شعار قسم مدونات

أم المؤمنين رملة.. معجزة ربانية نبوية

blogs المسجد النبوي
المسجد النبوي الشريف (مواقع التواصل)

من مزايا وخصائص رسولنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم أن معجزاته كثيرة وطويلة الأمد، تمتد وتتواصل عبر الزمن فقد أُنزل عليه القرآن معجزة متواصلة، لو اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثله لا يأتون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

واستمرار دعوته ورسالته عبر عشرات القرون، وحتى تأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها، ما لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فجيل يسلم الدعوة إلى الجيل التالي وهكذا، دون تحريف أو تبديل أو زيغ.

وهناك معجزات حسيّة كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج وغيرها وغيرها.

فضل أمهات المؤمنين

وأيضا فإن أمهات المؤمنين من المعجزات البينات التي حبا الله سبحانه وتعالى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم بها، وقد يغيب عن بعضنا ذلك.

ولكل من أمهات المؤمنين شأن وخبر يدلان على عظمة وبرهان أن محمدا سيد الخلق؛ وما تعدد أزواجه أمهات المؤمنين -عليهن السلام ورضي الله عنهن وأرضاهن- إلا من تلك الدلائل والبراهين على صدق الرسالة وعظمة الرسول، ويعد تجليا من تجليات الحكمة الربانية؛ فسبحان الله العظيم.

عاش النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا 63 سنة وتزوج 11 زوجة؛ 10 منهن بعدما بلغ 50 من عمره المبارك؛ وجميعهن -عدا عائشة رضي الله عنها- سبق لهن الزواج، ولهن عموما أهل وعشيرة وصلات قربى ومصاهرة وغيرها، مع ميل المرأة الفطري المعروف لأهلها وعشيرتها، ويكون هذا الإنسان الزوج أحب إليهن ممن ومما سواه، وما عشن معه في قصور قيصرية ولا بيوت كسروية، بل ولا حتى في بيوت كبيوت وجهاء وأشراف حواضر العرب، وكان في أغلب وقته في صيام نهار وقيام ليل وتربية وتهذيب وإعداد ودعوة وجهاد وغزوات، وهو كالأنبياء لا ميراث لهن منه، فما كان حظ كل منهن من وقته في تلك السنوات القليلة؟ وقت قليل بل أقل من القليل، ولكن بركة ذلك الوقت وشعاع أنواره عمّت الكون بأسره، وأنارت قلوبهن بأعظم الأنوار، وحازت كل منهن في حجرات الطين التي كان يمضي عليها الهلال والاثنين والثلاثة لا توقد فيها نار، وتكاد لا تجد فيها إلا الماء أو حبة تمر، على أنفس الكنوز وأعظم الذخائر، وحسبهن أن الله اختصهن بقوله (وأزواجه أمهاتهم).

وما شهدن له إلا بحسن الخلق، وطيب المعشر، وحفظ الود، والعدل والرحمة والعطف والإحسان في كل أحواله وحركاته وسكناته، وباكتمال الرجولة بمحاسنها، وكأنها جمعت له، بل هي كذلك فعلا، لمعجزة واضحة كبيرة، يغفل عنها مسلمون، ويخوض فيها جهلة أو مغرضون حاقدون، أو ملحدون قميئون.

أم حبيبة عن قرب

حديثي في هذه السطور عن إحدى أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن جميعا- هي من دلائل عظمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أقوى وأوضح براهين أثر الإيمان على المؤمنين والمؤمنات، فكيف ونحن نتحدث عن زوج من أزواجه ارتبطت به بميثاق غليظ يردفه ويوازيه ميثاق الإيمان برسالته والسير في دعوته؟!

أم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان (صخر بن حرب بن أمية)، وهي ليست شقيقة معاوية؛ أي أن أمها ليست هند بنت عتبة، بل كانت أمها زوجته الأولى صفية بنت أبي العاص، وأبوها -كما نعلم- زعيم معسكر المشركين زمنا طويلا، وعمتها هي أروى بنت حرب (أم جميل) التي كانت تحت عبد العزى بن عبد المطلب (أبو لهب)، وفي عمتها وزوجها نزلت سورة قرآنية تبشرهما بالنار، مع أن أبا لهب هو عم النبي صلى الله عليه وسلم لكنه اختار الكفر والشرك اعتقادا، والأذى والنكاية بالنبي فعلا وقولا.

إنه الإيمان الذي أظهر فسطاطي الإيمان والكفر، بعيدا عن الحسب والنسب، فها هي رملة لم تتأثر بعمتها (يقال إن البنت عادة تحمل صفات العمة)، ولم تجامل في العقيدة أباها الذي أنجبها.

