شعار قسم مدونات

سلطة المثقف

الأديب الفرنسي إيميل زولا (ويكي كومنز)
الأديب الفرنسي إميل فرانسوا زولا (مواقع التواصل الاجتماعي)

في تسعينيات القرن الـ18 جرت محاكمة أحد ضباط الجيش الفرنسي ويدعى ألفريد دريفوس بتهمة الخيانة العظمى.

جميع الدلائل والبراهين أشارت آنذاك إلى إدانة الضابط، مما جعل المجتمع الفرنسي ينقسم حيال الرجل بين مؤيد لمحاكمته ومعارض لذلك.

حينها أطل الروائي الفرنسي إميل زولا (1840-1902) رائد المذهب الطبيعي في الأدب عام 1898 مدافعا عن الضابط عبر مقال في صحيفة "لورور" (L’Aurore) بعنوان "إني أتهم"، متهما فيه سلطات الجيش الفرنسي العليا بتعطيل العدالة والتدخل في سير المحاكمة.

المقال كان سببا في محاكمته، إذ شُنت حرب شعواء ضد زولا، مما دعاه للهرب إلى إنجلترا مع اشتداد رياح المعارضة التي ارتفعت أمواجها ضده من التيارات المرتبطة عضويا بالجيش والكنيسة.

أثناء وجوده في إنجلترا تم إسقاط الحكومة الفرنسية، مما شكل طريقا آمنا له فعاد إلى باريس، إلا أن الحرب التي أشعلها المقال وصاحبه لم تنته، كما لم تنته قضية الضابط الفرنسي المتهم، بل استمرت واستمر الخلاف حولها ما بين مؤيد ومعارض إلى أن أصدرت الحكومة الفرنسية الجديدة عفوا عن الضابط وبرأته لتنهي بذلك القضية.

لكن عواصف المقال الذي كتبه زولا "إني أتهم" بقيت تتفاعل لعشرات السنين، لكونه أسس لسلطة جديدة لم تكن معروفة سابقا يتقدمها المثقفون بكافة تصنيفاتهم في بناء الرأي العام وتوجيه وسائل الإعلام بحيث يكون المثقف بمثابة عنصر فعال يقدر على مواجهة الدولة في ما يتعلق بحقوق المواطنين، ففي كل الحضارات والثقافات يخلق المثقف دوره التنويري، مما يسهم في بناء الأمم وإنارة دروبها، بل ويشعل قبس آمالها وأحلامها ويعبّد الطريق أمامها لتحقيقها إلا في أوطاننا.

المثقف -على الأغلب- نفسية غريبة يعتقد أن العلم قد ختم على يديه، نظرته دونية للآخرين، لا يشاركهم ولا يكترث لأمرهم البتة، اللهم إلا إن توافقت المشاركة والاهتمام مع رؤيته المادية ومنتجاتها كعقل قابل للإيجار وصوت قابل للشراء، على حساب الأغلبية الصامتة أو البسطاء من الناس.

هذه الظاهرة (الربيع العربي) تجلت للناس الذين يقتلون في الشوارع والأزقة والممرات، فيما المثقف مختبئ في بيته يتابع نشرات الأخبار، المواطن يعترض ويثور، وهو يطالب بضبط النفس، الناس سالت دمائهم، وهو لم تسل كلماته في الدفاع عنهم وعن خياراتهم واحتياجاتهم وحقهم في حياة وحقوق أفضل.

تحول هؤلاء الى أبواق للسلطة بدل أن يشكلوا سلطة مستقلة، واستغلوا الانقلاب أيما استغلال، أسقطوا دورهم التنويري والتثقيفي والرقابي على أفعال الدولة وتصرفاتها، وحولوه إلى مثقف داعم للسلطة وانعكاس لها بكل جبروتها وظلمها ودكتاتوريتها، يزينون قبيحها ويقبحون جميلها، بحيث صاروا وجها آخر لها.

عندما تفكر في المشاهد التي مرت خلال السنوات الماضية تصمت وتعقد مقارنات مع ما قدمه المثقفون في الأمم الأخرى لأجل شعوبهم وأدوارهم الحضارية الإنسانية في بناء الإنسان وحمايته فتصاب بالإحباط، لكن دون فقدان الأمل بغد أفضل.

يبقى السؤال مطروحا: أين هو المثقف العربي وسلطته؟ ولماذا يصر على اختيار السبات الأبدي ويبدع في الانقلاب على ذاته ومن حوله وكأنما الأمر لا يعنيه، مما يعني أن يصير جزءا من السلطة أو قريبا من مطبخها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.