شعار قسم مدونات

لوح العرعار.. تراث يأبى النسيان

لايزال الطوارق يعتمدون على الألواح الخشبية لحفظ القرآن والمتون - الجزيرة
لا يخلو جامع ولا زاوية في بلدان المغرب العربي من لوح مستطيل الشكل لحفظ القرآن والمتون (الجزيرة)

على امتداد العصور المختلفة، دأب المسلمون في شمال أفريقيا على اتباع طريقة معينة في تحفيظ القرآن الكريم ومتونه، وذلك جيلا بعد جيل، ومن عالم لطالب العلم، للحفاظ على إرث إسلامي متنوع، طريقة مستوحاة من "علاقة الإنسان بالطبيعة" ما كانت بدعة من صنائع البشرية وعلومها، بل إبداعا فنيا كان له الأثر البالغ في ترسيخ ثقافة الوسطية في نفوس مريديها، إلى جانب توثيق عرى المحبة والإخاء بين الحضارات المتعاقبة مع ما تبرزه من تقاليد وأعراف المجتمع الإسلامي، أو بالأحرى سيرة طلبة العلم وحفظة القرآن الكريم عبر تاريخ اجتاحته رياح التنصير والاستلاب، وهو يرفع "ألواح الحفظة" في مجابهة طغيان الكولونيالية وتجلياتها الجديدة، ألواح صنعت من شجر العرعر كي يقص أسماء جحافل القراء الذين ارتموا في أحضان الزوايا والجوامع، يروون الآيات منه بلحن شجي يغزو مقام المتلهفين لختمه.

تاريخ يذهبه الماء ويصبغه الصلصال

لا يخلو جامع ولا زاوية في بلدان المغرب العربي من لوح مستطيل الشكل، طول قاعدته السفلية أقل من قاعدته العلوية، مصنوع من شجر العرعر (العرعار) الناعم الملمس، وذي الجودة العالية. فبعد تقطيع جذع شجر العرعر إلى أنصاف دوائر، يتم تحديد الشكل النهائي للوح عبر دمج بعض الأنصاف المتصدعة، لصنع "ورقة لوح" ناعمة الملمس، ذات أطوال مختلفة ومتباينة، وذلك بحسب احترافية ومهارة الفلاح والنجار في التعامل مع شجر العرعار العتيق.

عند تجهيز لوح العرعار، يقوم طالب القرآن -أو "القندوز" كما يسميه أهل المغرب- بتبييته في حمام ماء بارد بعيدا عن الشمس، لمدة ليلة كاملة من غير أن يتجاوز القدر الكافي لترطيبه، مخافة تلف اللوح وتصدّعه كما تفعل الشمس به، بعدها يؤتى بأحجار الصلصال المبللة ببعض الماء ليطلى بها لوح العرعار شيئا فشيئا، حيث تأخذ عملية "الطلي اليدوية" قدرها من الوقت والجهد الفردي كتقليد ومهارة متوارثة، مما يسمح للصلصال بالتغلغل داخل مسمات ورقة اللوح، لتمتزج ريح الصلصال التراتبية مع عبق العرعار، وحينما ينتهي الطالب من مهمة طلي لوحته، يتركها في مكان لا تلحقها شمس ولا حرّ، كي تأخذ ذرات الصلصال تموضعها الذي يسمح بجريان "قلم الدويات" للكتابة.

كل ذلك في سبيل تحقيق مراد "القندوز" لحيازة المعرفة من تراثه العربي والإسلامي، حيث تبدأ رحلة طلب العلم في الزوايا من حفظ القرآن دراسة وعيانة، على مسلك الإمام ورش لقراءة نافع، وذلك بكتابة ما يمكن للوح العرعار احتواءه من آيات القرآن والمتون، حيث كانت عملية الكتابة تلك تلقينا بالسماع من الشيخ إلى الطلبة، كنوع من الاحترام والتقديس الذي يكنّه القناديز لمعلمهم، وعند الانتهاء من نسخ ما جادت به ذاكرة المعلم لمتعلميه، يقوم الشيخ بتصحيح ما خطه الناسخ في لوحه على الوجه الذي كتب به المصحف وفق الرسم العثماني، وأهمية عملية الكتابة والتصحيح تتجلى في قدرة صاحب اللوح على ترسيخ ذاكرة قوية بإمكانها اكتساب مهارة التلقين والرسم المرتبطتين بالنص القرآني.

