شعار قسم مدونات

نحو ركائز للتقريب بين مذاهب أهل السنة

المختلفين داخل الفرقة الواحدة يسمى كل فريق منهم «مذهب» (الجزيرة)

قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ [النساء: 115]

مع الانتشار الواسع لوسائل النشر على الشبكة العنكبوتية، رأيت منتسبين لمذاهب إسلامية اتخذوا الحط من بعضهم بعضا كالتسبيح على ألسنة الذاكرين، فأصبح من كثرته لهم عادة، ولم يقف ذلك عند انتقاد مسائل علمية بل تعداها إلى ما دونها! فهذا يزعم أنه سلفي والآخر يزعم أنه أشعري، وسيل المزاعم جرف السطحيين من كل واد؛ فتحدثوا باسم المذاهب قبل أن يفهموها، وانتصبوا للرد على غيرهم دون أن يدركوا محيط القضية، ناظرين تحت أقدامهم لا يجاوز بصرهم نعالهم!

وكلهم يدعي أنه صاحب الحق ومن خالفه من أهل الضلالة، والأصل أن اختلافهم اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، يتعدد فيه الحق، ويتفاضلون بالاجتهاد، وكل منهم لو صلحت نيته مثاب في ما أداه إليه اجتهاده، لكن معضلة المعضلات أن بعض المصطلحات دلالاتها غير واضحة عند المختلفين من أهل السنة والجماعة، مما جعلهم يتناحرون، وهذا لو أحسنا الظن بهم وابتعدنا عن تحليل خبايا النفوس وتفسير النوايا.

تحرير المصطلحات

وما هو بديهي ويجب التذكير به أن المختلفين في مسائل العقيدة الإسلامية يطلق على كل فريق منهم مصطلح «فرقة»، والمختلفين داخل الفرقة الواحدة يسمى كل فريق منهم «مذهب».

وفرقة «أهل السنة والجماعة» اشتهر فيهم 3 مذاهب في العقيدة و4 مذاهب في الفقه.

حصر مذاهب أهل السنة:

قسّم الإمام السفاريني الحنبلي (1188هـ/ 1774م) مذاهب «أهل السنة والجماعة» في مسائل العقيدة إلى 3 مذاهب:

  • المذهب الأشعري نسبة إلى علي بن إسماعيل ناصر الدين أبي الحسن الأشعري الحنبلي (260- 324هـ/ 874- 936م) من أحفاد الصحابي أبي موسى الأشعري (44هـ- 665م).
  • المذهب الماتريدي نسبة إلى محمد بن محمد بن محمود، ‌أبي ‌منصور ‌الماتريدي الحنفي (333هـ/ 945م) وهو من أحفاد الصحابي أبي أيوب الأنصاري (52هـ/ 672م) ومن ألقاب الماتريدي التي تدل على عظمة مكانته: «إمام الهدى» و«مصحح عقائد المسلمين» و«رئيس أهل السنة» و«قدوة أهل السنة والاهتداء» و«رافع أعلام السنة والجماعة» و«قالع أضاليل الفتنة والبدعة».
  • مذهب أهل الحديث عرّفهم البعض بأنهم أصحاب الإمام مالك (179هـ/ 795م) والإمام الشافعي (204هـ/820م)، وعرّفهم ابن الشطي الحنبلي (1274هـ/ 1858م) في شرحه على العقيدة السفارينية "تبصير القانع"، فقال: «قال بعض العلماء هم أهل الحديث يعني الأثرية والأشعرية والماتريدية» فضم في تعريفه لهم المذهبين الأولين، وإن كان يفهم من اسمهم مؤخرا أنهم الذين يكتفون في مسائل الإيمان بالأحاديث والآثار المنقولة! ويخطئ البعض إذ يظن أنهم فقط أصحاب الإمام أحمد بن حنبل (241هـ/ 855م) ومر بنا أن الإمام الأشعري كان في الفقه حنبليا والإمام الماتريدي كان حنفيا.