وهذا الفرز جعل المشركين من أمثال عمرو بن هشام (أبو جهل) وعتبة وشيبة وغيرهم يقولون باستعلاء تحريضي: محمد يفرّق بين الأب وابنه، والزوج وزوجته، والعبد وسيده، والأخ وأخيه، بهذا الدين الذي جاء به.

فائدة:

  • لو نظر من لا يقيم للإيمان وزنا ولا يفهم حقيقة الوشيجة الدينية لقال إن محمدا قد قلب بالفعل ما ألفته مكة من روابط وعلاقات وأواصر، وفكك فعليا مجتمعا قوامه الحسب والنسب والجاه والمال، كان القوم قد رضوا به وسكنت عليه نفوسهم، ونشأت عليه ذريتهم، وعاش ضمنه عبيدهم ومواليهم.
  • وما دروا أن رابطة الإسلام هي التي ستوحّد الأوس والخزرج الذين سالت في حروبهم بالدماء أبطح، وتجعلهم إخوة للمهاجرين من مكة وغيرها، ومن العرب وغير العرب، ليكونوا هناك في يثرب مجتمعا وجماعة لم يخلق في تاريخ البشرية مثلها، وهي التي بمنّة وفضل وتوفيق الله ستوحد العرب في الجزيرة، وهم الذين اعتادوا ألا يحكمهم نظام، ولا يقيمون على سلطان، واعتادوا على الرابطة القبلية وعصبيتها.
  • فالنظرة إلى آجل الأمور ومآلاتها، لا عاجلها وظاهرها، عند الحديث عن أثر الدعوة على الأفراد والجماعات في مكة، حين وقفت رملة في المعسكر المعادي لمعسكر أبيها وعمتها وأغلب أهلها وعشيرتها.

كانت رملة زوجا لعبيد الله بن جحش، وهاجرت معه ضمن من هاجروا إلى الحبشة، صابرة محتسبة مشاق السفر والغربة عن الأهل والوطن، لتعيش في أرض لم تألف بيئتها، ولا تعرف لسان أهلها مع من هاجر من المسلمين هناك.

لتنجب من عبيد الله بنتا اسمها حبيبة، وستغلب كنية رملة من الآن على اسمها فتنادى وتعرف حتى الآن ودائما بأم حبيبة.

وهنا لن أخوض في الروايات التي تقول إن زوجها عبيد الله بن جحش قد تنصّر وأدمن شرب الخمر، وما يضادها من روايات وأخبار تدحض خبر ردته، ولكن عبيد الله مات في الحبشة، وهذا يعني أن الطفلة الصغيرة (حبيبة) غدت يتيمة مع أم مهاجرة في أرض بعيدة عن مكة والحجاز.

ولكن عوض الله -جل وعلا- على المؤمنين والمؤمنات الصابرين والصابرات ممن قبضوا على الجمر واحتملوا في سبيل الله الغربة عن الوطن، وتحدّوا ذوي القربى، واعتصموا بحبل الله؛ كبيرٌ في الدنيا والآخرة.

فيأتي خبر إلى النجاشي من محمد صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة سنة 7 هجرية، وقد تعززت مكانة جماعة المسلمين هناك، ومنّ الله عليهم بكثير من الانتصارات وباتوا قاب قوسين من الفتح المبين، وأجلوا يهود المدينة وخيبر، وضعفت شوكة المنافقين.

الخبر أن محمدا يخطب أم حبيبة للزواج، عبر وكيل لها من المهاجرين في الحبشة هو خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه، وكان ممن هاجروا، ويحتفل النجاشي مع المهاجرين بهذا الزواج المبارك.

وكانت تزيد في سنوات عمرها عن النبي بنحو 18 سنة، وكان صداقها (مهرها) هو أكثر صداق مقارنة مع بقية الزوجات (400 دينار دفعها النجاشي لها).

وعادت إلى المدينة المنورة حاملة هدايا زوجات النجاشي لها، ولما بلغ أبا سفيان خبر هذا الزواج، قال: ذاك الفحل لا يجدع أنفه. كناية عن كون النبي رجلا كفؤا؛ فأبو سفيان بعقلية العربي يلتزم بشرف الخصومة، ولا ينكر ما لمحمد بن عبد الله من خصال ومزايا، ولو عاداه وحاربه، وخبره مع هرقل وشهادته عن النبي والمؤمنين معروفة.

