السقوط للأعلى

سوريا - ريف حلب: عمقت العاصفة الثلجية من جراح النازحين وأجبرتهم على المبيت في العراء بعد سقوط خيامهم
في بعض المواقف، ازرع كلمة أو فعلا يغيّر مسار الطريق أو البيئة الشنيعة الفاسدة ولو قليلا (الجزيرة)

ترى هل من المنطق أن يسقط الإنسان للأعلى؟! نعم، وهنا تكمن الخطورة حقيقة حين يفنى المنطق، ويُستحدث منطق عكس المنطق!

أضع بين أيديكم قصة أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام كدرس لنا جميعا وإيضاح المعنى الذي أريد، فعندما كان النبي يعقوب يميل قلبيا لابنه يوسف عليهما الصلاة والسلام -وهو أمر يحدث دون إرادة الإنسان- لما كان عليه من حسن الخلق والخلقة حيث لم يحظ أحد من إخوة يوسف بتلك المحبة، احتقنوا بالغيظ وأضمروا الشر في قلوبهم، وبدأت الأفكار السوداوية تئز أدمغتهم أزا، فأنى لهم أن يحظوا بمثل هذا الحب من أبيهم؟!

تآمروا فيما بينهم على طفل لم يكن ذنبه سوى أنه جميل، محبوب، مؤدب، صافي الفطرة، نقي التوجه، لم يؤذ أحدا، فوضعوا خطة درسوا أبعادها مرحلة مرحلة، ووصل بهم الأمر إلى التشاور على قتله، إلى أن تحركت عاطفة أحدهم فتراءت له فكرة إلقائه في غيابة جب في بئر مظلمة يأخذه بعض المسافرين المارين في تلك الدروب، فلا يقض ذلك مضجعهم مثلما لو أنهم قتلوه، فاتفقوا على إقصائه عن أبيه، وذهبوا إلى أبيهم يرتدون زي الملائكة في محاولات مراوغة لإقناعه بالسماح لهم باصطحاب يوسف ليتفسح ويلعب، فما كان من يعقوب إلا أن أبدى خوفه عليه كونه لم يبلغ الحلم بعد، وإن غفلوا عنه سيعدوا عليه الذئب فيأكله، فما كان منهم إلا أن راهنوا على أنه إذا حدث هذا سيكونون من الخاسرين وليست فيهم صفات الرجولة والشهامة، فاستجاب يعقوب لمطلبهم أخيرا، ولا يزال في قرارة نفسه يراوده هاجس الخوف على يوسف منهم، ولكنه نسب الأذى المتوقع لمصدر خارجي كالذئب، علّ قلوبهم تلين تجاهه.

قال تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) وعندما خرجوا به نفذوا ما خططوا له، فأنزلوه في بئر وتركوه وراءهم صغيرا وحيدا خائفا، ثم رجع المكرة في ظلمة الليل يظهرون حزنهم وصوت عويلهم يجلجل ويعلو؛ حتى لا يلحظ الغدر في عيونهم أو يستنبط الكذب من أقوالهم، وبذا يكون مجيئهم المتأخر على غير عادتهم وبكاؤهم برهانا قاطعا على صدقهم.

فكل هذه التمثيلية من شأنها أن تجعل نفس يعقوب تتهيأ لخطب جسيم سيلقى على مسمعه، واستدرجوا عاطفته أيضا ليرق قلبه لحالهم فلا يعاقبهم، وبدا ذلك حين تلطفوا بقولهم "يَا أَبَانَا"، بل كان العذر الذي اعتذر به يعقوب عن إرسال يوسف معهم هو الحجة ذاتها التي تذرعوا بها، ووصل بهم المكر أن أتوا بقميص يوسف ملطخا بالدم ليؤكدوا أقوالهم، ولكن شاء الله أن لا يصدقهم يعقوب؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال، والرؤيا التي قصها عليه يوسف، ما دله على ذلك.

قال تعالى: (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) وظنوا أنهم بفعلتهم هذه سيستأثرون بحب والدهم، ثم يتطهرون من دنس جريمتهم بتوبة يعودون بعدها بقلوب ملؤها النقاء!: (اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ).

لاحظوا أن أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام وقعوا في عقوق والدهم، وقطع رحم، واحتيال وكذب، وغدر وعدم وفاء بالعهد، ناهيكم عن التلاعب بالمشاعر، وإن هذا لشؤم الذنوب، فحين سوّلت لهم أنفسهم فعل ذنب واحد لم يشبعه إلا أن تأتي خلفه الذنوب تباعا حتى تخندقوا بها تماما، وكل هذا ليصلوا إلى أعلى مقامات المحبة في قلب يعقوب، ونسوا أن الله مطلع عليهم ويعلم ما لا يعلمون، قال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)، ونسوا أيضا أن نقاء السعي ضروري لسلامة الوصول!

كل هذا لسبب واحد فقط وهو الغيرة، ففي بعض الأحيان حتى لو لم تؤذ أحدا ستجد أناسا يسعون لإيذائك خلال سقوطهم لأن وجودك بحد ذاته يستفزهم، فهم لا تستفزهم نقائصنا بقدر ما تستفزهم الأشياء الجميلة فينا لأنها تذكرهم بحجم نقصهم!

