شعار قسم مدونات

الشر السياسي.. وزيادة فرص بقاء المنظومات الدكتاتورية الحاكمة

المعتقلات السرية.. فصل جديد من الانتهاكات بالعراق
الشعوب دائما تشكل التهديد الأهم للحاكم الفرد أو للنظام المستبد (الجزيرة)

يعد الصراع السياسي المتهم الأول في زوال الأمم وانهيار الممالك عبر القرون، لكن البشر قلما يتعظون أو يستفيدون من دروس التاريخ التي تكفي لردعهم وأطرهم وإيقاظهم من غفلتهم، ولا سيما أولئك الذين يسوقون البشرية كل يوم إلى الجحيم مندفعين وراء غرائزهم الطبيعية متحلين بكل ما هو سيئ ودنيء من الأخلاق السياسية، متخذين كل الحيل الرخيص والوسائل القذرة التي تضمن لهم جانبا مهابا وتمنحهم فرصة الاستحواذ والغلبة والسمعة السيئة لدى الخصوم، في حين تسمح لهم الظروف غير الطبيعية التي يخلقونها بحياكة قوانين وأدبيات كشرع دستوري استثنائي لحالة طارئة يقوضون بها نظام الحياة، ثم يستغلونها لصالحهم في تعميم وإملاء واقع لا بد منه.

ونحن هنا لا ندعي أننا نعلم ما يدور في أذهان أرباب الحكم أو نفهم -إلى حد كبير- تصرفاتهم وسلوكياتهم ورغباتهم بشكل فردي، لكننا نجد قاسما مشتركا بين الجميع يتفقون فيه على أن بقاء سلطتهم لوقت أطول بأي شكل هو غاية ما يطمحون إليه ويسعون لأجله وإن اقتضى الأمر تعبيد الطريق لذلك بحياة البشر والصعود على رفاتهم، فعدا عن نصيبهم من نزعة الشر الفطرية التي طبع عليها البشر جميعا أضافوا إلى ذلك نصيبا خاصا من الشر الطبيعي الذي يتشكل عليه أي إنسان يصل لسدة الحكم بصفة خاصة أو على شكل تيار سياسي.

لهذا يعد الشر السياسي أهم وأكثر أدوات القمع والاستبداد استخداما في التاريخ، فهو الفكرة الأنسب بالنسبة للمنظومات الدكتاتورية الحاكمة لزيادة فرص بقائها وإطالة عمرها السياسي، فالشعوب دائما تشكل التهديد الأهم للحاكم الفرد أو للنظام المستبد، فهي ذات طبيعة تحررية في الأغلب، وتميل عادة إلى نقد الحاكم وتطويعه ومنازعته السلطة وقلب نظام الحكم إن استدعى الأمر حين تستقر حياتها وتتحسن أوضاعها أو حين تجد فضاء تعبر من خلاله عن رأيها أو حقها السياسي بشكل دستوري أو فوضوي.

وابتداء من السياسة العالمية للإمبراطوريات الكبرى وصولا إلى أدنى الكيانات السياسية ذات الطبيعة الدستورية أو تلك التي اختطفت الحكم بطرق غير قانونية قد تتباين في وسائل تحكمها إلا أن فكرة تفسيخ المجتمعات ورفع يد الدولة عن بؤر الشر وغيرها من الممارسات الهمجية التي تهدد السلم الاجتماعي تمثل جوهر النظم السياسية جميعا، فهي تبيت متيقظة لبوادر ثورة تحررية بقمع الشعوب وإغراقها في مستنقعات الجهل والتفاهة والصراعات الأهلية ومشكلات الفقر والبطالة كونها تشعر بخطرها وتحاذر نشوب أي حراك من شأنه أن ينال من سيادتها.

إن ما نراه اليوم من مآس عالمية وكوارث إنسانية كتفشي الأوبئة واستحداث حروب وصراعات إقليمية تهدد الاقتصاد العالمي ما هي إلا صور اعتيادية تعكس عبثية الأنظمة السياسية العالمية وحقدها الدفين على شعوبها خاصة أو على دول وكيانات أخرى تهدد وجودها أو قد تغير خريطة تأثيرها على العالم، فالإنسان بشكل عام لا يتورع عن اتخاذ أي خطوة تحفظ كيانه أو تضمن نفوذه مهما كان شأن ما يتخذه في الإجرام والشر والخطر الكارثي على البشرية.

الأمر نفسه يحدث بصورة مصغرة في أوطاننا العربية التي تعيش حالة مؤسفة من التخلف الاجتماعي والتدهور الإنساني في أوضاعها الأمنية والاقتصادية وغياب الدولة وتأثيرها على المجتمع، فهي سياسة ممنهجة تهدف من ورائها السلطات إلى إحكام قبضتها على الشعب من خلال الزج به في صراعات عبثية، وغض الطرف عن ظهور التكتلات الهامشية والعصابات المسلحة، فتخلو الساحة للظلم والسطو والجبايات والجريمة الأخلاقية حتى ينتهي المطاف بالوطن غابة موحشة، وغاية ما يتمناه المواطن العيش آمنا.

إن كل ما يهدد أمن البشرية عامة والشعوب في أوطانها خاصة هو مشكلات طبيعية لم تخلق دون حلول أو تدابير ناجعة، عدا عن أن معظمها تحمل -بلا شك- بصمات مدبريها السياسيين، وحتى تلك الأزمات التي نعتقد أنها اعتباطية الحدوث غالبا ما تكون الأنظمة السياسية جزءا منها، وذلك حين تتخلى عن وظيفتها الأخلاقية وواجبها الوطني ومسؤوليتها الإنسانية في تطبيع الحياة الاجتماعية، لكن وصول المجتمعات إلى هذه الحالة الإنسانية المتردية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا يعد البيئة المثالية للأنظمة السياسية حين فشلت في تسويق الديمقراطية كحل للتبادل السلمي للسلطة أو الحرية في التعبير عن الفكر والرأي، فقد لا تمارس الإمبراطوريات العالمية أو الحاكم في الأوطان العادية الشر السياسي حرفيا، لكنها تجند لبقاء هيمنتها ونفوذها كل فكرة شيطانية خبيثة تحول دون وقوعها في قبضة الشعوب أو الخصوم الطبيعيين.

المخيف في هذا الأمر أن بعض الأنظمة العربية وغير العربية تتفرد بأسلوب سياسي خاص في التعاطي مع شعوبها، فهي لينة ترفة مع السوقة والمنبطحين لها، فيما تكون حازمة صارمة مع المناوئين، إذ تتجه إلى تغيير ديمغرافية الشعب وأيديولوجيته بتجهيله الثقافي والمعرفي من خلال حجب كل نوافذ النور عنه وتشويهها، ثم إغراقه في الرفاهية والتفاهة والبذخ وتشجيع السفلة والمفكرين بصورة مغايرة لعقيدة وقيم وتقاليد وأعراف المجتمع كونها طريقة ناجعة في تخدير الشعب وإطفاء جذوة الحرية فيه.

أخيرا، لا أعتقد أن ما يكابده الإنسان عالميا أو حتى في الوطن الواحد من مخاوف تستجد ومشكلات تتفاقم وأزمات تعصف هو من صنع الطبيعة، بل هو الشر السياسي الذي تمارسه أروقته ومنظماته وجماعاته لقمع جموح الفرد كلما حاول الخلاص من قيودها أو شق عصا الطاعة عليها ليظل تابعا منصاعا يحترم حدود حريته وحقوقه.