الأمن الغذائي ومشكلاته..

عمال يحصدون القمح والشعير (الجزيرة)

الغذاء من الأساسيات التي يقوم عليها العالم وحياة الإنسان؛ فمن دون غذاء لا يمكن للإنسان أن يستمر في العيش، وإن عاش فيعيش هزيلا مريضا، ولهذا فإن الغذاء من المرتكزات التي تقوم عليها الحياة وحركية المجتمعات والدول.

وعرف التاريخ أزمات اقتصادية كثيرة، وإن كانت أزمة الكساد العظيم سنة 1929 هي الكبرى، إلا أن العالم عرف أزمات في الغذاء على صورة مجاعات عصفت بأفريقيا وبعض المناطق في آسيا، هذا إلى جانب المؤشرات الاقتصادية العالمية التي تصنف الدول إلى فقيرة وغنية، وهذا يدل على هشاشة الوضع الغذائي لدى الكثير من الدول التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لشعوبها.

ويمكننا أن نقدم تعريفا للأمن الغذائي على أنه الحد المتعارف عليه صحيا واقتصاديا الذي يسد حاجة الإنسان يوميا، بعبارة أخرى إنه القدر الأساسي الذي يمكّن الإنسان من الحصول على سعرات حرارية تكفيه للعيش يوميا. ومن المنظور الطبي، يمكن القول إن الحد الأدنى للحاجيات اليومية للشخص البالغ الذي يبذل مجهودا عاديا يقدر بنحو 1800 سعرة حرارية يوميا، ويكون مصدرها غالبا الوجبات اليومية، وإن كان الإنسان في العالم يركز غذاءه على مادة الخبز التي تعتمد على القمح أو الأرز، كما هي الحال في بعض الدول الآسيوية، إلى جانب مكونات أخرى تختلف من منطقة إلى أخرى ومن مستوى معيشي إلى آخر، حسب الظروف والإمكانيات التي يمتلكها الإنسان.

إلا أن المادة الأساسية التي يعتمد عليها العالم في الغذاء هي القمح بكل أنواعه الصلب واللين وأيضا الشعير والنخالة؛ فحسب الخريطة الاقتصادية لهذه المادة، فإننا نجد أن هناك دولا تأتي في صدارة المنتجين والمصدرين للقمح، إذ تشير الإحصاءات إلى أن الصين تأتي في المرتبة الأولى بنحو 131 مليون طن، تليها الهند، ثم روسيا، وبعدها الولايات المتحدة الأميركية، ثم كندا، وفرنسا، وبعدها أوكرانيا. وتعد روسيا أعلى دولة مصدرة للقمح بنحو 37 مليون طن، وبعدها الولايات المتحدة الأميركية، ثم أوكرانيا في المرتبة الخامسة بنحو 18 مليون طن. ومن واقع الأرقام نجد أن روسيا وأوكرانيا من بين أكثر الدول تصديرا وتمويلا للأسواق العالمية بمادة القمح، وهذه الأزمة الروسية الأوكرانية أحدثت خللا في الأسعار والإمدادات الغذائية، مما انعكس على الأسعار والتموين في دول العالم.

وفي المقابل، نجد أن أكبر مستوردي القمح في العالم مصر -التي احتلت المرتبة الأولى بنحو 12.1 مليون طن- تليها إندونيسيا في المرتبة الثانية، ثم الجزائر بنحو 7 ملايين طن، وقبلها الصين، هذا إلى جانب مواد أخرى مثل المواد التي تصنع منها مادة الزيت مثل بذور دوار الشمس.

فأول انعكاس عرفه العالم في مسألة الغذاء بعد الحرب الروسية الأوكرانية كان ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية كالقمح والزيت  إلى جانب نقص التموين وتذبذب توريد هذه المادة بالأسواق العالمية، حيث الندرة والتوجه إلى تخزين احتياطات لمواجهة الأزمات الغذائية. وكان الانعكاس الآخر ارتفاع الأسعار بمقدار الثلث تقريبا، مقارنة بالأسعار السابقة كما برزت أزمات غذائية في كثير من الدول مثل تشاد -التي أعلنت حالة المجاعة بسبب عدم قدرتها على توفير المواد الأساسية- وبعض الدول التي وضعت في حالة سوء التغذية، وحتى الدول الأوروبية لم تستثن من الأزمة، إذ شهدت تذبذبا في مادة الزيت النباتي وارتفاعا في أسعار المواد الغذائية بنحو الثلث، خاصة الحليب الذي يعتمد على مادة العلف المستورد من أوكرانيا مع ارتفاع أسعار الوقود.

مما سبق، نجد أن الأمن الغذائي أصبح ضرورة أساسية بل إستراتيجية تحتاج إلى دراسة وتخطيط بسبب الأزمات ومشاكل الطاقة التي زاد من حدتها التغير المناخي الذي أسهم في موجات الجفاف.

وأصبح الأمن الغذائي في العالم الآن رهين الأزمة الروسية الأوكرانية، والعقوبات التي يفرضها الغرب على روسيا، وتأثر المناطق بالمعارك والحروب؛ مما عطل الدورة الزراعية. وأمام عجز منظمة الأغذية والزراعة (فاو) عن التصدي لهذا الخلل من منظور استعجالي، ستضطر الدول إلى أن تعتمد على إستراتيجية تقوم على العناصر التالية:

  • أولا: إعداد مخزون احتياطي من المواد الغذائية الأساسية، خاصة القمح والحليب المجفف، تكون صالحة لمدة 18 شهرا.
  • ثانيا: توجيه البحث العلمي نحو إيجاد حلول خاصة بالغذاء بشكل أساسي.
  • ثالثا: بناء إستراتيجيات فلاحية من خلال استصلاح الأراضي، والاهتمام بالاستثمار في القطاع الفلاحي، والتنويع الزراعي وكراء الأراضي الزراعية في دول لديها فائض في الأراضي.
  • رابعا: وضع خطط لاستيراد القمح من دول متنوعة وعدم الاعتماد على دولة واحدة.
  • خامسا: بناء أسطول من السفن التجارية المتخصصة في النقل الزراعي لتفادي أي مشكلة أو ارتفاع في الأسعار.
  • سادسا: وضع برنامج غذائي وطني يقوم على التقشف وترشيد الاستهلاك.

وعلى ضوء المؤشرات الراهنة للحرب التي تدور بين روسيا وأوكرانيا، نجد أن أزمة الأمن الغذائي ستشهد مؤشرات متصاعدة العام القادم إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، وهذا لأسباب كثيرة، أهمها أن الدول لم تستعد لموجة نقص الإمدادات الغذائية، ومع ارتفاع أسعار البترول والوقود سترتفع أسعار المواد الغذائية، وبالتالي ستستمر أزمة الغذاء ما دامت الأزمة الروسية الأوكرانية قائمة.