آه كم علينا أن نعد ونقيس مواقف تحدث في حياتنا على هذا المنوال، هؤلاء يعلون بسقوطهم أيما سقوط، فلا يكون لهم من السقوط الحر نصيب أبدا، يكبلون أنفسهم في تسارعهم نحو بيع مبادئ دينهم وأخلاقهم وقيمهم من أجل متاع الدنيا بما فيها مصالحهم (كمنصب وظيفي أو جاه أو مال، أو شهرة، أو زواج، أو صداقة إلخ). فيكذبون، يفتنون، يفترون، ينتقصون من قدر الآخرين، يظلمون، يقسمون بالله جهد أيمانهم كذبا ليصلوا بأي طريقة كانت!

ولربما يصيبك الذهول من هؤلاء وما يظهرونه من التماسك النفسي العجيب الذي لا يشوبه تضعضع أو خوف، لكن صدقني بقدر ذلك الظاهر الذي جعلوك تراه، ستفقد رباطة جأشك حين يقفون بين يدي الله لفرط ما سترى حينها!

هكذا، عندما يتهاون الإنسان ويتلاعب بالجذور في أرض دينه وأخلاقه، فإن سقوطه سيغدو مسألة وقت فقط!

نعم يسقط حين يبلغ المرء علوا كان يصبو إليه ولكن بزرع خبيث.

قال تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ)، إن الذي قدم هذا الاقتراح يبدو أن السبل ضاقت به، وقد رأى أن مخططهم حاصل لا محالة، وأن نفوسهم بدأت ترى أمر القتل متقبلا وسائغا، فحاول إغواءهم في وصف الإلقاء ببشاعة "غيابة الجب"، أي أن خبره سيغيب فور إلقائه في البئر، فاستخدم اللغة ليدعم موقفا هو يثبط شروعهم الشرير، وهكذا غيّر مسار الخطة بتحقيق مرادهم بأخف الضررين أو بفكرة أقل بشاعة من القتل!

ففي بعض المواقف إذا ما استطعت أن تقلع من الجذور فلا تقف حائرا، بل ازرع كلمة أو فعلا يغير مسار الطريق أو البيئة الشنيعة الفاسدة ولو قليلا، فيكفيك شرف محاولة تطبيق بعض من مبادئك حتى تتسنى لك الفرصة لتطبيقها كاملة، فالبعض يصحبك إلى الكل.

وقد تفوت في الحياة فرصا وتعزف عن مغريات كثيرة لتصون مبادئ دينك وأخلاقك من شوائب الارتفاع المشوه نحو كسب رخيص لا يساوي جناح بعوضة، ولو كان بنظر الجميع باهظ الثمن، واسأل الله الثبات، وتذكر أن من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه، ويكفي أن تقول الحق ولا تخف على رزقك فإنه آت لا محالة.

وإن مما يعينك على الثبات، القرآن الذي تتمثل فيه متانة حبك لله (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا)، وإن آية من آياته وقصصه تنزل بردا وسلاما على قلوبنا، ثم التف حول أشخاص يعينونك على الخير "إن من الناس ناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر"، ثم خذ زمام المبادرة وأعن غيرك على الثبات حتى لا يسقط في هوة السقوط للأعلى، وعوّد لسانك أن يلهج بذكر الله فإنه من أعظم أسباب التثبيت، وادع الله كثيرا أن يثبتك في زمن اللامبادئ واصبر، قال تعالى: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)، وإن حدث ووقعت في تلك الهوة فتراجعْ وتب إلى الله توبة نصوحا، ولا تتمادى أكثر. صدقني إن من عجز عن التوبة الآن فهو لاحقا عنها أعجز، إن لم تدركه رحمة الله، وتذكر دائما أن ساعتك قد تكون بعد لحظات!

إن القوة كل القوة أن تكون مع الله فلا يغرنك الوصول إلى أعلى القمم وقلبك وعقلك تائهان في دياجير الظلام، كمن يسعى في هذه الأرض بغير قبلة دائرا في الرحى!

فاشدد وثاق قلبك واذهب به سليما إلى الله، وضع مخافة الله نصب عينيك في كل عمل تقدم عليه، وإن لم تسوغ نفسك لك الإحسان في طريقك للوصول، فإياك ثم إياك أن تؤذي، واجعل شعارك في دروب الحياة:

أنا نور هذا الكون إن هو أظلما!

الساقطون للأعلى وصفتهم في خاطرة بأنهم: ككومة قش حسبتها جبلا فأصابها لهب، وإذ بها رماد محترق، أو كمن يخلع ثيابا طالما كان ارتداؤها سترا ملؤه الألق، الساقطون للأعلى يتنازلون عن ثوب تلو آخر، ومع أول ثوب يخلع تجد لهم من العلو مرتعا ويسترسلون كمهرج مستمتع فينهجون هذا النهج اعتيادا متتبعا ودون أدنى وعي، وكلما سارعوا في ذلك أكثر تحومتهم جموع أكثر، إلى أن يتعروا تماما! عندها سيعلو لهم تصفيق الجماهير وهتافاتهم عبثا، وينالون ما بغوه من رضى الجماهير، لا من رب تلك الجماهير، أي الوصول الواهم إلى القمة الأرخص!