المصطلح الجامع لمذاهب أهل السنة

والمذاهب الثلاثة المذكورة هي لفرقة واحدة؛ وكلهم أهل حديث، لأن الأشاعرة والماتريدية لم يردوا الأحاديث ولا أهملوها، فإما فوضوها وإما أولوها، وكل منهم أهل حديث، فهم فرقة واحدة يجمعهم مصطلح «أهل التنزيه» قال السفاريني في منظومته:

«فأثبتوا النصوص بالتنزيه.. من غير تعطيل ولا تشبيه» [1]، وذلك بخلاف باقي الفرق فإنهم حكموا العقول القاصرة وخالفوا المنقول؛ فصاروا أهل بدعة وضلالة.

أول من استعمل مصطلح "أهل التنزيه"

أول من استعمل مصطلح «أهل التنزيه» هو عبد ‌العزيز ‌بن ‌يحيى ‌الكناني صاحب «كتاب الحيدة»، (حدود سنة 240هـ/ 854م) وقد صحب الشافعي ودرس عليه وذهب معه إلى اليمن[2].

وأول من ذكره منسوبا إليه أبو إسحاق الثعالبي (427هـ/ 1036م) في تفسيره "الكشف والبيان" فقد فسر به لفظ «العالمين» من قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: 2] فقال: «وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم ‌أهل ‌التنزيه من الخلق»[3].

ويراد من مصطلح «أهل التنزيه» مذاهب أهل السنة الذين لما تعرضوا للكلام في صفات الله تعالى قصدوا تنزيه الله عن مشابهة المحدثات، وتوفر عندهم هذا المقصد في كل ما ذهبوا إليه من الإثبات مع تفويض حقيقة الصفة لله أو الإثبات مع جواز التأويل، فعلى سبيل المثال في تفسيرهم صفة «اليد» من قول الله تعالى ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: 10] ذهب قوم إلى إثبات الصفة مع نفي كونها تشبه يد المحدثات تنزيها لله عن مشابهة الخلائق قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: 11] والمحدثات يقصدون بها المخلوقات، وتوصف المخلوقات بالمحدثة لكونها لم يثبت لها القِدم الأزلي الذي لا أول له، الثابت لله تبارك وتعالى، فالله -جل جلاله- لا أول له ولا بداية.

وقسموا الموجودات إلى قديم وحادث، وأشاروا إلى الله -تعالى وتقدس- بالقديم الذي لم يزل، وعُرف أصحاب هذا المذهب بأهل الحديث أو أهل الأثر؛ ولا يخفى أنهم أرادوا تنزيه الباري -جل شأنه- عن مشابهة كل ما سواه.

وذهب آخرون إلى نفس ما ذهب إليه أهل الحديث ولكنهم رأوا من بلاغة اللغة العربية أنه قد يفهم من لفظ الصفة معنى غير المراد من معناه الحقيقي الذي وضع له، مع جواز إرادة المعنى الأصلي وهو ما أطلق عليه في علم التوحيد مصطلح «التأويل»، وفي علم البلاغة «الكناية»، فأجازوا تأويل صفة اليد بالقدرة ولم يقولوا بوجوب تأويل الصفات، بل أثبتوا أن لله يدا ليست كيد المحدثات كما قال أهل الحديث، لكنهم أجازوا أن يضاف لها معنى «القدرة» لما لم يجدوا في النصوص النقلية قرينة مانعة من هذا التأويل ورأوا أن القرآن أنزله الله بلسان العرب ودلالة ألفاظه بحسب معانيه العربية ﴿إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: 2] وهم بهذا لم يخرجوا عن المألوف في لغة العرب ولا الذي كان مفهوما في عصر التنزيل ولم يمنع منه نص، وأصحاب هذا المذهب هم الماتريدية والأشاعرة، ولتصديهم للرد على باقي الفرق المخالفة للتنزيه كانوا ضمن الكلاميين الذين لزمهم هذا الوصف لكثرة قولهم: الكلام في كذا، في بداية مباحثهم العقدية! ولكن تميز -الماتريدية والأشاعرة- عن باقي الفرق الكلامية بعدم الانحراف عن إرادة التنزيه! فاستحق أهل المذهبين وصف «أهل التنزيه».

