شعار قسم مدونات

الرسول ﷺ المُنقذ للماضي والحاضر

نسب النبي
جاء الوحي المعصوم ليسدّ هذا الفراغ في روح الوجود الإنساني ويمدّه بتوجيهات تأخذ بلُبّه إلى التوحيد الخالص (شترستوك)

عاش الإنسان قبل البعثة الشريفة عصرا فترت فيه النبوات، وكان لفلسفة إنسان هذا العصر وأنماط تفكيره سمات متشابهة لما عليه إنسان عصر الحضارة الرأسمالية الحالية.

فقد انحسر تفكير البشرية في تحصيل متاع الدنيا والتقلب في ملذاتها من دون نظر ليوم بعث وعالم أبدي، فطغت النظرة المادية على كل شيء كما هو الحال الآن، الذي تم تشخيصه نفسيا بما يسمى اليوم بحالة الوجع الكوني!

وتصدى التنزيل الشريف بخاصة في العهد المكي لمعالجة هذه الحالة التي تعد بالتوصيف الإحيائي طفرة أو تغيرا في الفطرة البشرية، قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: 30]، فاشتمل القرآن المكي من الناحية الموضوعية على 3 قضايا: التوحيد والبعث بعد الموت والأخلاق! قدم فيها سيدنا محمد ﷺ للعالمين مفهوما واضحا للحياة وأضاف إليها معنى، بعدما سادت حالة من الفراغ الروحي كان يعيشها إنسان ما قبل البعثة وهي الحالة نفسها التي يعانيها إنسان الحضارة المعاصرة، حالة خواء وجداني أطلق عليها حديثا مصطلح "الوجع الكوني" أو "الإجهاد العالمي" (بالألمانية WeltSchmerz) وقد نحت مصطلحها مؤرخ الفن الألماني جان باول ريختر (Jea aul Richter‏) (1847- 1937م) معبرا بهذا المصطلح عن حالة ضجر الإنسان الذي يشعر أن الواقع أضيق من أحلامه، وأن شروره أسرع إلى أحزانه -كما يقال- والشعور بالحزن المؤلم الذي يشعر به الشخص بشأن عدم كفاءته وبسبب عدم كفاية العالم والظروف القائمة، وغالبا ما يكون مصحوبا بالتشاؤم والاستسلام والهروب من الواقع! وكذلك أطلق المصطلح الفنان الأسكتلندي فيش في أغنية أصدرها عام 2020م باسم "World ai!".

ولم يكن الطبيب النفسي النمساوي فيكتور إميل فرانكل (Viktor Emil Frakl) (1905-1997) الوحيد الذي عانى البحث عن نظرية العلاج النفسي بالمعنى والذي صاغ نظريتها في كتابة الذي ترجمه الدكتور طلعت منصور بعنوان "الإنسان يبحث عن المعنى"، ولكن ظل العالم الغربي مشغولا بالبحث عن معنى للحياة، منذ أن استبعد الكنيسة من الحياة السياسية وأقصاها عن صناعة القرار -ولو في الظاهر- لأنه يحتاج إلى الوصول إلى مفهوم ومعنى للحياة حتى يعطي الإنسان الغربي لحياته قيمة، لينبعث فيه أمل للاستمرار من دون اللجوء إلى الانتحار أو حتى مجرد الاكتئاب، الإنسان الذي أفرزته الرأسمالية اليوم يحتاج إلى معنى للحياة يكون بديلا للعدمية، وفي الوقت نفسه ليستر به حكماؤهم الخجل من عدم الاعتراف بالإسلام دينا يجيب بإقناع عن كل تساؤلات النفس وتطلعات الروح وسمو الأخلاق الإنسانية!

إن ما يطلق عليه الفراغ الروحي هو المرض الذي أدى إلى انسلاخ البشرية عن بشريتها، فليس أحط من اتخاذ أكثر العرب وغيرهم أصناما يعبدونها، وينحرون عندها، ويطوفون بها، إذ اختصروا معنى الوجود الإنساني في الدنيا؛ فلا لذة وراء لذتها ولا متعة غير ما فيها، ونسبوا الإحياء والإماتة إلى نسبة وجودية لا قدرة لها على ما ادعوه عليها، هي الزمن أو الدهر: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون﴾ [الجاثية: 24]، فضلا عن أحوال اجتماعية متردية من حيث الطبقية السائدة في العالم كله على وجه مهين لأكثر الشعوب ومستعبد لبعضهم من الآخر بشكل استغلالي متوحش، أو على مستوى حقوق المرأة إذ كان العربي يتزوج بلا حد ولا عدد، وكان الأوروبي وإلى عهد قريب يفضل حصانه على زوجته، ولم يكن للفقراء ولا أصحاب العاهات أي حق يذكر!

