شعار قسم مدونات

انبعاث العربي

2-مجموعة من المناضلين في الجيوش العربية عام 1948 في القدس(وكالة اسوشيتدبرس)
مجموعة من المناضلين في الجيوش العربية عام 1948 في القدس (أسوشيتد برس)

كان ذلك قبل زهاء سنوات 3 حين أهديت كتابا وردي الغلاف، على طرته قرأت "وحي القلم"؛ لأصير بعد ذلك رجلا مختلفا تماما، أُنقّب عن درر آداب العرب، وأبحث في فلسفتهم، وأسعى السعي المتصل للنهل من معين بلاغتهم، والإنصات لجليل فصاحتهم، وكلما فرغت من كتاب اجتهدت وراء غيره مستزيدا. وأورثني هذا البحث حب العرب والعربية، حتى غدت العربية تتوغل في أغوار نفسي مهيمنة محكمة قبضتها، حيث حل منها حرف، واستوطن تركيب، تنفض غبار الركاكة عن معجمي. وتنامى انتمائي لهؤلاء القوم الذين ضربت جذورهم في عمق التاريخ حتى لم يبق قوم إلا ولهم بالعربي خبر.

وساقني ما وجدت في فكرهم وأخبارهم لاستنطاق الكتب التي عنيت بالعرب والعربية تاريخا وثقافة وآدابا، باحثا في بطونها عن هويتنا الحضارية والاجتماعية بحْثَ من ينشد الحقيقة التي رآها قد أخفيت عنه تحت طبقات من روايات الأعاجم، وسعت في إبعاد أيدينا عنها أجندات الاستعمار بالوسائل الكثيرة التكلفة.

واعتدت أن أرتاح من كتب القامات الكبيرة كسيرة أبي عثمان الجاحظ وأبي فهر شاكر وسيدنا مصطفى الرافعي من أئمة الأدب وأطوادها، ومن أسفار أبي حامد الغزالي وياقوت الحموي وصحاح كتب الحديث من علية أهل العلوم الشرعية والرواية الأثرية، بقراءة بعض مقالات العرب المتأخرين؛ لأعلم أي الموضوعات يعرض كتاب هذا العصر على القراء مقارنة بما عرض السابقون الأولون.

وبينا أنا كذلك إذ بي أقف على مقالة عنوانها "ماذا لو مات العرب!" هكذا من غير إتمام السؤال بعلامته، وقد جذبني العنوان لأطلع على فحوى هذه المقالة، فلما أنهيتها قراءة للمرة الأولى فركت عيني مذهولا، لا من بديع أسلوب الكاتب، ولا من عظيم معنى ضمنه فيما كتب، بل من كم الهوان الذي تنزى من تلك المقالة، والدونية التي طفحت منها.

بيد أنه قد استقر في نفسي أننا العرب قوم ذوو أنفة واعتزاز، فلا ريب إذن أن أحد كتّابنا قد حمل اللواء وسيّر أحرفه وجيّش علمه للرد على هذا العته ردا يشفي الصدور ويقنع العقول؛ فرحت إثر ذلك أكتب العنوان ذاته في الشبكة لإيجاد فارس الكلمة الذي انتقم لقوم يمتد وجودهم امتداد الزمان والمكان. إلا أنني وجدتني أمام مقالة أخرى عنونها صاحبها "ماذا لو اختفى العرب جميعا؟" والحمد لله أن وضع صاحبنا علامة السؤال حيث يصح وضعها ويجب، فشكرت له ذلك واستبشرت به. ثم رحت أنظر في مقالته سطرا سطرا فإذا هي تحمل ذات الرسالة بغير بيان، وتكرر نفس معنى الأولى بذات اللسان الركيك والتراكيب المنفرة لأي قارئ أريب. وعقدت العزم على استنهاض فرساننا الذهبيين.

