شعار قسم مدونات

عرفات روح وحضارة

وقفة عرفة الأربعاء 23 سبتمبر
عرفة التقاء الزمان والمكان على معنى التوحيد (الأوروبية)

عرفات مكان وزمان، فمن فاته المكان فليدرك الزمان، وعرفة تاريخ، وبذرة من بذور حضارتنا، أُسّست في خطبتها أصول بنيان مجتمعاتنا المسلمة، فإن حادت كان الجزاء بقدر الحيد.

عرفة من ناحية الزمان هو اليوم الأعظم، فمعاني قرب الله من عباده تبلغ مداها في هذا اليوم، ويعلو العباد بأنفسهم في معارج الروح، متحلقين حول معنى التوحيد، فأفضل الدعاء دعاؤه، وأفضل ما يقال في الموقف هو التهليل.

فعرفة بهذا الاعتبار التقاء الزمان والمكان على معنى التوحيد، التوحيد في مقابل الكثرة، والعود للمركز بعد شتات التفريعات، والإياب لنقطة البدء الأولى التي انطلقت منها أمتنا، لعلنا نعيد تأسيس وجودنا الحضاري مجددا.

عرفة التقاء الزمان والمكان في مبدأ الوحدة؛ وحدة القصد، والوجهة، ووحدة المسلك، ووحدة الزي، وحدة التنوع، فالمجتمعون يبقون بلغاتهم، وعاداتهم، وأفكارهم، لكنهم متحدون في مقاصدهم، ملتزمون باجتناب الرفث، والفسوق، والجدال، مدركون لما يريدون، منطلقون نحوه بإرادة جادة.

عرفة التقاء الزمان والمكان، في لحظات قصار، تبدأ تعمّ الدنيا، ومن فيها، وما فيها، يقف الجميع في المكان، وتقف الأرواح داعية ملبّية مستجيبة لربها، راغبة في ثوابه، وما عنده، راجية عفوه، ورحمته.

عرفة معنى يتجاوز الخطوط المتعرجة نحو استقامة، وقوامة، وتقويم للحياة، فما بعدها ليس كما قبلها، وهناك مضمار الترقي، ولكل مقام مقال، وربما سكت اللسان، والقلب متوهج.

عرفة نقطة انطلاق موسم الحج الفعلية، وبدايته التي لا غنى عنها، لا قضاء لها إلا بإعادة الحج جملة وتفصيلا، فمن لم يعرف فكيف يقصد، والحج قصد، ومن أخطا في القصد جبر فعله بأفعال، أما من لم يعرف فلا جبر له إلا بالإعادة من جديد.

عرفة موطن الجلال الإلهي، والجمال الإلهي، والكمال الإلهي، سماء الدنيا تحتشد برحمة الله تعالى، والملائكة تدرك سمو النوع الإنساني بشرط الإيمان في هذا اليوم العظيم، إذ يباهي الله بالمسلمين عباده السماويين.

عرفة نقطة ارتكاز مجتمعاتنا، ففي خطبتها قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشيجة المجتمع الجديد بالمجتمع الجاهلي القديم، فألغى أبرز علاماته: الثارات، والربا، ومآثر الجاهلية ومفاخرها التي كانت تشير إلى نقاط ارتكاز الوعي التاريخي الجاهلي.

الثارات بإلغائها عاد حق الحياة ليكون مرهونا بقانون السماء، لا بحمية الأرض، وبإلغائها انتهت سيادة القبيلة الجاهلة لمصلحة الدولة العادلة الضابطة، والمطلقة لممكنات الناس.

وبمحو الربا انتهى عصر الظلم الاجتماعي لمصلحة نظام التراحم المبني على الزكاة، أو القرض الحسن، أو التجارة الحرة ذات الفرص المتكافئة، غدت المعادلة مبنية على الجهد مقابل المال، وانتهى تكدس المال بيد قلة قادرة تديره وتتحكم فيه فيكون دولة بينها، غدا المال كتلة متحركة في أوصال المجتمع حسب الجهد، والقدرات، والإتقان، والامتثال للنظام الأخلاقي القيمي العام.

بمحو مآثر الجاهلية أصبح النسب للتعارف، والحسب للتنافس في مكارم الأخلاق، والسلوك العام، والاهتمام بالإنجاز، لا بالأصول والدماء التي تجري في العروق.

وبالحض على حقوق النساء، وأداء الأمانات، ووحدة المجتمع، بدا أن نظاما جديدا يتشكل، ووعيًا أمام الألوف يتبدّى في زي جديد، فقد دار الزمان دورته، وعاد كهيئته يوم خلق الله السماوات، والأرض، فلا تحريف، ولا تغيير، الوقت له حساب، وزمن، وانتهى عصر التلاعب بحياة الناس، ودمائهم، وأموالهم بحجج واهية، وغدا الزمن مضبوطا، والاهتمام بالإنجاز فيه واجبا مطلبيا به يتحقق الرخاء، والوحدة.

عرفة وحدة، وتنوع، وروح، وحضارة، ترقّ في الأبعاد، وانتماء يجمع الأرض، بالسماء.

يروى أن الفضيل بن عياض حجّ وظل مطرقا يوم عرفة كله لم يدعُ بدعوة واحدة، فلما غربت الشمس قال:

واسوأتاه منك وإن عفوت..