حالة خواء وجداني كاد يبتلع العالم فأنقذ الله البشرية بالبعثة الشريفة، بما قدمت من دلالات واضحة عن خلق الإنسان ودوره في إعمار الكون وإصلاحه على منهج الوحي الشريف، فلم يكن الإنسان قبل البعثة يملك من المعرفة الصحيحة مفهوما يعرف به لماذا هو في الدنيا؟ ولأي غاية وجد فيها؟ وما الهدف من الوجود الإنساني كله؟ كانت هذه أسئلة لا جواب لها في العصر السابق لسيدنا محمد ﷺ، فجاء الوحي المعصوم ليسد هذا الفراغ في روح الوجود الإنساني ويمده بتوجيهات تأخذ بلبه إلى التوحيد الخالص والعمل للسعادة الأبدية التي تستحق أن يسخر وجوده من أجلها في عمل دائب لإصلاح وإعمار كوني يستحق به النعيم الدائم! ﴿… هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها …﴾ [هود: 61] ويقوم بمهامه المفروضة عليه برضا، ويتقبل المتاعب في سبيل تحقيق دوره في الإعمار، ويتحمل أعباء مهمته التعبدية لله تعالى في الإعمار وتبعاتها الكبيرة من دون شعور بالشقوة، بل تغمره السعادة المعنوية وهو يقاوم حرج المادية التي تريد أن تجعل منه ثور ساقية يعمل ليل نهار وهو معصوب العينين! أو كالأنعام تحيا لا تبالي بالحياة ما دامت الخضراء والأمواه، ثم تساق إلى القصاب وهي لم تدر من أمر معيشتها غير المتع الفانية! ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: 44]، وقال جل شأنه: ﴿… والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾ [محمد: 12].

وباء نفسي عالمي

إن السيل المتدفق من الأسئلة حول البوصلة الفلسفية التي توجه نشاط الإنسانية وتحدد غايتها، وتوقف الإنسان على هدفه من الحياة ومعنى الموت، وهل يفنى بالموت فناء أبديا؟.. لم تكن هذه الأسئلة من باب الترف الفلسفي في مخيلة الفلاسفة أو العلماء، بل كانت تعتمل في عقل كل إنسان وإن لم تجر على لسانه، ولكن كان يظهر أثر أي إجابة لهذه الأسئلة على سلوك صاحبها، ومجرد وجود إجابات صحيحة ومقنعة لها كان كفيلا بأن يحدد البوصلة التي توجه نشاط الجماعة البشرية وترشده لكي تسعد، وعلى قدر الجواب وعمقه إيجابا وسلبا يتكامل البشر أو يتحاربون، يتضامنون على تكاليف الحياة أو يكونون عبيدا لذواتهم وملذات أجسادهم! يستأثر بها من يملكها عمن سواه!

لقد كانت -وما زالت- إجابات هذه الأسئلة وعدمها هي التي تبعث في نفس الإنسان معنى للحياة، وتبث لروحه أملا في الجزاء، ويجد لنفسه قيمة في مواصلة الحياة، ولكن غالب الإجابات كانت سلبية تترك للقنوط بابا يتسلل من خلاله إلى أعماق الروح، وتجعل من الأثرة مغلاقا على النفس فلا تتحرك لإغاثة ملهوف ولا لنجدة مستغيث! وتجمح بصاحبها في تحصيل المتعة من بابها ومن غير بابها، فتشيع الإباحية وتتحكم المادية! حتى أصبح لسان حال الغرب ومن على شاكلتهم يردد في قحة وبلا أدنى حياء قول الإنجليزي وليام شكسبير (المتوفى 1616م): "لك حياة واحدة؛ افعل ما يسعدك ولا تبال!" كما ردد العرب قول امرئ القيس لما بلغه مقتل أبيه وهو على الشراب، فقال: "اليوم قحاف وغدا نقاف"، ومثله: ‌"اليوم ‌خمر وغدا أمر"!، ومعنى قحاف: شرب الكأس حتى الثمالة، ولم تزل هذه دعوة المتحللين حتى في العصور الإسلامية، فمثلا قال أبو نواس (145- 198هـ/ 762- 813م):

دع المساجد للــعباد تسكنها

وطف بنا حول خمار ليسقينا

ما قال ربك ويل للذين سكروا

ولكن قال ويل للمـصلينا

وقال أبو محجن مالك بن حبيب الثقفي (توفي بعد 16هـ/ 637م):

اجعلوا إن مت يوما كفني

ورق الكرم وقبري معصره

وادفنوني وادفنوا الراح معي

واجعلوا الأقداح حول المقبرة

إنني أرجو من الله غدا

بعد شرب الراح حسن المغفرة

وقد سبق هذا الفجور في أشعارهما توبة من الله بها عليهما!