فاستنهضت "سيرة ابن هشام" لابن إسحاق و"تاريخ آداب العرب" لسيدي الرافعي ألتمس منهما الجواب الأكيد على هذين المتوهمين، واتخذت كلا الكتابين مرجعا منه أستقي لكتابة المقالة الحالية، ولو شئت لاستزدت من المراجع، ولكن الند لا يستحق ذاك العناء، والحق قد تظهره جملة فتبطل من سورته آلاف الكتب التي كتبها البطالون الأدعياء، وأسميت مقالي "انبعاث العربي"، وفيه نويت الرد على أخوينا العاقين ومن وافقهما، ردا يرتاح له خاطر أولي الألباب، ويسكن منه روع الغاضب. ثم قلبت الفكرة في ذهني ثانية وثالثة، وقلت لا، بل أكتب تعريفا بالعربي موجزا، يستفيد منه القصي والدني، حتى إذا جاء من بعدي عربي يبحث عن تاريخه -كما أتيت أبحث- وجد هذه التدوينة في الشبكة تلقف ما أفك صاحباي أعلاه، وتبارزهم بكلام عربي مبين غير آبه بالتهم ولا هو عن المفترين بمحجم، وبسم الله نبدأ وعليه التكلان.

لم يكد العربي العارب يفرغ من حلب شاته ورعي إبله والتمتع برفقة زوجه حتى ذهب يقرض الأشعار في فضاءات البيداء الفسيحة، يستمد من معالمها الحكمة والشعور بوجوده ضمن كينونة أعظم منه. وأمده صفاء الطبيعة واتساع مدى النظر في أرض عارية من الأسوار والقلاع والبروج التي تحد من مدى بصره، وتجذب بأطوالها وأشكالها انتباهه عن الواقع الحقيقي، وتشغله بالواقع المصطنع المحدث مضيقة واسعا. ففي موطنه الغني بكثبان الرمال الصفراء ومشهد السماء الزرقاء، وجد العربي نفسه في البيئة المثلى ليقلب نظره في الوجود أرضا وسماء، لامسا بيديه دقيق الحبات، يراقبها تتراص حتى تصير كثيبا عظيم الحجم، وفي الليالي الحالكة يطالع الأجرام في قبة السماء؛ فيزيده لمعانها فوق عجبه عجبا، أرض وفية لا تخدعه، وتهب فضوله نهما يعينه على التساؤل، والسؤال -كما علمت- شرط لازم لإيجاد أي جواب، فلو لم يكن السؤال لما كان الجواب.

والعربي امرؤ نشأ في شظف العيش متأثرا بطبيعة البوادي القاسية وأجواء الفيافي الحارة؛ فترعرع جلدا ذا مرة وشجاعة وعنفوان، ولا امتراء في أن العربي القديم حاز قدرة مكينة على تجريد الظواهر واستنباط المفاهيم الكامنة فيها، ونجد الدليل على هذا في أشعاره المنظومة وخطبه المنثورة التي حفظها لنا المتقدمون. فهذا العربي البدائي أبدى حسن تفكر في طباع ما أحاط به من خلق متوحش، فقد رأى الليوث والضباع وميز سجاياها؛ لدقة لحيظته وبراء ذهنه من الملهيات، وعزمه على فهم ما يدور حوله في تلك القفار الموحشة، فيرى الأسد يأنف عن الجيفة ويرى الضبع ينكب عليها يلتهمها التهاما، فراقب وفرق واعتبر، حتى صار يشبه في قوافيه الكريم المقدام من الناس بالأسد، والذليل المكار منهم بالضبع، فقال العربي مادحا:

هم الغيوث إذا، ما أزمة أزمت

والأسد أسد الشرى، والبأس محتدم.

(من شعر الفرزدق).

 

وقال العربي ذاما:

ومن يصنع المعروف في غير أهله

يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر.

(لقائله).

وأم عامر هي الضبع، وهكذا سماها العربي.

ولم يزل هذا العربي يكابد ضنك العيش وبلاءات الدنيا وهو صابر على أهوالها، معاندا نوائبها، فيخرم سد مأرب وينهار، ليلجئه السيل العرم بعيدا عن أرض اليمن، باثا إياه أقواما وقبائل وبطونا على طول شبه الجزيرة وعرضها، في ترحال قادته أقدار مقدرة تبتغي له انتشارا؛ فما زالت هناك أراض لم يرها، وحضارات لم يعرفها، وحقائق تنتظره لتكشف له الحجب المسدلة وما وراءها.