وقد درج أهل المغرب عامة والجزائر خاصة على هذه الطريقة في الاعتناء بتراثهم الديني والثقافي كتابة وحفظا منذ ما قبل الاستعمار، وقد ساهم انتشار طريقة الكتابة على الألواح في كثير من القرى والبوادي، لما جاور أهلها من نقص الحيلة وقلة الزاد والمؤونة، حيث عمل الجانب الاقتصادي لدى الكثير من الفلاحين والمزارعين للأخذ بطريقة التحفيظ التقليدية، لعدم قدرتهم على مجاراة ما استحدثته الحضارات المتعاقبة من طرائق تدريس مكلفة، أضف إلى ذلك طبيعة الريف الذي يجعل من ساكنيه أكثر تأثرا وقربا من الطبيعة، فقد منحوا الشجر المحيط بهم مكانة مقدسة تحفظ دينهم وتراثهم، واتخذوا من أصواف وأشعار أغنامهم حبرا أسود اللون غير مطبق، يجري به قلم صنع من قصب جاف ليكتب المتون لا شروحها.

ومن جملة ما دونه القناديز على ألواحهم وهم يستشعرون عظمة كتاباتهم من قوله تعالى "في لوح محفوظ" بعد القرآن الكريم، بعض علوم الآلة التي عمد الجزائريون زمن الاستعمار الفرنسي على دراستها، فكان في اللغة العربية متن ألفية بن مالك، أما ما تعلق بالعقيدة فقد انحازوا إلى متن "أم البراهين" لمحمد السنوسي التلمساني، يتداولون فيما بينهم متنه الأشعري حفظا وشرحا، إلى جانب اعتنائهم بالفقه ممثلا في رسالة أبي يزيد القيرواني ومتن ابن عاشر الجامع للعقيدة الأشعرية وفقه الإمام مالك وطريقة الجنيد السالك، أما عن مختصر "سيدي خليل" فقد لزمه الطلبة بألواحهم يحفظونه سبقا من الحديث، وكانت طريقة تدوينهم على الألواح أيسر تكلفة وأهون مع "صعوبة تقاليد الكتابة" الخاصة بها، فبعد كل أسطر يحفظونها، يقوم الطالب بمسح لوحه تحت شجر، إكراما للعلم وتعظيما له، وسقاية له بالماء والصلصال وحروف القرآن، فالكتابة بقدر ما كانت مستعصية على الأهالي زمن الاستعمار الفرنسي، فإنها منحت الفقراء منهم فضاء دينيا وثقافيا ظل يناطح سياسات التجهيل والتنصير الفرنسية.

هذا من حيث الدلالة الدينية التي أخذت منحى قدسيا متمثلا قوله تعالى "وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، سأريكم دار الفاسقين" [الأعراف 145]، وقوله "ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح، وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون" [الأعراف 154]، والقصد من ذلك إنما جعل مكانة عظيمة للفعل البشري المتعلق كونا بالوعد الإلهي لهم بحفظه لقوله "في لوح محفوظ". أما على الضفة الأخرى من العلاقة التاريخية بجذور الكتابة على اللوح، فمن الصعب تحديد بداياتها إلا مع ظهور الكتابة كنوع معرفي إنساني مشترك، من أجل ذلك تتأتى الكتابة على لوح العرعار كـ"ثقافة إسلامية"، تضرب جذورا جغرافية تجاوزت سماتها "عرقية أو طائفة معينة"، لتظل مكونا ثقافيا خالصا ساهم إلى غير بعيد في حفظ التراث العربي والإسلامي من الزوال، كما أنها حملت للأمة معاني ثقافة جماعية متبادلة بين المعلم ومتعلمه، برز دورها الريادي في تنشئة الحاضنة الاجتماعية المناهضة للاحتلال.