هل يوجد فرقة باسم الوهابية؟

الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (1115- 1206هـ/ 1703- 1791م) عالم دين من أسرة عرفت بالعلم من أهل السنة؛ أسس «حركة» وليس «فرقة» اهتمت بنبذ مظاهر الشرك والبدع الشركية، وليس من الإنصاف تصنيف أتباعه بأنهم «فرقة» بل هم «حركة إصلاحية» فهو لم يبتدع فهما جديدا للعقيدة بل ذهب مذهب أهل الحديث ولم يجاوز طريقتهم.

وفي المقابل أيضا، نذكّر أتباعه أنه ليس من العلم نفي كون الأشاعرة من أهل السنة.

التقليد بين مذاهب الفقه والعقيدة

يعرف «التقليد» بأنه: ‌"أخذ ‌مذهب ‌الغير من غير أن يعلم دليله الذي اقتضاه وأوجب القول به"[4]، وكما أن في المسلمين بحسب اختلافهم الفقهي الآن لا يوجد فيهم حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي إلا وله تقليد لمذهب الآخر منهم في إحدى مسائل الفروع، فكذلك الشأن في مسائل العقيدة لن تجد أشعريا ولا ماتريديا إلا وله ميل لمذهب غير مذهبه في مسألة ما في الاعتقاد، وهذا واقع في المحققين من أهل الفقه والعقيدة وفي المعاصرين منهم أشهر وأوضح.

هل المذاهب بدعة في الدين؟

تجد من يقول إن هذه المذاهب -سواء في العقيدة أو الفقه- بدعة لم تكن في عهد الرسول ولا الصحابة، والحق أن التوجهات الخلافية كانت موجودة من الناحيتين النظرية والواقعية، حتى في عهد الرسول ولكن من دون نسبة لمذهب، تماما كما كانت القراءات القرآنية موجودة من دون نسبة إلى إمام أو راو، فعن ‌ابن عمر قال: «قال النبي لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر ‌إلا ‌في ‌بني ‌قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي، فلم يعنف واحدا منهم»[5].

وكذلك الشأن في القرآن الكريم، فالقراءات المتواترة عشر، لكل قارئ راويان ولكل راو طريقان، فتصبح روايات القرآن الكريم 20 رواية بـ40 طريقا، وكما أن الخلاف في القراءات والروايات والطرق خلاف تنوع، فإنك تستطيع أن تقول كذلك في الخلاف بين المذاهب العقدية والفقهية لأهل السنة والجماعة؛ فليس اختلافهم اختلاف تضاد.

مقولات ابن تيمية في الأشاعرة

المتتبع لمقولات ابن تيمية (728هـ/ 1328م) في الأشاعرة يلاحظ أنه صنفهم باعتبارهم من المتكلمين وأنه لم يكفرهم، بل تجد بعض كلامه أقرب إلى مدحهم والذي أنقل بعضه في ما يلي.

وكان معاشه من وقف الحنابلة ويجتهد فيفتي أحيانا بخلاف مذهبهم، ومن تلامذته من كان على مذهب الشافعي ومنهم من كان حنفيا، ومنهم من كان حنبليا، ولم نسمع عنه أنه أنكر على واحد منهم في مذهبه، واختلف مع الأشاعرة ولم يكفرهم بل أشاد بهم، وليس له ولا لهم العصمة، ولما تكلم عن مصر في عهد الدولة العبيدية الباطنية قال: «ثم فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين ‌وظهرت ‌فيها ‌كلمة ‌السنة المخالفة للرافضة»[6]؛ ومعلوم أن صلاح الدين الأيوبي (532- 589هـ/ 1138- 1193م) كان أشعريا؛ ووصفه ابن تيمية بأنه من ملوك السنة[7] ومما يذكر أن أبا شامة في تاريخه وصف صلاح الدين فقال: «يدني ‌أهل ‌التنزيه ويقصي أهل التشبيه»[8]؛ مما يشي أن المصطلح كان له استعمال في دوائر شتى.

