تحرك ولا تنتظر.. الوقوف على الحافة

الأفكار هي المفتاح لتوازن إيقاع الحياة، فهي التي فيها الداء والدواء (مواقع التواصل الاجتماعي)

مخيف جدا تحوّل الإنسان من حالة إيجابية الى أحوال سلبية، ومن طموح إلى تقهقر ونكوص، ومن النظر إلى الآفاق إلى الانسحاب مطأطأ الرأس من الباب الضيق!

ومن إرادة وثَّابة إلى كسل جامد، ومن قوة الإقدام إلى النظر الذي لا يتجاوز الأقدام، ومن تفاؤل إلى تشاؤم، ومن ثقة إلى خوف، ومن إحساس بالحياة إلى اكتئاب وتبلد!

ومن حياة ريانة إلى تيبّس كسير، ومن إشراق متهلل إلى غروب حزين، ومن انطلاقة واثقة إلى خيبة متسمرة واجمة واقفة، ومن العيش في النور إلى السكن في الظلمة، ومن الجلوس بحماسة وسط الجماعة إلى القرفصة وحيدا وسط بوتقة الزوايا الصامتة، ومن جريان الدم في عروق الشغف إلى جلطة وتكلس وغياب الرغبة في عدم فعل أي شيء، فلا شيء حينها سوى الصمت الذي يُخيم على المكان!

مثل هذه الأحاسيس السلبية وغيرها من المشاعر الحزينة قد تُقبل إذا جاءت كعارض نُعطيه مساحته البسيطة ثم يمر سريعا، لنرتب أوراقنا بعده، ونشرع في استكمال مسيرتنا في الحياة.

ولكن الذي لا يمكن قبوله أن تتحول هذه الأحاسيس إلى أفكار أصيلة نتبناها اعتقادا راسخا، ومع الزمن تُصبح هي الأصل لا الفرع في شخصيتنا! وهي الأساس لا الثانوي في بناء كينونتنا! حينها فقط سنكون قد فتحنا أبواب الجحيم على ذواتنا، ووقفنا فوق لظى الجمر.

وسندخل في أداء مشهد من أسواء المشاهد من مسرحية الهلاك على خشبة مسرح الحزن الأبدي، ذلك الحزن الذي نبدأ فيه من الخوف الشديد من خدش كبرياء أنانا المتضخمة، وعدم الاعتراف بهذه التحولات المُرهقة.

فنفتح أبواب الصمت ونترك الأفكار تتقافز كالقرود، وتصطرخ كالثرثرة التي لا نطيق أصحابها، متصارعة في أدمغتنا المنهكة من غواية شيطانين الإنس والجن، والمُتعبة من تساؤلات المصير الذي لم يأت بعد!

وتتواصل هذه التساؤلات -التي يُصاحبها غالبا ضعف الإيمان بالله- تنخر اليأس في عقول أصحابها، وتنحت الكبت في قلوبهم، فيستمرون يأكلون في ذواتهم! وحينها لن يستطيع الجسد الصمود -فهو الوعاء الذي يحمل هذه العقول والقلوب المُحملة بالهموم والغموم، والصاخبة بالتساؤلات والتخيلات المرهقة- فيطلب جدار المعدة طلاء جديدا وإلا أشعل النار في صدر المريء! ويطلب القولون تغيير بعض قطع الغيار، ويبدأ مزاجه يتغير من بعض الأطعمة والمشروبات! وتبدأ المرارة في الغمز واللمز مثل الذي يمزح معاك في الوقت الخطأ! وغيرها من الأعراض اليومية والظواهر الأسبوعية التي تجعل الإنسان يتأرجح بين المرض والصحة، وبين الراحة والألم، وبين الصراع مع تحولات الحياة والتركيز مع إعادة ضبط المصنع في جسده.

وبما أن الأفكار هي المفتاح لتوازن إيقاع الحياة، فهي التي فيها الداء والدواء، وهي التي تتضمن المشكلة والحل، فماذا لو ترك الإنسان الوهم المريح وواجه الحقيقة بحلاوتها ومرارتها، وقلّب وجهه في مرايا مواجهة الذات، وتساءل:

ماذا لو كنت على الحافة؟ ماذا لو اعترفت بالضعف؟ ماذا لو رفعت السماعة وتواصلت مع التفاؤل والأمل؟ ماذا لو عرفت أنها مرحلة ستمضي، فكل مُر سيمر؟ ماذا لو لم يأت الغد الذي أشغل بالي به؟ ماذا قدمت أنا لنفسي وللعالم؟ ما الخطوات التي قمت بها؟ ماذا لو كان هذا اليوم هو أول يوم في حياتي؟ وهل يمكنني الولادة مرة ثانية؟ هل باب العودة للحياة الهانئة ما زال مواربا؟ وهل المخرج نحو خطة الرجعة مفتوح؟ وهل نقاط التحول تنتظر مني قصة جديدة؟ وهل ما زال في الأحلام ما يستحق العيش من أجله والقتال لتحقيقه؟

وكلما ذهبت الأسئلة الحارقة في فضاءات الحيرة عادت بثلج الإجابات المطمئنة، فبعض الدول تعيش على الحافة فكيف بالبشر، ولا شيء آمن في الحياة دون تدخل رباني، ولا شيء ثابت في الكون المليء بالمتغيرات.

والأصل يمكن في إحياء روح الإنسان القوية، وإيقاظ نفسه الأبية، والانطلاقة بجسد لا يشيخ نحو المُثابرة على المحاولات لكسب الملَكَات، وترك الأبواب مشرعة للطموحات، فلا شيء صعب أمام قُدرة الله وتوفيقه.

والقصة دائما لا تكمن في أنك تعيش على الحافة بقدر ما تتلخص في قوة إيمانك وتفاؤلك بربك الذي ينبغي أن تفر إليه في كل وقت وحين، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الذاريات:

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
الآية: 50

ثم بذل الأسباب المادية عبر الخطوات التي تُقيم بها اعوجاج أحوالك، والتي تبدأ من عقلك وقلبك كما قال ستيفن كوفي: "الأشياء تبتكر مرتين، مرة في الذهن، والأخرى في الواقع". والمهم ألا تخسر الأمل، وألا تفقد التفاؤل، وألا تشك في ثقتك بنفسك، وألا تتوقف.

والخيار دائما لك بالذهاب نحو الحياة الحقيقية المليئة بالحيوية والتفاؤل والانطلاقة، أو البقاء في مكانك، وربما التدهور أكثر فأكثر نحو التكاسل والتسويف والتشاؤم والتوقف تمهيدا للانهيار! فالوقوف على الحافة لا يعني النهاية، بل يُخفي بدايات جميلة جديرة بالتحرك لا الانتظار، وكما يقال: "لك شيء في هذا العالم، فقم".