أنثروبولوجيا ما من جواب قطعي عن السؤال المطروح "هل كانت الكتابة على لوح العرعار السبيل الوحيد للتلقين؟"، إذ ما من أثر مادي قطعي الدلالة التاريخية يمكن الاستدلال به غير الآثار اللامادية التي تعني أن "استمرارية طريقة الكتابة على اللوح" هي في حد ذاتها إرث إنساني وثقافي، يعزز فكرة استخدام اللوح كأداة مهمة وفعالة مع ما تحمله من رمزية دينية وتاريخية للتواصل مع أجيال مختلفة، أضف إلى ذلك رسوخ فكرة "الكتابة العرعارية" -إن جاز وصفها- في كثير من الزوايا والجوامع، كتقليد متوارث، محكم الطريقة، يختص بثقافة إنسانية عريقة تميزت بها الحضارة الإسلامية.

ومثلما أسهمت الكتابة على لوح العرعار في ترسيخ طريقتها في التعامل مع علوم الآلة ومتونها، فإنها استطاعت "رسم ملامح ذاكرة تاريخية" يتآكلها النسيان، عن الكيفية التي جابهت بها المجتمعات المستعمرة هيمنة ثقافة استيطانية، رأت في إرث الحضارة الإسلامية تهديدا لتواجدها الكولونيالي، ومع أن "بدائية التدريس" حسب تصنيف الآخر المحتل على أنها دونية لا ترقى إلى التعليم المدني، فقد تجاوزت تجلياتها الوجدانية توصيفات المستشرقين والمخبرين، لتغدو تاريخا يمحوه ماء المقاومة والرباط، وتصبغه متون المشيخة بكثير من الألفة والاشتياق.

عودة على تراثنا

في زمن العولمة حيث التقنيات الحديثة وسهولة بلوغ المعلومة، انبرى العديد من المنصات لتقديم "دورات تحفيظ القرآن" في غضون أشهر لا تتجاوز الثلاثة، غالبيتها لا يتعدى النشاط التجاري الذي يفقد المعرفة فاعليتها بسرعة، غير أن الجوامع والزوايا باتت اليوم ملاذا يحج له العشرات من الكبار والصغار، لنيل ما تحمله ألواح العرعار من تاريخ مروي بالسكينة والمحبة والاحترام، وهم يفعلون ذلك إنما يصارعون غزوا ثقافيا يكابد جاهدا ليزيح عن مجتمعاتنا امتداداها الثقافي والتاريخي، الذي تكففته صدور القناديز وهم يطوفون بالبيوت طلبا لهدية مقابل ختمهم القرآن الكريم، إذ إنها منحت لوح العرعار كتراث إسلامي عمقا حضاريا وإنسانيا، كونها أسهمت في الحفاظ على تراثنا اللامادي نقلا وتعليما وكتابة.

ربما تبدو عملية الحفاظ على "لوح العرعار" كتراث تفردت به الحضارة الإسلامية، تنقصها الجدية والاهتمام من طرف الحكومات والمؤسسات المعنية لحفظ الذاكرة والتراث، فهوية شعب ما تبدأ من تاريخه وثقافته وتراثه، أما عن حضوره الإنساني بقيمه وتنوعه، فإن ثقافة تهتم بأدق التفاصيل والأسرار لمختلف الفنون والعلوم كفيلة لأن تمنحه اهتماما حقيقيا بمدى جدية العمل على حماية تراثه المادي واللامادي، من ذلك "لوح العرعار" الذي يكاد يجازي صنعته بالاندثار، فهل بمقدورنا الاستجابة لهذه العودة الاجتماعية نحو الاحتفاء به، أم أننا نفتقد للرغبة والاهتمام الحقيقيين اللذين من شأنهما أن يبعثا مشاريع تقتفي سيرة لوح تفنن أهله في الصنعة والمعرفة والإبداع؟