعضهم أيضا في مسجد نمرة الذي يعد من أهم المعالم في مشعر عرفات، وبه يصلي 350 ألف مصل صلاتي الظهر والعصر جمعا وقصرا، اقتداء بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وله 6 مآذن ارتفاع كل مئذنة منها 60 مترا، وله 3 قباب و10 مداخل رئيسية تحتوي على 64 بابا في توسعة سعودية كبرى قدرت قيمتها بـ200 مليون ريال.

وبعد أن يصلوا الظهر والعصر ويقترب وقت الغروب، يقف حجاج بيت الله الحرام -حسبما تنقل الشاشات للعالم بأسره- يبتهلون إلى ربهم ويلحون عليه في الدعاء، وقد تحولت دموعهم إلى شلالات من فيض رحمات الله، فالذاهب إلى يوم عرفة مولود، والعائد منها هو الفائز الحقيقي في رحاب هدايا الله التي لا تنتهي.

وعند غروب الشمس يمتثلون لأمر الله -سبحانه وتعالى- في النفرة نحو المشعر الحرام في مزدلفة من أجل المبيت فيها بعد إتمام أهم مناسكهم وهو الوقوف على صعيد عرفات، كما قال الله تعالى "فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام" (سورة البقرة: الآية 198).

ويوم عرفة هو يوم فضيل أيضا لأنه من الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة، وهي أيام مباركة أقسم الله بها في القرآن بقوله "والفجر، وليال عشر" (سورة الفجر: الآية1-2)، ولا يقسم ربنا سبحانه وتعالى إلا بعظيم، فالدعاء في هذه الأيام أكثر قربا، والدمعة فيها تصبح أكثر دفئا، والروح فيها تصبح أكثر خشوعا، والنفس فيها تصبح خفيفة جدا، والأجساد فيها تصبح أكثر نشاطا.

والكل فيها يشعر بالسعادة الحزينة؛ سعادته بالمكان، وحزنه خاشعا بين يدي الرحمن يتطلع إلى رحمته سبحانه والغفران، ويخشى على نفسه الحرمان والنيران، فهي فرصة قد لا تتكرر له مرة أخرى في الزمان.