محمد الفاضل بن عاشور وقلمه الريان (2)

محمد الفاضل بن عاشور (مواقع التواصل)

"القلم الريان" مصطلح سكه لي الأستاذ الأديب الروائي أحمد فال ولد الدين بعد مدارسة معه حول الكتابات "المكتنزة" التي يحيل أصحابها بسلاسة إلى رموز أدبية وثقافية وتاريخية مثل كتابات الجاحظ والتوحيدي وأرباب النثر الفني في كل العصور، وفي أثناء المفاوضات مع الأستاذ أحمد فال ألمح إلى أن استعمال المصطلحات يحتاج إلى شجاعة في الصياغة أولا، وفي الاستخدام والإشاعة ثانيا، وهو ما أقوم به هنا مع إعراضي عن مصطلحات أخرى باردة أو هجينة مثل "التناص" و"الإحالات الثقافية".

ونزوعا إلى ما تأصل في ثقافتنا من البحث عن الجذور التراثية لأي مصطلح علمي وأدبي، فإن الكتابات الأندلسية والمغاربية عموما تستخدم وصفا طريفا في التراجم قريبا من "القلم الريان"، وهو وصف الأديب أو العالم بأنه "ريان من الأدب" فقد حُلِّي بهذا الوصف من المشهورين القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي (ت 544هـ)، والأديب الناقد أبي الحسن حازم بن محمد القطراجنِّي (ت 684هـ) والمحدث الرحالة ابن رشيد الفهري السبتي (ت 721هـ)، وأكثر مؤرخي الأندلس والمغرب استخداما لهذا الوصف هما ابن عبد الملك المراكشي (ت703هـ) في "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة" ولسان الدين بن الخطيب (776هـ) في "الإحاطة في أخبار غرناطة"، وليت هذا السفر الأخير ينال بعض ما نال كتاب المراكشي قبله من العناية والتحقيق.

الامتلاء الأدبي الذي يفيض من قلم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور الجامع بين بلاغتي القلم واللسان يطرب القارئ أو السامع حين يصغي إليه وهو يقول في مقدمة للحديث عن التكوين الثقافي للإمام محمد بن الحسن الشيباني: "إذا كان لنسب من الأنساب العربية الكريمة الواضحة أن يهدم كل ما بنى له الشعر من فخر ورفعة ذِكْر في الجاهلية والإسلام، وهو واثق من أن معالم المجد التي أقامها له الإسلام أعز وأطول من ما بنى له الشعر من قبل، وأن ذكره في العلم والفقه أتم خلودا من ذكره في الأيام والملاحم، فذلك هو نسب بني شيبان الذي ازدهى في تاريخ الفقه الإسلامي باثنين من الأئمة العظام في الفقه ما منهما إلا من هو سابق لأبي الصقر في استحقاق بديع ابن الرومي الذي يقول فيه مما يقول:

قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم

كلا لعمري ولكن منه شيبان

..

فكم أب قد علا بابن ذرى حسب

كما علت برسول الله عدنان

ذانك هما إماما بغداد في الرأي والأثر محمد بن الحسن الشيباني وأحمد بن حنبل الشيباني".

فهذه الفقرة الوجيزة المقارنة بين مجد بني شيبان في الجاهلية والإسلام، وما أضافه لها الإمامان المذكوران من خلود الذكر ورفعة الشأن، تحيل القارئ والمستمع إلى مجلدات ضخمة خلدت الملاحم والأيام الشيبانية في الجاهلية والإسلام، وإلى دواوين سجلت مدائح خالدة قيلت في أبطالهم وأجوادهم، فمن هذا المقطع يتذكر المتأدب يوم "نعف قشاوة" وإغارات بسطام بن قيس الشيباني على بني يربوع من تميم وإضراب أبي مُلَيْلٍ عن الطعام وخضوعه للشروط البسطامية، وإرادته الغدر ببسطام والنكث به وما سجله متمم بن نويرة شعرا في هذا اليوم العصيب، أو يُذكره بيوم "مَبَائِضَ" وتطبيق بني شيبان لنصائح هانئ بن مسعود ونصره المؤزر على خصومهم واستردادهم المال والأهل ومفاداة هانئ لابنه بـ100 بعير، أو يتراءى له يوم "الزويرين" ونحر الجملين.