هدم معقل الشرك

وبعيد عودة أم حبيبة إلى المدينة المنورة، بدأ المسلمون يستعدون لهدم معقل الشرك الرئيسي وتطهير مكة المكرمة من الأصنام، لا سيما بعد غدر حلفاء قريش ونقضهم صلح الحديبية، وهنا سيكون لأبي سفيان دور جديد، غير دور التحريض والحرب والحشد الذي أقام عليه منذ بدء الدعوة، فهذه المرة هو دور التفاوض -أو السفارة- فيركب راحلته من مكة إلى المدينة، وهو يظن أنه سيؤثر في معسكر المسلمين، بمكره وحيلته، وأن ابنته وهي زوج محمد ستشفع وتتوسط له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخرجه من المأزق.

يدخل أبو سفيان بيت أم حبيبة وهو أيضا من بيوت رسول الله، فما هشّت له ابنته وما بشّت، وطرحت عنه فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته لم فعلت ذلك. لقد سكن الإيمان في قلبها، وملك نفسها، وما عادت ترى سوى الإسلام والنبي والمؤمنين أهلا، ولم تتردد في أن تصارح والدها بما في نفسها، بأنها كرهت أن يجلس عليه، وهو رجل مشرك، حتى لو كان أباها الذي أنجبها، فيكون ردّ أبو سفيان على هذا الاستقبال الجاف والمفاصلة العقدية المكشوفة من ابنته: لقد أصابك يا بنيّة من بعدي شرّ!

هكذا يفهم أبو سفيان ولم يكن قد أسلم الأمر، ولعله سيعرف أن ما أصابها من بعده هو الخير كله، وأن ما نالته هو ذروة الشرف الذي لطالما حارب ومكر للحفاظ عليه.

أليست هذه معجزة ظاهرة بينة؛ ولقد كان مثل العرب القديم الجديد على لسان العجفاء: "كل فتاة بأبيها معجبة"، والنساء العربيات في مضمار إعلاء شأن الأب وسائر الرجال من المقربين مشهود لهن وتروى عنهن في ذلك أخبار كثيرة، حيث تتفاخر إحداهن بأبيها وقومها ولو كانت زوجة رجل من غيرهم.. فكيف والأب قد طال عنه الغياب، وهو في النهاية "ضيف" وقادم من سفر طويل، والعرب في إكرام الضيوف أهل الصدارة، وأيضا هو سيد سادات مكة، لم تقم أم حبيبة لكل هذه الأمور وزنا، وكان معيارها هو الإيمان فقط بعيدا عن رابطة الدم، ولو كانت مع أقرب الناس إليها، حتى يعلن إسلامه بعد ذلك بفترة وجيزة، عندها فقط تفرح به وتبتسم في وجهه وتبادله الحب والود.

وقبل ذلك ما بكت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو طلبت منه شيئا يخص أباها، ولا ارتجلت أبيات شعر تندب حظها بأنها بين خيارين صعبين. لقد حسمت خيارها منذ أن نطقت الشهادتين وباعت دنيا القبيلة والحسب والنسب بآصرة الإيمان وروابط الإٍسلام فقط.

معجزة أم حبيبة

وسيكون لأم حبيبة أحاديث مروية مسندة إليها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وستحاول صدّ العدوان عن ابن خالها عثمان بن عفان رضي الله عنه حين حوصر في داره، وستعيش حتى 44 هجرية، وتدفن في البقيع حسب أقوى الروايات.

ولكن ألم تكن هناك مماحكات بينها وبين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الأخريات، وشيء مما يقع بين النساء (الضرائر) من غيرة أو تنافس أو قيل وقال؟

بلى، ولعل مثل هذا دليل وإرشاد، فهذه طبيعة الإنسان، وللنساء خاصة طباع الغيرة والتنافس، خاصة إذا كان المشترك بينهن رجل زوج، ولكن ذلك ضمن حدود وضوابط ووقوف عند الحق والعدل، فما رحلت أم حبيبة عن الدنيا إلا وقد كان بينها وبين عائشة وأم سلمة وغيرهما التسامح والمودة والتصالح، وما وصلت الأمور بين أمهات المؤمنين إلى تجاوز الحدود والخروج في معرض التنافس والغيرة عن حدود الشرع، وأوامر الله ورسوله، وإذا كان مثل ذلك ولو بلفظ بل إشارة عابرة، مثلما كان من خبر عائشة وصفية رضي الله عنهما، فإن هناك زجرا ونهيا وعودة وتوبة وإنابة.

فمعاذ الله أن يلجآن إلى السحرة والمشعوذين، أو إلى قول الزور بحق بعضهن البعض، أو إلى السعي في فتنة تؤدي إلى أذى، مثلما هي أحوال من يفترض أن يقتدين بهن من نساء المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وتظل أم حبيبة في إسلامها وهجرتها وموقفها الفاصل من أبيها معجزة بينة لو تأملناها جيدا، رضي الله عن أم حبيبة وسائر أمهات المؤمنين، وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد.