شعار قسم مدونات

هل أزالت الثورة المضادة في تونس الأوهام؟

Demonstrators carry flags as they gather during a protest against Tunisian President Kais Saied in Tunis, Tunisia June 19, 2022. REUTERS/Zoubeir Souissi
متظاهرون يرفعون الأعلام أثناء تجمعهم خلال مظاهرة ضد الرئيس التونسي قيس سعيد في تونس العاصمة (رويترز)

الانقلاب على مؤسسات الدولة ومنجزات الثورة والحياة السياسية وحتى الاجتماعية، الذي نفذه رئيس الجمهورية التونسية (قيس سعيّد) وما تبعه من إجراءات متواصلة اتخذها وما زال لصناعة دولة بوليسية دكتاتورية، لا تقل وحشية واستبدادا عن حكام من خلفيات عسكرية وأمنية.

وهو الرجل الذي تفاءلت به الجماهير كونه من خلفية قانونية وأكاديمية مدنية صرفة، وليس كبعض أقرانه، ولا مثل المخلوع الهارب زين العابدين، القادمين من مجاميع عسكرية وأمنية، بل دأب وحرص على عدم استخدام الدارجة التونسية في خطاباته، مستخدما عربية فصيحة، يضغط على حروفها وكلماتها، لا كما القادمين من الجيش والأمن ممن حتى حين يقرؤون كلمات مكتوبة، وربما تدربوا عليها يخطئون وتجتاحهم التأتأة، وتداخل الدارجة مع الفصيحة في كلامهم.

بل كان الرجل محل تندّر في مبالغته في استخدام نصوص مرقومة بخط اليد والحبر العادي، في محاكاة لحكام قرون خلت، تمتاز بطولها مع أنه كان يمكنه استخدام التقنيات الحديثة واختصارها.

وإذ به يسعى حثيثا للسيطرة على كل السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وتهميش الحياة النقابية، وصار بيدقا واضح المعالم للثورة المضادة التي أعقبت ثورات (الربيع العربي) ووصل به الحال إلى العمل على كتابة دستور مفصل على مقاسه، ومقاس دولة بن علي العميقة، بطريقة مستفزة فاق بها آخرين من مدبجي الدساتير المعززة للاستبداد المرسخة للتنكر لمبادئ الثورة على الطغيان والفساد.

وعلى ذكر الدساتير وكتابتها والاستفتاء عليها، والتي صارت أشبه بـ(موضة) في بعض الدول العربية، لدرجة تبدو المسألة وكأنها قضية القضايا، ومسألة مركزية ملحة، والإيحاء ضمنا أن كتابة دستور وإقراره والاستفتاء عليه وحصوله على أغلبية سيقود الدولة المعنية إلى مرحلة من الازدهار والمؤسساتية الحقيقية، وإشغال الرأي العام بهذه الجزئية، فأنا أستغرب هذه الهمروجة (الدستورية).

فها هو الكيان العبري وهو دولة حداثية مقارنة مع جواره العربي ليس فيه دستور، ولا يبدو هناك توجه لدى القوم لكتابة دستور، وهم يحتكمون إلى أنظمة ولوائح وقوانين بعضها مدني وبعضها بإدارة الحاخامات، وعدم وجود دستور لم يحل دون تفوقهم العسكري والتقني والطبي وغيره، مع مراعاة العامل الخارجي بطبيعة الحال، ولكن لو أنهم -مع أن مجتمعهم فسيفسائي تماما- رأوا في كتابة دستور حاجة ملحة، بل شيئا من كماليات وترف الدولة لكتبوه، مع أن كيانهم بلغ من العمر بضعا وسبعين سنة.

لا يأس من الثورات وحركة الشعوب

لا يفوتني التنويه اللازم بأن ما حققته الثورات المضادة من نجاح ملحوظ، وأعادت به الأوضاع ليس فقط إلى ما كانت عليه قبل موجة الثورات في 2011 بل إلى حال أسوأ، دفع بعض من طحنهم بؤس الأوضاع إلى الترحم على أيام ما قبل تلك الموجة، فلا يفوتني أن أؤكد أن الصراع لم يحسم لصالح أعداء الحرية، وأن المنطقة بل العالم يعيش سيولة وتدافعا وتغيرات سريعة، وشعوب فيها غالبية من الشباب، لن تستقر في بلادها أوضاع مستبدين فسدة، مع شعوري بالكمد بعد سنوات مضت من القهر والظلم ووقاحة واستعلاء أرباب الثورات المضادة وأدواتهم التنفيذية والإعلامية وغيرها.

وتنتاب النفس حالة إحباط، ونحسّ نحن الذي عشعش الأمل في قلوبنا بأن الاستبداد سيصبح وراء ظهورنا وسيكون بالنسبة لأطفالنا وأحفادنا مجرد تاريخ أسود، بأن الحالة ستطول كثيرا، ولكن منطق الأشياء والمؤشرات، بل حتى تصرفات الثورات المضادة، تقول إن تعطل مسيرة انتزاع الحرية والجراح التي أصيبت بها، لا تعني توقفها، وقطار التغيير الذي انطلق لن يتوقف مهما واجه من عقبات، بناء على الثقة بالله أولا وأخيرا، ثم التأمل والنظر في التقلبات السريعة والتغيرات الدراماتيكية المتسارعة في العالم والمنطقة.

وتونس التي كانت باكورة الحراك والثورة على الطاغية ليست استثناء.

نموذج الغنوشي

الأستاذ راشد الغنوشي السياسي المثقف والمفكر الناشط ورئيس البرلمان المنحل بقرار من (قيس سعيّد) وبإيعاز من داعمي الثورات المضادة، كان يقدّم على أنه رمز ومدرسة على الإسلاميين أن يحذو حذوه، ويستلهموا نهجه، وأنه (قصة نجاح) في العمل الإسلامي الحركي، وغيره من النماذج قصص فشل بامتياز، ودخلوا في مقارنة طويلة بينه وبين الرئيس الدكتور محمد مرسي -يرحمه الله- باعتبار الغنوشي رمزا للمرونة السياسية والحنكة والحصافة في التعامل مع الأوضاع السياسية، بينما كان مرسي على عكس الغنوشي، وفق رأيهم الغريب، مع أن الغنوشي نفسه قال إن جغرافية مصر (ثقيلة) ولا تقارن بتونس ولم ينسب لنفسه ما ينسبونه له!

مردّ ذلك تنازلات كبيرة قدمها الغنوشي وحركة النهضة حتى قبل اندلاع الثورة في تونس، وصلت إلى حدّ الاقتراب من أمور شرعية، واتهم نظراء النهضة في دول عربية عدة بأنهم يفتقدون الذكاء السياسي المتمتع به الغنوشي، وأن الغنوشي مثال الاعتدال ومراعاة ظروف العصر الحديث، وغيره رموز للتطرف والعيش في الماضي، وأن ما جرى لهم وما أصابهم وحلّ بهم من محن وكوارث وتهميش، هم وحدهم يتحملون مسؤوليته وليس من قاموا بدعم الثورات المضادة وسقوا شجرتها الخبيثة.

وقد لاقت هذه النظرية رواجا وازداد عدد المؤمنين بها حتى وقعت الفأس في الرأس، وصار الغنوشي خارج منصبه بقوة السلاح، ومنع من دخول مبنى البرلمان الذي يترأسه ووصل إليه عبر صندوق الاقتراع، هذا الصندوق الذي لطالما روّج له المصفقون للثورات المضادة كأيقونة مقدسة، وكحكم وحيد بين الفرقاء، وإذ بهم ينقلبون على نتائجه بصفاقة واستكبار.

وحتى حين كان الغنوشي يجلس على منصة رئاسة البرلمان، قامت (عبير موسي) بتحويل المكان إلى سيرك أو ساحة تهريج، وهي المرأة التي تتفاخر بأنها من أتباع دولة بن علي!

ومع أن الرجل صبر واحتمل هذه الفوضى والتشويش والتعطيل المقرف لعمل البرلمان، فإن الآخرين، لم يكتفوا بذلك ورأوا أن يحلّ البرلمان بعد تجميد العضوية لأعضائه.

والآن هناك خطر واحتمال قائم أن يجرّ الغنوشي إلى المحكمة والسجن، دون اكتراث بسني عمره التي تجاوزت الثمانين ولا تاريخه الطويل، وأيضا -وهذا الأهم- دون اعتبار أو مراعاة أنه قدم من التنازلات للحلفاء والخصوم، وهو ما أثار حتى غضب قطاع من الإسلاميين عليه.

وأنا في هذه الأيام المباركة أسأل الله تعالى أن يحمي عبده راشد الغنوشي ويحفظه، وهو يقترب من القبر، من الإهانة والإذلال والسجن، ممن لا يرقبون فيه وفي أهله وأحبائه وأنصاره إلاّ ولا ذمة، ويشهد الله أنني أشفق عليه من هذا المصير الذي يعدّه القوم له، ويريدون أن تكون نهايته في شيخوخته وراء القضبان كما حال مرسي!

وهم تبدد

والحال كذلك يفترض أن يكون الوهم قد زال تماما، فقد كانت تونس والغنوشي آخر صفحة في كتاب مزاعم القائلين إن تقديم التنازلات والتهاون في التمسك بالمبادئ، والتسامح مع من يتربصون بالإسلاميين ويحيكون ضدهم المخططات الخبيثة، من ذوي الصلات بجهات أجنبية معروفة ومجهولة، هو الحل للسير والعمل في هذا الزمن، والوصفة السحرية لاجتناب السجون والقمع.. وطيّ هذه الصفحة، يبدد هذا الوهم، أو هكذا يفترض.

ربع قرن والإسلاميون مطلوب منهم كل يوم بل كل دقيقة أن يعلنوا قبولهم بتولي امرأة منصب رئاسة الدولة، أو أن يتولاه شخص من أقلية سكانية ودينية، وأن يعلنوا أنهم لن يغلقوا البارات، ولن (يقطعوا أرزاق) الراقصات، وأنهم وأنهم وأنهم.. والآخر لا يقدم شيئا سوى المطالبة بمزيد من (بوادر حسن النية) والتنازلات، بل لولا أن كتاب الله محفوظ لطالب بتغييره.

ما الذي جناه الإسلاميون الذين قدموا تلك القائمة من التنازلات؟ غدر وتشف لئيم، ووقوف من ادعوا أنهم يحترمون صندوق الاقتراع، وأن هدفهم هو إقامة دولة مدنية ديمقراطية؛ وإذ بهم يدعمون الدكتاتوريات العسكرية، ويسندون أفعالها وجرائمها، ويحرضونها على سحق الإسلاميين.

فهل أدرك الإسلاميون حقيقة الموقف، أو هل سيتعاملون مع الواقع بمنطق الحقيقة التي كانوا يعرفونها ولكنهم لطالما حاولوا التذاكي عليها، أو تجاهلها على أمل تغيير لم يأت!

الصورة بلا رتوش

الحقيقة التي قلّما يتحدث عنها من يدركونها، هي أن الدولة العربية القُطرية، كيان وظيفي له مهمات محددة في النظام الدولي القائم، وهي بنيت وصنعت على أعين المستعمر الأوروبي، الذي ورث دوره السيّد الأميركي (والإسرائيلي حاليا) وهذا يعني أنه من المحال أن يسمح هؤلاء لهذه الدول أن تختار حكامها بحريّة، وإذا حصل فإنهم سيدبرون الانقلابات، أو قد يلجؤون للحصار والحروب وغير ذلك.

وكان نفر من الإسلاميين يحاولون الالتفاف على هذه الحقيقة، بإرسال رسائل، أو حتى بحديث مباشر مع قادة الغرب، بأنهم يستطيعون القيام بالدور الوظيفي الذي اضطلعت به الوحدات السياسية والعسكرية العلمانية، ومع أن هذا التوجه يفقد الإسلاميين أحد مبررات وجودهم، وثمة محاذير شرعية في الأمر، فإن الغرب لم يقبل عرضهم، حتى لو تظاهر بذلك ليجردهم من أشياء كانت تميزهم، وليستغل عامل الزمن، وليزيد من ولاء العلمانيين الذي أصابهم الهلع من كون السيد الأجنبي ربما يفكر في استبدال غيرهم بهم.

الإسلاميون ينسون أو يتناسون أن المشروع الغربي من أهدافه تمييع الموروث العقدي والثقافي للأمة تمهيدا لنسفه نسفا، ولذا فإن الغرب لن يقبلهم لأنهم -ولو بالحد الأدنى- امتداد لهذا الموروث ويمثلونه بطريقة أو بأخرى.

انقلاب قيس سعيّد مزّق آخر صفحة من كتاب الأوهام الذي ظل إسلاميون وغيرهم يقرؤونه علينا ربع قرن وكأنه نص مقدس… كان لا بد من صدمة وصعقة بهذا الحجم كي يفيق القوم، ويفكروا بنهج مختلف تماما… الله غالب.