حياة الإنسان الفاقد للإيمان

ولا غرابة، فعندما يتملك العقل البشري اعتقاد أن الحياة الدنيا هي كل ذلك الوجود، وأن ما بعد الموت فناء؛ يصبح إنسان تلك الفكرة وذلك المعتقد عبدا للشهوات والملذات يسعى في تحصيلها سعي الوحش في الغاب، لا يؤثر بها غيره، ولا يعطف بلعاعة منها على ملهوف أو محتاج! لا لشيء إلا لأنه يعتقد أنه إن مات لن يبعث، وأن اللذة التي تفوته في الدنيا لن يدركها في عالم آخر، فيفرح بما ناله من اليسير منها أو يتحسر على فواته، وقد تسرب هذا الاعتقاد الفاسد إلى النفس الإنسانية بسبب انقطاع الإنسان في أي زمن وخلال أي فترة عن الوحي؛ إما لأن الكتب التي يعتقد قداستها حرفت فلم تعد تعطي نظرة صحيحة عن الكون والحياة، أو لفترة الأنبياء وانقطاع بعثتهم فترة قرون بعد السيد المسيح!

وكان البعث أكثر ما رفض كفار قريش بعد التوحيد، فصرخوا ﴿هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين﴾ [سورة المؤمنون].

فكان علاج ذلك في النذارة التي هي الواجب المعلن من أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿… لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون﴾ [السجدة: 3].

وجاء القرآن المكي ليعلم الإنسان في سورة باسم الإنسان: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا﴾ [سورة الإنسان].

وجاء القرآن في أوائل تنزيله يعلم: ﴿فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة﴾ [سورة البلد].

لم تكن بعثة سيدنا محمد ﷺ لتغيير معتقدات نظرية حبيسة العقل البشري أو حتى بعيدة عن وجدانه، وليس لها في واقع حياة الجماعة البشرية ملمس أو مظهر أو أثر! بل جاء فانتشل البشرية من ردهة الضياع ومستنقع الفلسفات التائهة التي كاد الجنس البشري ينقرض بسببها، والتي تسيطر اليوم على العقل الغربي، فعلمنا أن للحياة معنى: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾ [الحديد: 23]، ووجه البشر لعمل الخير وخير العمل، وتلخص الوعد والوعيد في: ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين * إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [سورة النحل]؛ فغرس المعاني السامية للوجود الإنساني ثم وضع له التكاليف الإصلاحية له وللكون من حوله!

وعالج القرآن المكي هذا الفراغ الروحي في محاوره الثلاثة: الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وتأكيد وجود بعث وجزاء بعد الموت واستدل عليه بالنشأة ﴿إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون﴾ [يونس: 4]، ﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون﴾ [يونس: 34]، فقد كان واضحا أن القرآن المكي من أول ملاقاته للبشرية التي ضل سعيها في إسعاد عمومها اهتم وركز على مكارم الأخلاق والمبرات والنجدات، وأعلن أن الذي لا يسعى في حوائج المعوزين مكذب بالبعث ويوم المداينة ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين * فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون﴾ [سورة الماعون]. إننا نحكم بالجمود على عقولنا إذا قرأنا السور المكية وحسبنا أن قضيتها التوحيد واليوم الآخر فقط، ونستثني الأخلاق أو ننساها، بل شكل حديث القرآن عن التضامن الاجتماعي كأثر من آثار الإيمان باليوم الآخر حالة إنقاذ لفقدان الإنسان لإنسانيته!

إن العالم اليوم كأمسه قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعاني من فقر روحي وتصور ناقص للحياة والوجود والبعث بعد الموت! ونتيجة هذا الفراغ ومع القوانين الحاكمة والمانعة من استطالة طرف على آخر، التي أنتجتها الحضارة المادية، أصبح سد الفراغ عند البعض إما بالمعرفة أو بالانتحار بعد التشبع من زخرف الدنيا ومتعتها، وأقصد بالمعرفة هنا معرفة الله تعالى بالوحي المنزل الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: 42].

وفي تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية، بشأن معدل الانتحار العالمي، ورد أن شخصا واحدا يموت منتحرا كل 40 ثانية، ليبلغ العدد 800 ألف شخص سنويا، أي أكثر من الذين قتلوا في الحروب وعمليات الجريمة، والمثير أن التقرير أوضح أن البلدان ذات الدخل المرتفع لديها معدل أعلى لحالات الانتحار أكثر من غيرها من البلدان ذات الدخل المتوسط، كأن الانتحار سببه خواء البطون، وقد غفلوا عن خواء الأرواح الذي ألجأهم إلى نبذ الحياة التي عدها الإسلام مزرعة الآخرة!

وقد خصصوا يوم العاشر من سبتمبر/أيلول ليكون يوما عالميا للوقاية من الانتحار!

إن العالم اليوم مدين لسيدنا محمد ﷺ بالمحافظة عليه من الانقراض القيمي والأخلاقي والروحي، ولا نبعد إذا قلنا النوعي أيضا!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.