وتكلم ابن تيمية عن التأويل فأسنده إلى السلف عموما فقال رحمه الله: «أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من غير تحريف للكلم عن مواضعه؛ أثبتوا أن الله فوق سماواته على عرشه؛ ‌بائن ‌من ‌خلقه ‌وهم ‌بائنون ‌منه، وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية»[9] وهذا حقيقة اعتقاد الأشاعرة.

وقال عنهم أيضا: «في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة ونحوهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها المعتزلة والرافضة ونحوهم»[10].

وقال عنهم: «حسناتهم ‌نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم؛ ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو كليهما»[11].

وذكر -رحمه الله- «الجهمية» ثم قال: «الأشعرية ‌خير ‌من ‌هؤلاء ‌في ‌باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة»[12]، وقال: «وأما الأشعرية فهم في الجملة ‌أقرب ‌المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث»[13].

وعادة السلف في الصفات قبول المذهبين وعدم تخطئة أحد الفريقين، كما قال ابن دقيق العيد (702 هـ/ 1302م): «‌أهل ‌التنزيه ‌في ‌مثل ‌هذا على قولين: إما ساكت وإما مؤول»[14].

ووضح الشيخ التونسي الهادي بريك -حفظه الله- عادة السلف في الخلاف في ما يجوز فيه الاجتهاد؛ فقال: "لم يتردد سيدنا أبي بن كعب أن يصبغ شعره وقد سمع بنفسه النهي عن ذلك، ونهى عن الشرب قائما وشرب هو نفسه قائما، ونهى عن بيع الحاضر لباد وكثير من المعاملات التجارية منذ قرون تسير وفق هذا البيع، ونهى عن بيع السلم فلما علم حاجة الناس إليه أباحه، ومنهيات أخرى لا تحصى في مختلف حقول الحياة لما فقه العقلاء حكمتها أجروها على مقتضى ما تدرأ من فساد أو تجلب من مصلحة أو تفتح ذريعة خير، ما لم تكن في ما لا يعقل من التعبديات، أما ناكية النواكي فهي تجدد مثل هذه الخلافات فينا عاما بعد عام، كأنما الزمن قيمة جامدة، مثل: (هل تخرج) زكاة الفطر قيمة أو عينا، والاحتفال بالمولد النبوي، وبداية الشهور هل بالرؤية البصرية أم الرؤية الفلكية!"

التقريب بين مذاهب أهل السنة

سعى الجلة من علماء الأمة إلى التقريب بين أهل السنة والشيعة، وهما فرقتان كانتا ولا تزالا إلى ما شاء الله من عمر الدنيا، ومحاولة التقريب بينهما تراجع عنها المخلصون لما رأوا أن لا جدوى منها بعد التجربة المخلصة، لعدم الاتفاق على موقف وسط في أمور كثيرة؛ منها سب فرق الشيعة لأكثر الصحابة ولأم المؤمنين عائشة، لكن ما نحن بصدده -على الأقل في هذا المقال- في مسألة التقريب بين مذاهب فرقة أهل السنة في العقيدة كما في الشريعة يعد أسهل من الناحية النظرية العلمية؛ فكما يصلي الحنبلي خلف الحنفي والعكس يصلي من يقرأ بإحدى روايتي الإمام نافع المدني (169هـ/ 785م) خلف من تعلم إحدى روايتي الإمام عاصم الكوفي (127هـ/ 745م)، وكذلك ما سمعنا أن إمامة أحدهم للآخر باطلة، خاصة بين من ينتسبون في العقيدة لأحد مذاهب «أهل التنزيه» الثلاثة، لأن ما بينهم خلاف مذهبي، تتنوع فيه الآراء ولا تتعارض الأحكام؛ بل تتفق في تنزيه الله جل جلاله.

