شعار قسم مدونات

الشبكات وإعادة تكوين الذات

أصبح العالم الافتراضي يعيد تشكيل الإنسان بسيولة جارفة وزخم غير مسبوق على غير وعي منه أو إدراك (غيتي)

خلقت الشبكات الافتراضية ثورة حقيقية، معرفية وفكرية وقيمية، وبعد أن كان العالم الواقعي يصنع الافتراضي وفق تصوراته ويرسم قوانينه وفق مصالحه، انقلبت الحال فأصبح العالم الافتراضي يعيد تشكيل الإنسان بسيولة جارفة وزخم غير مسبوق على غير وعي منه أو إدراك لما تغيره مشاهدات هذا العالم وما فيه، في قناعاته وأفكاره ومعتقداته، بل وفي سلوكه ونفسيته ومعاييره الأخلاقية.

سيل جارف

وبالقدر الذي نستفيد منه فيه فإننا نتغير سلبا وإيجابا، ولأن الشروط والقوانين الموضوعة لا تتعدى رغبات الشركة المالكة، فإن في هذا العالم متسعا من الحرية غير المنضبطة، وحالة من الاستسهال غير المسبوقة، أصبحت تستدعي منا كثيرا من التوخي والحذر والانتباه والحيطة، حفاظا على فطرتنا من التشوه وقيمنا من الاندثار.

تختلف التمظهرات الأخلاقية التي نشاهدها في العالم الافتراضي عن الواقعي اختلافا مريعا، وإن كانت الأولى انعكاسا للثانية ابتداء، لكن حالة الانفلات القيمي في الشبكات والاعتياد عليها وممارستها من دون وعي أو تفكير باتت أمرا يتطلب منا الكثير من الانتباه والعمل على إيقاف ومقاومة هذا السيل من المخالفات الأخلاقية.

لا نختلف في أن وسائل التفاعل والتعبير وما يترتب عليها في هذه الشبكات مختلفة عن الواقع، مما يعني اختلافا في حساسية القبول الأخلاقي لها، لكن ومع ذلك فإن هناك خطوطا أخلاقية عريضة ينبغي عدم تجاوزها سواء كنا في العصر الحجري أو في عصر ما بعد الحداثة، سواء كانت مكتوبة بالمسمار على الحجر أو بالمداد على الورق، أو عبر لمسات الأصابع على جهاز لوحي يعلم عنا أكثر بكثير مما نعلم عنه.

في هذا المقال لا يمكن لي أن أحصي كم المخالفات المنتشرة، ولا أستطيع أن أسرد "ألف باء" الحرام والحلال لها، ولا أن أضع معايير جديدة مختلفة عما نمارسه في واقعنا الحي، لكني سأحاول ضرب بعض الأمثلة التي ستعكس صورة عن الاستغفال الذي نعيشه والتطبيع الذي نعتاد عليه والقالب القيمي الجديد الذي نتقولب به.

صور متكررة وممارسات فجة

لا يجد كثير من الناس بأسا في نشر ومشاركة مقاطع الفضيحة لامرأة أو رجل التقطتهم عدسة الكاميرا على غير انتباه منهم فهتكت سترهم، وإن أوجب الواجبات على المسلم ستر عورة أخيه المسلم وصيانة حرمته وستر عيبته "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة" (رواه ابن ماجه). يحصل هذا -في كثير من الأحيان- تحت مسمى التحذير منه وإنكار منكره، وكان يكفي في هذا ما هو أدنى من فضحه والتشهير به، وأكثر من ذلك فإن بعض الناس تتبع عورات الآخرين وزلاتهم وسجل لهم وعليهم، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله "فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" (أخرجه أبو داوود).

وإن اختصم أحدهم مع آخر، نبش له في المواقع بحثا عما ما له من زلات وقام بالتشهير به، وكل ذلك من الفجور في الخصومة وهي علامة من علامات النفاق التي حذر منها النبي -صلى الله عليه وسلم- "(…) ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها… وإذا خاصم فجر" (رواه البخاري).

إن سهولة الاطلاع على خصوصيات الآخرين وكثرة الثغرات في التطبيقات وبرمج الاختراق والكشف، كل ذلك يغري بإشباع الفضول والقيام بالتجسس على البريد والصفحات الخاصة والمحادثات المغلقة، وما أكثر من يفعلون ذلك، وهذا السلوك لا يختلف حكمه في الشبكات عن حكمه في الواقع، وقد قال تعالى: "ولا تجسسوا" (سورة الحجرات- 12).

كم أصبح من السهل أن نمر على الشتيمة والكلمة البذيئة والعبارة الساخرة الجارحة فلا نمتعض منها ولا تتمعر منها نفوسنا، وهي من خوارم المروءة وبديهيات الممنوع من الأخلاق الدينية؛ فسباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وقد حرم الله تعالى السخرية فقال "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" (سورة الحجرات- 11).

وكذا ما يحدث من رمي العرض وقذف المحصنات والبهتان عليهن بكل برود وجلافة وهذه الأفعال من الكبائر التي حذر الله تعالى منها.

وأكثر ما ينتشر في الصفحات -من دون وعي أو انتباه- حب الشهرة وادعاء المرء ما لا يملك من صفات وميزات وأمور؛ فآلية هذه الصفحات قائمة على جلب الإعجابات والتفاعلات، مما يدفع البعض للسعي خلفها بأي وسيلة وقد نهى النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- عن هذا بقوله "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (أخرجه مسلم)، فضلا عما ينتشر من السرقات الأدبية والفكرية التي يتساهل فيها كثير من الناس ولا يرون في فعلها شيئا وقد شنع الله تعالى على فاعلها بقوله: "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم" (سورة آل عمران- 188).

تذكرة لا بد منها

في الواقع لا يمكن ضبط هذه الممارسات اليوم إلا عبر رقابة ذاتية يمارسها الفرد تجاه نفسه، وقد ربى الإسلام بأبنائه هذه المزية وجعلها أحد الشقين اللذين تقوم عليهما الحياة، فلو غابت إمكانية تطبيق القانون الجزائي الإسلامي، فهناك الوازع الديني الذي يلعب دورا كبيرا في ضبط سلوك المسلم، ماذا لو فكر كل منا بتطبيق القانون الجزائي الإسلامي على ما يمارسه في الشبكات، أو قام بمحاكمة نفسه وأفعاله بميزان الإسلام؟ كم سيتغير الحال ويتبدل!

وأخيرا، فإنه ربما لا يكون ممكنا لنا أن نضبط هذه الشبكات عبر قوانين محكمة ونحن لا نملكها أصلا -وهذا تقصير منا ينبغي لنا تداركه- لكن بإمكاننا تذكير أنفسنا وغيرنا بأن الله تعالى يعلم السر وأخفى، وهو الرقيب الذي يحصي كل شيء في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فلا نسطر على أنفسنا ما لا يستحق أن نساق بسببه لعذاب الله تعالى في ما لا نلقي له بالا، فنكون من الخاسرين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.