شعار قسم مدونات

أعياد في زمن الكروب

صلاة العيد في الاقصى
صلاة العيد في الأقصى الشريف (الجزيرة)

حل العاشر من ذي الحجة في نواحينا ضيفا طيب الريح كريم المقام، محملا بأنفس العطايا، مثل حبيب قد اضطرمت الأفئدة من غيابه، واضطربت دقاتها ترقبا لزيارته، أيام معدودات يخلع فيها المؤمن ثياب العمل، ويستبدلها بالثوب الجديد المطهر، والقلب السعيد المبتهج، أيام تتبدل فيها ملامح الكد بملامح السرور، نجتمع فيها بكل قريب بعدتنا عنه الدنيا وأشغلتنا عن لقياه مشاغلها. ولطالما رأيت شمس العاشر تشرق على غير ما تشرق في سائر الأبكار، فهي تنير النفوس من قبل أن تملأ بأشعتها فضاءات الدنيا الرحبة وآفاقها المترامية، تلتمسها في لمعات عيون طفل ينتظر ارتداء ثوبه الجديد، ونوال مصروف جيبه، علامة أنه اليوم رقيب نفسه والمسؤول عنها.

وما أكثر قهقهاتنا إذ رأيناهم يبتاعون بتلك الأموال كما من الدمى والألعاب نعلم يقينا أن مآلها في مخازننا المكتظة، ولكن بهجتهم في هذا اليوم تكفينا لنغدق عليهم مما لا يشعرهم بالنقص عن أقرانهم، ولا ينزع من صدورهم لذة العيد وأفراحه. ثم تنظر للفتيات الصغيرات وقد ائتزرن أبهى الفساتين المزركشة بمختلف الألوان وقد هذبن شعورهن وزدن جمال الدنيا جمالا، كأميرات صغيرات في الجسم، عظيمات في القلب، يملأن كل حيز يصرن إليه بالبراءة والبسمات.

والليل معقل الكبار بعد أن يفرغوا من مهام العيد، ويتنفسوا الصعداء من نصب الزيارات، ويتناسوا باهظ ثمن دفعوه في اقتناء الهدايا، فحينها يجتمع السمار حول الموائد العامرة بما لذ من الحلويات وطاب، أو ما اشتهت أنفسهم من لحوم الأضاحي باختلاف صنوفها وتنوع طرائق تحضيرها، فيتحلقون مبتسمين يذكرون بعضهم بعضا بأيام الطفولة والفتوة وما مارسوه فيها من دهاء، وكيف نشأ الأطفال من حولهم يعيدون سيرتهم الأولى تطبيقا وإنفاذا، ويطول الكلام بما يسر الخواطر ويشرح الصدور، لا يثني عنانه إلا المضطر تعبا أو شغلا.

ولو تفكر ابن العيد بهذه الهبة ونبش قشورها وسعى متعمقا في سبر غورها وتلقف معانيها؛ لوجدها تختزل في سطر واحد من كلام الحكمة يقول: قد تعبت حولا أيها المسلم في الطاعات، وقد أبليت الحسن من البلاء في الأعمال، وصنت وصيتي لك، فصمت وصليت، وتصدقت وزكيت، فهذا مني لك عطاء باق بقاء الدنيا، إنك ومن بعدك في هذا اليوم تضحون في سبيلي وتطعمون الفقراء، وتلبسون الجديد وتزورون الأقرباء، وتنعمون بالراحة في الصميم قبل الأديم، ولكم في هذه الأيام البهجة والتنعم منة مني عليكم وجزاء مني إليكم، فلا تعملون من غير اضطرار، ولا تبخسون المسكين وابن السبيل وأولي القربى تحنانكم وبشركم، ولا تبخلون عليهم بما أودعت بين أيديكم.

وهذا كله ما يفترض أن يحل فينا وجدانا وبلدانا، ولكن.. قد صرنا إلى زمن يتكاسل فيه المسلم عن الفرح، وينأى بمحض إرادته عن نشر المودة والتقاء الأحبة؛ ويرى فيها عظيم ترف وقليل مروءة، ولو أنه استمد معارفه من درر القرآن، واهتدى بحديث الرسول العدنان -صلى الله عليه وسلم- لعرف كبير خطئه، وجليل عثرته؛ فالعيد وصية الله ورخصة منه لكل مسلمة ومسلم أن يخرج للسطح بعض طفولته يتقوى بها على بقية سنته. وإن يوما يقضيه المسلمون في التزاور والسرور لن ينقص من ملكهم الناقص في هذا العصر شيئا، ولن يؤجل تحرير أوطانهم من جيوش الغزاة أجلا، ولكن النفوس المتعبة قد رضي أصحابها أن تبقى تحت ركام الأمنيات، وغيرهم من أهل اليقين قد أبوا إلا أن يناجزوا غم الدنيا بأفراح الأعياد، ومسؤولياتها الثقيلة بالتهادي والتودد في الله، علما منهم أنه الناصر القوي، وأنهم بإنفاذ وصاياه يكونون في أقرب نقطة من نيل رضاه، فهي سدرة منتهاهم هم في علاقتهم مع ربهم سبحانه في علاه.

وقد أثر عن النبي الأكرم صاحب أعلى منازل الأخلاق، ومالك أورع قلب عرفته البشرية وأتقاه، أنه قد دافع عن ابنته البتول -عليها السلام- عندما كانت تغني في البيت لعلة العيد وتعليم الناس أن في دينهم فسحة وفي أعيادهم رحمة. وإن ابتليت هذه الأمة ببعض المتنطعين والمتكلفين ممن لم يفقهوا دينهم، ولم يتدارسوا نبيهم -صلى الله عليه وسلم- أن حث الناس على ترك التمتع والابتهاج، ونهروهم بحجة احتلال البلدان وتأخر الأوطان، كذبا قالوا وزورا ادعوا، فلنفرح بهذا العيد ونكون من أهل الدلالة على مناطه وجوهره، وكل عام وأنتم للخير أهل وأعوان، والحمد لله رب العالمين.