إن سلفنا الصالح كانوا أكثر استيعابا لحدود الخلاف وسقفه على مستوى أوسع من مذاهب أهل السنة، بل تعداه لفرق أخرى، حتى إن الإمام الأشعري نسب للإسلام الفرق التي تصدى للرد عليها، وضمّن ذلك المعنى عنوان كتابه فسماه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين».

بدعة تبادل الاتهام بالابتداع

إن أشنع بدعة يقدح أوارها أهل الغفلة من المذاهب هي تبديع بعضهم للبعض الآخر وحط بعضهم من قدر مخالفه، واتهام بعضهم لدين بعض، وكأن مفاتيح الجنة ومغاليق النار بيد أحدهم، واستطالة بعض المنتسبين للمذهب الأشعري في حق علماء الحرمين الشريفين من نجد والحجاز ومن على مذهبهم، وفي المقابل قيام بعض المنتسبين لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو من يطلق عليهم السلفية بتبديع أو تكفير أتباع المذهب الأشعري يعد جرما من الطرفين لم يسبقهم إليه سابق بمثل هذه الشناعة والتفريق والتمزيق للمسلمين باسم الانتصار للعقيدة الصحيحة.

وإنما يسعنا ما وسع الصحابة والتابعين بإحسان، وكذلك يسعنا في الخلاف العقدي ما وسعنا في قبول اختلاف القراءات والروايات القرآنية من دون نكير.

وخلاف المذاهب العقدية والفقهية عند أهل السنة منحصر في اجتهادات لا يسع عالم أن يكفر مخالفه فيها، وإنما وقع الخلاف فيها لتحرير ومعرفة الأصوب من الصواب والأحسن من الحسن؛ لأن كل أهل السنة داخلون باعتقادهم في الفرقة الناجية التي في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال رسول الله فيه «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة»، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «‌ما ‌أنا ‌عليه ‌وأصحابي»[15]، وفي رواية «من كان على ما أنا عليه، وأصحابي ‌من ‌لم ‌يمار ‌في ‌دين الله، ومن لم يكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب غفر له» ثم قال: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا». قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس، ولا يمارون في دين الله، ولا يكفرون أحدا من أهل التوحيد بذنب»[16] و«لما سمع هذا أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يماروا في الدين، ولم يجادلوا، وحذروا المسلمين المراء والجدال، وأمروهم بالأخذ بالسنن، وبما كان عليه الصحابة، وهذا طريق أهل الحق ممن وفقه الله تعالى»[17].

[يتبع بمقال لاحق إن شاء الله]

 

  • [1] السفاريني: العقيدة السفارينية = الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية.
  • [2] أخبار فخ لأحمد بن سهل الرازي ص75؛ مناقب الشافعي للبيهقي 2/ 328.
  • [3] تفسير الثعالبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن 1/ 111.
  • [4] الحافظ البرماوي (763- 831 ه): الفوائد السنية في شرح الألفية 5/ 2258.
  • [5] متفق عليه: صحيح البخاري 2/ 15 ط السلطانية؛ صحيح مسلم 3/ 1391 ت عبد الباقي.
  • [6] ابن تيمية: مجموع الفتاوى 3/ 281.
  • [7] ابن تيمية: مجموع الفتاوى 17/ 501.
  • [8] أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية 4/ 381.
  • [9] ابن تيمية: مجموع الفتاوى 5/ 126.
  • [10] ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 3/ 538.
  • [11] ابن تيمية: الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم نقض المنطق ص19؛ مجموع الفتاوى 4/ 12.
  • [12] ابن تيمية: التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع ص191، مجموع الفتاوى 3/ 103.
  • [13] ابن تيمية: مجموع الفتاوى 6/ 55.
  • [14] ابن حجر: فتح الباري لابن حجر 2/ 531.
  • [15] سنن الترمذي 5/ 26 ت شاكر.
  • [16] المعجم الكبير للطبراني 8/ 152، 153.
  • [17] الشريعة للآجري 1/ 434.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.