وفي مفاخر بني شيبان ومدائحهم، ستطفو على سطح ذاكرته ميمية أعشى قيس ميمون بن قيس وتائيته، وميمية أصم بني الحارث بن عباد بكير، ورائية يزيد بن حمار السكوني حليف بني شيبان، الذي "كان له بلاء ورأي يوم ذي قار" كما في معجم الشعراء للمربزباني، وبائية المسيب بن علس التي تتيه فيها بنو شيبان على الملوك وتعتب، وليس وراء بائية أبي تمام حبيب بن أوس الطائي في أبي دلف العجلي قول لقائل في مناقب بني شيبان الذين أمالت سيوفهم بذي قار "عروش الذين استرهنوا قوس حاجب"، وقد ساق القلقشندي في "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" قول الطائي هذا مثالا للوقائع التي ينبغي للمترشح للكتابة شعرا أو نثرا أن يستحضرها في كتاباته وأن يكون له "من المعرفة بأيام الحرب، والعلم بتفاصيل أخبارها، ومن يعدّ من فرسان حروبها، ومصاقع خطبائها، ومفلقي شعرائها، وما جرى بينهم في ذلك من الخطب والأشعار والمناقضات" ما يكون معه "مستعدّا لما يستشهد به من واقعة قديمة، أو يرد عليه في مكاتبة، أو شعر: من ذكر أيام مشهورة، أو ذكر فارس معيّن".

وليس أبو دلف وحده من أرسى دعائم مجد بني شيبان في الإسلام؛ فالمثنى بن حارثة الشيباني رمز البطولة في الفتوح الإسلامية للأقاليم الفارسية، وبعده معن بن زائدة الشيباني الممدح في الدولتين الأموية والعباس، وبعده ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني أمير العرب وأحد الأبطال والأجواد، فهذه المكارم وغيرها الكثير أحال لها شيخنا محمد الفاضل بن عاشور بتلك الفقرة الموجزة ورأى أن ما قام به الإمامان محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة والإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني من بلاء في العلم والفقه والحديث يمكن لبني شيبان أن يعتزوا به ويكتفوا به عن مآثرهم في الجاهلية والإسلامية، بل يرى أنهما أحق بقريض ابن الرومي في أبي الصقر الشيباني.

ومن الإحالات الثقافية والتاريخية التي أحال إليها الفاضل واختصر بها قرونا من النضال العقدي والفكري قوله في التأريخ للمذهب السني في العراق قوله لما "جاشت العقيدة الأشعرية الشعبية في العراق واقتحمت قصر المنصور وجامعه، سأل فنا خسرو عضد الدولة -ملك الشرق الشهير وممدوح أبي الطيب المتنبي- عن عالم من أهل الإثبات ليحضر مجلسه"، فهذه الفقرة تؤرخ لعلاقة العباسيين بالعقيدتين المعتزلية والأشعرية وكيف هيمنت الأولى على القرار السياسي وامتحن العلماء والقضاة في سبيل إقرارها وجعلها هي المعتقد الرسمي للمسلمين ثم انتهاء تلك المحنة وانقشاعها في ظل ثبات العلماء في المحنة وأدوارهم المشهودة في نشر المعتقد الأشعري حتى آل الحكم إلى القادر بالله الذي أرسى النسخة الأشعرية الأكثر انتشارا في العالم الإسلامي.

كما أن وصفه لفَنَّا خسرو عضد الدولة بملك الشرق الشهير وبممدوح المتنبي يحيل إلى رحلة سياسية وأدبية؛ السياسية قام بها عضد الدولة الذي "تملك بفارس بعد عمه عماد الدولة، ثم كثرت بلاده، واتسعت ممالكه، وسار إليه المتنبي ومدحه، وأخذ صلاته" كما كان "بطلا شجاعا مهيبا، نحويا، أديبا عالما، جبارا، عسوفا، شديد الوطأة" حسب الذهبي في "السير"، وكان للمتنبي فيه روائع وهي الرحلة الأدبية الأخيرة من حياة مالئ الدنيا وشاغل الناس، وروائع المتنبي الذي تردد بين دول شيعية وسنية لا يمكن إغفاله في ظل التاريخ للفكر السني والشيعي في القرن الرابع بين الشام وعراق العرب والعجم.

إن الارتواء من الأدب والإلمام بالوقائع والأمثال العربية ضروري للاستمتاع بكتابات أصحاب الأقلام الريانة، وهذه الرموز الأدبية والإحالات الثقافية في الحضارات الأخرى تنقص استمتاعنا بنصوصهم وهي معضلة يعاني منها المترجمون، وعقبات تواجه ناقلي الأفكار وقد رصدت الباحثة الفنلندية ريتفا ليبيهالمي في كتابها "عقبات ثقافية: مدخل تجريبي إلى ترجمة الإحالات"، وقد عربه المترجم المصري محمد عناني. رحم الشيخ المبرور محمد الفاضل بن عاشور لقد كان بحق غزير الأفكار "ريان القلم" واضح الحجة وساطع البرهان.