وقد تعاقبته الأحوال، وتتابعت عليه الدنيا بأسبابها، ومدت له الآيات مدا في الحل والترحال، يستوعبها بصرا وسمعا، ويقلبها في ذهنه فيرتبها سفلا وعلوا. وأزفت اللحظة وجمع بالكنعاني الشريف إسماعيل وأمه، وهو أول العرب المستعربة كما قيل، ورأى زمزم ينبجس من رحم القحط، ثم ينفجر معلنا مكة مسكنا لهم يأويهم وبيتا سخيا يكفيهم. ولم تزل تُهيّئ له الظروفَ كي يفهم ويعقل، ويميز ويفرق، وأبانت له عن سبيل الشرف والمكارم، وعن مسالك الانحطاط والمكاره، وظلت تخيره وهو على متكئه في ظل بيت شعره الأسمر يشاهد ويحتار، يتفكر في الذي يصله ويتدبره؛ فصار من شيمه طول الصمت، وحاز عقب كثير ملاحظته سعة المفردات، بل خلقها خلقا واشتقها اشتقاقا حين اصطدمت مراكب قوافيه بصخور عقمه اللغوي.

وظل يتلقف الآيات الكونية طورا عن طور وجيلا بعد جيل، وهو يرى الأقوام حوله من فرس وروم يأنفون منه ويصدون عنه مستصغرين شأنه، فأنف منهم وصد عنهم، إذ كان مخيرا بين الضيغم وخصاله وبين ما هو دونه من حيوان. والأقدار تجهزه والأيام تعلمه، وفي كل يوم تراه يزداد فهما وفصاحة وخلقا، وإذا به يسن الأعراف ويضع القوانين مشيدا حجر الأساس لحضارته دري أم غاب عنه، وكأن المستقبل يبتسم له من طي الغيب لا يكاد يستطيع اصطبارا شوقا ليلقاه في هيئته الكاملة، التي ستعود على العالمين بالرحمة، وعليه بالسؤدد والشرف والمكانة الرفيعة بين نظرائه من ولد آدم.

وقد تولد من تقاطع العربي مع الوعول الوعرية والأُسود ومن التقائه في أسفاره بالنصارى واليهود واجتماعه مع الأعاجم في مواسم التجارة ورؤية ما أتقنوه من فنون البناية والعمارة؛ اتساعُ مداركه تجاه سائر الأقوام، ومقارنته بين ما هو عليه وبين ما أطلعه عليه أحبار الأديان، ورأى خيمته تأخذها الرياح يمنة ويسرة، ورأى قصور الأكاسرة والروم في شموخها متينة لا يهزها هبوب في ليل ولا في صباح. ومع كل ما اغترفه العربي من المعارف والخلال، إبان خلوته في فسحات الصحاري وبطون الوديان وقمم الجبال، وما استقر في فلكه من مدارات وأفكار، فإن كثيرا من العرب ضلوا سبيلهم، وراحوا يسجدون لأوثان بنتها أيديهم.

وبرزت منهم في تلك الفترة فئة مصطفاة، يتحرون أثر المعروف في كل جديد غير مألوف، ولا يستلون المهند إلا دفعا عن النفس والعرض ولإغاثة الملهوف، يتبعون الفضيلة إذا عز عليهم إدراك الحيلة، ينأون بأنفسهم عن كل ضلالة، ويرمونها في التهلكة إذا وجدوا في البقاء على حنيفيتهم استحالة، يتخذون الغيران معابدا للتوحيد، ويحذرون قومهم من عقاب على الشرك غير بعيد، وأولئك هم حنفاء العرب وخيرتهم، يصلون الرحم ويصنعون البر، لا يتهمون بخيانة، وقولهم فصل لا يحتاج برهانا، وهكذا انبعث العربي في الجزيرة لميقات معلوم فيه يظهر الخير على الشر، بانتظار رجل يتبعه أشراف الناس والأراذل، يأمرهم برحمة الصغار والأرامل، يقبح القبيح بالقول الراشد، ويهدي للخلق الأمثل باللفظ الفصيح السائد، ليس بشاعر مؤلف، ولا بالمتردد المدلف، ذاك رسول الله العربي الهاشمي القرشي، محمد بن عبد الله، عليه الصلاة والسلام.