شعار قسم مدونات

التعليم في الوطن العربي.. ما بين واقع القطاع العام وحتمية القطاع الخاص

التعليم العام بكل أطواره من أهم الميادين التي تمكنت الجزائر من تعريبها (الجزيرة)
لا بد للحكومات العربية أن تضع البرامج التعليمية التي تتناسب مع مجتمعاتنا ويتم صياغتها من طرف أهل الاختصاص (الجزيرة)

يعتبر التعليم من بين القطاعات الأساسية والركائز التي تقوم عليها الأمم من أجل الاستدامة والتطور، بل أصبح التعليم أحد مؤشرات قياس تقدم الأمم والدول، فبدون تعليم لا يمكن أن يتحقق النمو والاستقرار والتنمية، فالتعليم لم يعد مجموع النتائج المحققة في نهاية كل موسم دراسي تتباهى به الحكومات، ولكن أصبح معادلة تقوم على ربط متغير العنصر البشري من حيث التكوين والاستثمار فيه وبين المخرجات التي يستقطبها سوق العمل من أجل تحقيق التنمية.

وبالتالي تسعى الدول لبناء أحسن المنظومات التعليمية بما يتوافق وخصوصية مجتمعاتها من جهة، ومتطلبات سوق العمل من جهة أخرى، دون النظر إلى التكلفة، لأن معيار التكلفة هنا يسقط أمام القيمة المعيارية لرأس المال البشري المحقق الذي تظهر نتائجه في الاختراعات والبحوث الفعالة في قطاعات الصحة والزراعة والصناعة وغيرها، مما يحقق لها التفوق الصناعي والتكنولوجي والقدرة في تحكم الأسواق الاقتصادية إقليميا وعالميا، والصين والهند خير مثال على ذلك.

في المقابل وفي منطقتنا العربية نجد مسألة التعليم لا تزال لم تأخذ حقها من النقاشات الفعلية وفي السياسات العامة لدى الحكومات رغم تباين واقع التعليم في المنطقة العربية من دولة إلى أخرى حسب الإمكانيات التي تمتلكها الدولة، إلا أن التعليم في المنطقة العربية لا يزال يعاني من مشكلة أساسية، هي أنها تعتبر هذا القطاع عبئا على الميزانية والموازنة العامة، خاصة أن جل الدول العربية تعاني اقتصاديا أو تعاني من ارتفاع الكتلة البشرية، وبالتالي تنظر إلى هذا القطاع على أنه قطاع مستهلك للمال ولا يدر مداخيل للدولة، لأن مخرجاته لا تتماشى مع متطلبات السوق.

من جهة أخرى، نجد أن التعليم يرتكز في المنطقة العربية على نقطة أساسية، ألا وهي المجانية، وهذا في كل المراحل التعليمية من الابتدائي إلى الجامعي مما يجعل النفقات أكثر من المداخيل لهذا القطاع، وهذا ينعكس على العملية التعليمية برمتها مثل رواتب المعلمين ونوعية المنشأة التعليمية، وهنا لا بد من التنويه بأن الأمر يختلف من دولة إلى أخرى، إلا أن طغيان منطق المجانية في هذا القطاع يؤدي بالضرورة إلى سوء التسيير أو الفساد سواء في عملية التوظيف أو الإطعام، وبالتالي إهدار للمال العام.

كما يعتبر مشكل البرامج أحد المواضيع التي تعرف نقاشا سنويا ودوريا بين المختصين والعاملين في هذا القطاع، بما يعكس عدم وجود تصورات فعالية وعملية تراعي خصوصية المنطقة العربية وطبيعة المجتمعات، والأهم النظام الاقتصادي الذي تتطلع له لبناء عملية تنموية مستدامة بعيدا عن التجاذبات الأيديولوجية والإملاءات الخارجية التي تصب في مصلحة طرف، دون مراعاة المصلحة العامة والمجتمع والدولة ككل من أجل إنشاء مجتمعات تقوم على المعرفة واقتصاد المعرفة.

ولهذا نجد أن القطاع الخاص دخل بقوة سواء بشكله الرسمي المتمثل في ظهور مدارس تتبنى برامج ومناهج بعض الدول كفرنسا أو الولايات المتحدة، بما يضمن لمرتاديها فرص عمل قوية بعد الانتساب لإحدى الجامعات المرموقة، أو من خلال فتح مدارس خاصة لها برامج تابعة للوزارة، إلا أنها توفر ظروف تمدرس مناسبة للتلاميذ والطلبة أو قطاع خاص غير رسمي، والمقصود به هنا الدروس الخصوصية التي أصبحت سوقا فعليا يقوم على تقديم وصفات جاهزة لمواجهة التعليم أو عصارات علمية تقدم للطالب بدل من انخراط التلميذ والطالب في نسق تعليمي معرفي يكسبه كيفية التعلم والتفكير وحل المشكلات.

فاذا أردنا تلخيص واقع التعليم في المنطقة العربية نجده وفق هيمنة القطاع العام، وهذا في الدول التي لا تزال تعرف بحبوحة مالية مع تفاوت من حيث الفعالية، أو دول تعاني اقتصاديا بحيث مجانية التعليم هامشية فيها، وفي كل الحالات نجد أن التعليم لم يحقق ما هو مرجو منه من تحقيق مجتمع المعرفة.

ولهذا نجد أنفسنا أمام ثنائية إما أن نخصخص هذا القطاع بمعايير عالمية مع المحافظة على حصة مجانية التعليم بما يتناسب مع القدرات الاقتصادية للبلاد ورفع المستوي التعليمي المجاني، وبالتالي نحقق مبدأ العدالة أو نبقي على ما نحن عليه مما يخلق تشوها في العملية التعليمية.

من جانب آخر، لا بد للحكومات العربية أن تضع البرامج التعليمية التي تتناسب مع مجتمعاتنا ويتم صياغتها من طرف أهل الاختصاص، بعيدا عن الصراعات الفكرية والأيديولوجية، وأن تكون هناك صناديق سيادية تنفق على التعليم والاستثمار في الرأسمال البشري بما يحقق تنمية تتماشي مع مخرجات العملية التعليمية ومتطلبات السوق وشروط التنمية المستدامة.

وأخيرا لا يمكن أن يصلح حال الأمة العربية إلا بما جاء في أول آية من القرآن الكريم وهي "اقرأ"، لأن المستقبل لمن يملك العلم والمعرفة، وهما أساس التطور وهذا ما يجب على الدول العربية أن تستثمر فيه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.