مواجهة الأفكار الدخيلة والاتجاه الواحد.. الإسلام بين الحاضر والماضي

قصر الحمراء.. رمز العمارة الإسلامية في الأندلس (شترستوك)

حين كان عامة الناس في قرطبة بوسعهم القراءة والكتابة في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله، كان الأساقفة -فقط- في مملكة "ليون" يحسنون من العلوم ما يحسنه عامة المسلمين، وقد سأل الطبيب "حسداي" الملكة "تودا" عن سبب هذا فكانت إجابة الملكة أن الأساقفة يرون أن العلم والتعلم يجعلان الناس مختلفين فيما بينهم، فلا يقام لهم قائمة ما داموا مختلفين، وأن العلم يجب أن يظل لأهل العلم فقط.

كان هذا منذ أكثر من ألف عام، وها نحن الآن نرى تلك البلاد التي كان يطلب أهلها العلم من المسلمين بشتى الطرق، تتعالى علينا بفنونها وتطورها.. ولا أعيب على أوطاننا إلا أنها تركت دينها، الذي يدفعنا دفعا لطلب العلم، فنحن قد بلغنا زمانا يصنع فيه الغرب السلوك العربي ويشكله حسب هواه، فيختار لنا ملابسنا وأشكالها وهيئتها بدعوى الموضى، ويختار لنا منهجنا وطريقنا بدعوى التحضر، ويختار لنا ميولنا وغرائزنا بدعوى التفتح، ويختار لنا عقيدتنا بدعوى المحبة، فيصبح المسلم مسلمًا على الهوية فقط، ولربما ابتدعوا لنا مسمًى آخر بعد ذلك، فتسير وقد ترى شبابًا يحفظ من الأغاني ما لا يحفظه من القرآن ويحسن من الشتائم ما لا يحسنه من الشعر، ويحب كل نساء الأرض ولا يحسن الحب لزوجته ولا يجيد بر أمه، فكيف بنا ونحن على أعتاب حرب مع هؤلاء.

بلى والله إن اللَّه أعزنا بالإسلام، فحين ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، وها نحن نشهد صدق تلك الكلمات الآن، كما نشهد صدق مقولة أحد عظماء الإسكندرية في زمان عمر بن العاص حين حدثه الصحابي الجليل وأخذ يشرح كيف بدأت الدعوة وكيف سارت إلى مصر، وكان جواب الرجل: إن رسولكم قد صدق، فلقد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولكم، فكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك، فجعلوا يعملون بأهوائهم، ويتركون أمر الأنبياء، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، ولم يشارككم أحد إلا ظهرتم عليه، فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر نبيكم وعملتم مثل الذين عملوا بأهوائهم خلّى بيننا وبينكم، فلم تكونوا أكثر عددا منّا ولا أشد منا قوة. فقد صدق هذا الآخر، ولم يكذب الصحابي ولم يكذبنا نحن أيضًا..

وأسفي على رجالات الدعوة أنهم فقدوا الهمة وافتقدوا التجديد وبلغ بهم الحال أن رددوا بين أنفسهم أن الناس تعلم كل شيء وما أصبح رجل الآن إلا ويعلم الحلال والحرام، وإني أناشدهم بالله أن يراجعوا أنفسهم وأن يجددوا عهدهم وأن يتفقوا على شيء واحدٍ على الأقل وهو مهاجمة الأفكار الدخيلة وأصحاب الاتجاه الواحد، وإني والله أكتب تلك الكلمات وما أكتبها وأنا جالس على جبل من النعم أو تلال من الحسنات، بل أكتبها وأنا رجل من الناس، يصيبني ما يصيبني من الخطأ والسهو والعصيان، لكنني أجاهد نفسي قدر المستطاع بتلك الكلمات فلربما ضاق صدري ولم يعد يتحمل كتمانها، ولتكن دعوة للقاصي والداني ألا يترك الدعوة إلى الله مهما كانت حالته، لنجعل من حزننا سبيلاً للحقيقة، ومن أخطائنا نورًا للبصيرة فندرك به أننا بشر، ونفوض أمرنا لله فهو حسبنا ونعم الوكيل.